معنى : " ليس منا "
جاءت هذه العبارة في أحاديث للنبي لتحذر من أفعال وصفات مختلفة المراتب ؛ ولذلك فإن المعنى قد يضيق ويتسع حسب ما وردت فيه ، وما يكون من حال الفاعل ؛ لكن ليحذر الناس من فهم العبارة على غير المراد منها ، فإن الظاهر من إطْلاقِ اللَّفْظِ محْتِملٌ لإِرَادَة أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمِلَّة ، وإنما جاءت العبارة هكذا لِلْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْر وَالتَّخْوِيف كما قال العلماء ([1]) . قال النووي - : ومعناها عند أهل العلم أنه ليس ممن اهتدى بهدينا واقتدى بعلمنا وعملنا وحسن طريقتنا ، كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله : لست منى ؛ وهكذا القول في كل الأحاديث الواردة بنحو هذا القول ، كقوله : « من غش فليس منا »وأشباهه ([2]).
قال ابن تيمية - : الصواب أن هذا الاسم المضمر [ أي : ( نا ) في منا ] ينصرف إطلاقه إلى المؤمنين الإيمان الواجب ، الذي به يستحقون الثواب بلا عقاب ، ولهم الموالاة المطلقة والمحبة المطلقة ، وإن كان لبعضهم درجات في ذلك بما فعله من المستحب ، فإذا غشهم لم يكن منهم حقيقة لنقص إيمانه الواجب ، الذي به يستحقون الثواب المطلق بلا عقاب ، ولا يجب أن يكون من غيرهم مطلقًا [ أي غير المؤمنين ] ؛ بل معه من الإيمان ما يستحق به مشاركتهم في بعض الثواب ، ومعه من الكبيرة ما يستحق به العقاب ، كما يقول من استأجر قومًا ليعملوا عملا ، فعمل بعضهم بعض الوقت ، فعند التوفية يصلح أن يقال : هذا ليس منا ، فلا يستحق الأجر الكامل ، وإن استحق بعضه ( [3] ) .
فمعنى كلام الشيخ - - أن " ليس منا " : ليس من المؤمنين الكاملي الإيمان الواجب ، بل إيمانهم الواجب ناقص ، بما قد فعلوه من هذه الأفعال ، فاستحقوا بذلك العقوبة والدخول تحت قوله : « ليس منا » . ولذا قال في موضع آخر : وكذلك قوله : « من غشنا فليس منا »، و « من حمل علينا السلاح فليس منا » كله من هذا الباب ، لا يقوله إلا لمن ترك ما أوجب الله عليه أو فعل ما حرمه الله ورسوله ، فيكون قد ترك من الإيمان المفروض عليه ما ينفى عنه الاسم لأجله ، فلا يكون من المؤمنين المستحقين للوعد ، السالمين من الوعيد ([4]) .


[1] - انظر شرح مسلم للنووي : 2 / 107 ، وفتح الباري : 12 / 197 .

[2] - شرح مسلم : 1 / 109 .

[3] - انظر مجموع الفتاوى : 19 / 294 ، 295 .

[4] - انظر مجموع الفتاوى : 7 / 41 .