قال تعالى " قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنِّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُوْلُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ (35) النمل
لا أدرى لماذا ناقش بعض العلماء قضية ولاية المرأة عند هذه الآية ليختلفوا في جواز ذلك من عدمه والآيات لا تعيب هنا ولاية هذه المرأة لا نصا ولا فحوى بل العكس .
اولا:- أما أن الآيات لم تعب ولاية المرأة في هذا الموضع من القران فان خطاب الهدهد اني وجدت امراة تملكهم لم يعب على القوم توليهم امرأة بل عاب عليهم سجودهم للشمس من دون الله بقوله وزين لهم الشيطان اعمالهم أي أن اعتراضه على سجودهم للشمس من دون الله وليس على قبولهم ولاية امرأة وماكان القران وهو الحق الذي لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ماكان ليورد امرا باطلا معيبا دون ان يعقب عليه .
ثانيا:- فضلا عن ذلك فما اوردته الايات بشأن هذه المراة التي نصبت ملكة على قوم يدل على رجاحة عقلها وحكمتها وحسن تدببر للامور ومشاورتها قومها في القضايا العامة وهو مالم يفعله غيرها من الملوك الذكور اذ "قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ". وهو ماكان سببا في سلامتها وسلامتهم في المقابل اخبرنا القران عن فرعون وكان ذكرا نصب على قومه ملكا فلم يقنع الا بالالوهية ولم يشاورهم في شيء بل الصواب مايراه هو فقط " وَقَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وهو ماكان سببا في هلاكهم " فاوردهم النار وبئس الورد المورود"
ثالثا:- غير اننا نريد توسيع دائرة التأمل لنقف عند الملوك الذين نادوا بهذا النداء "يا ايها الملا " ا وردت هذه العبارة على السنة ثلاثة من الملوك عرضهم القران " الأولى هذه الملكة في سبأ في قولها " يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ "والثانية موضع سورة يوسف عندما قال الملك "يَا أَيُّهَا المَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)"يوسف وكان قد رأى رؤيا اقلقته واحب ان يعبرها له المعبرون والثالثة موضع سورة غافر "وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا المَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي " 38 غافر الملا في اللغة هم اشراف وعلية القوم الذين يرجع اليهم الامر
فاما الموضوع الاول فهو المرأة الملكة عندما تعرضت لقضية عامة عرضتها على الشورى ولجأت الي علية القوم تستشيرهم وتتعهد انها لن تبرم امرا دونهم فتقول لهم ماكنت قاطعة امرا حتي تشهدون اما موضع يوسف فالملك قد راى رؤيا مقلقة فلجأ الى الملأ اي علية القوم واشرافهم ليعبروها لكن المجتمع وقتها كان في حالة من التدهور والفساد والتفكك والانحطاط حتى ان من يحلم بحمل الخبز لتاكل الطير منه يقتل ومن يحلم بعصر الخمر للملك يفرج عنه والحديث الذي يشغل بال نسوة هذا المجتمع ان امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه ولذلك فان علية القوم واشرافهم " الملأ " قابلوا هذا القلق الذي يتهدد مجتمعهم بهذه اللامبالاة والاستهتار " اضغاث احلام ومانحن بتأويل الاحلام بعالمين " ولوكان الملك سار ورائهم ما خرج من الكارثة التي حلت ببلده
اما فرعون فقد استخف بقومه فأطاعوه ومن ثم فعلية القوم واشرافهم لاينبغي لهم ان يروا الا مايراه الفرعون فكان العاقبة أن أوردهم النار وبئس الورد المورود
ان الايات عرضت ان ملكة سبأ برجاحة عقلها وحكمتها قادت قومها الى النجاة في الدنيا والاخرة وقالت رب اني ظلمت نفسي واسلمت مع سليمان لله رب العالمين وعذرها القران فيما مضى من سالف عهدها بقوله " وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّـهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ ﴿٤٣﴾النمل
وقد ظهر رجاحة عقلها من تقييمها لكتاب سليمان اذ "قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ ﴿٢٩﴾ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ﴿٣٠﴾ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴿٣١﴾النمل فقد وصفت الكتاب بالكريم قبل ان تفكر فيما تفعل بشأنه رغم ان ما يشتمل عليه الكتاب من المعاني لم يكن محمودا عندها ؛ لأنها قالت ان الملوك اذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا أعزة اهلها اذلة " وقد اختلف أهل العلم في سبب وصفها الكتاب بالكريم ، فقال بعضهم : وصفته بذلك لأنه كان مختوما وقال آخرون : وصفته بذلك لأنه كان من ملك فوصفته بالكرم لكرم صاحبه .
وانا أميل الى ان وصفها الكتاب بالكريم لانه بدأ ببسم الله الرحمن الرحيم فالسياق يخدم هذا المعنى كما ان هذ الافتتاح لم يتعوده الملوك والسلاطين اذ تعودا ان يبدأوا كتبهم باسمهم فيقولون باسم فلان ملك كذا او باسم صاحب الجلالة فلان بن فلان اما ان يكون ملك ولايبدأ الاعمال باسمه بل باسم الله معناه انه ملك عبد لله وانه يقوم على هذا الملك عبودية لله وليس لشهواته فمملكة سليمان ليست مملكة لإرضاء نزوات وشهوات اشخاص بل مملكة ربانية تعبد الناس لله رب العالمين وهومادعاها ان تتاكد من ذلك. ولنرى كيف كان تصرف الملكة ورد فعل سليمان في الحلقة السادسة

رابط المقال على مدونتي