إن البلاء موكل بالمنطق
البلاء موكل بالمنطق ؛ عبارة لها تحقيق في واقع الناس ، ومنْ يبحث في ذلك يرى عجبًا ؛ وقد ردت كحديث جاء عن عدة من الصحابة ، لكن طرقه كلها معلولة لا تصح ، ولا تتقوى .
وفي ( مجمع الأمثال ) : قال المفضل : يقال : إن أول من قال ذلك أبو بكر الصديق فيما ذكره ابن عباس قال : حدثني علي ابن أبي طالب : لما أُمِرَ رسولُ اللَّه أن يَعْرِضَ نفسَه على قبائل العرب ، خرج وأنا معه وأبو بكر ، فَدُفِعْنَا إلى مجلسٍ من مجالس العرب ، فتقدم أبو بكر وكان نَسَّابة ، فسَلَّم ، فردُّوا ؛ فقال : ممن القوم ؟ قالوا : من ربيعة ، فقال : أمِنْ هامتها أم من لَهَازمها ؟ قالوا : من هامتها العظمى ؛ قال : فأيُّ هامتها العظمى أنتم ؟ قالوا : ذُهْلٌ الأكبر ؛ قال : أفمنكم عَوْف الذي يقال له لاَ حُرَّ بِوَادِي عَوْف ؟ قالوا : لا ؛ قال : أفمنكم بِسْطَام ذُو اللَّواء ومنتهى الأحياء ؟ قالوا : لا ؛ قال : أفمنكم جَسَّاس بن مُرَّةَ حامي الذِّمار ومانِعُ الجار ؟ قالوا : لا ؛ قال : أفمنكم الحَوْفَزَان قاتل الملوك وسالبها أنفَسها ؟ قالوا : لا ؛ قال : أفمنكم المزدَلف صاحب العِمَامة الفَرْدة ؟ قالوا : لا ؛ قال : أفأنتم أخوال الملوك من كِنْدَة ؟ قالوا : لا ؛ قال : فلستم ذُهْلا الأكبر ، أنتم ذهل الأصغر .
فقام إليه غلام ، قد بَقَلَ وَجْههُ ، يقال له : دغفل ، فقال :
إنَّ عَلَى سِائِلِناَ أنْ نَسْأَلَه ... وَالْعِبْءُ لاَ تَعْرِفُهُ أوْ تَحْمِلَهُ
يا هذا ، إنك قد سألتنا فلم نكتمك شيئًا ، فمَنِ الرجل أنت ؟ قال : رجل من قريش ، قال : بخٍ بخ أهل الشرف والرياسة ، فمن أي قرش أنت ؟ قال : من تَيْم بن مُرَّة ؛ قال : أمْكَنْتَ واللَّه الرامي من صفاء الثغرة ؛ أفمنكم قُصَيُّ بن كلاب ، الذي جَمَعَ القبائل من فِهْر ، وكان يُدْعَى مُجَمِّعًا ؟ قال : لا ؛ قال : أفمنكم هاشم ، الذي هَشَم الثريدَ لقومه ، ورجالُ مكة مُسْنتُونَ عِجَاف ؟ قال : لا ، قال : أفمنكم شَيْبَةُ الحمدِ ، مُطْعم طير السماء ، الذي كأن في وجهه قمرًا يضيء ليل الظلام الداجي ؟ قال : لا ، قال : أفمن المُفِيضينَ بالناس أنت ؟ قال : لا ، قال : أفمن أهل النَّدْوَة أنت ؟ قال : لا ؛ قال : أفمن أهل الرِّفادة أنت ؟ قال : لا ؛ قال : أفمن أهل الحِجَابة أنت ؟ قال : لا ؛ قال : أفمن أهل السِّقَاية أنت ؟ قال : لا .
قال ( أي علي ) : واجتذبَ أبو بكر زِمام ناقته ، فرجع إلى رسول اللّه ؛ فقال دغفل : صادَفَ دَرأ السيل دَرْأً يصدعُهُ ؛ أما واللَّه لو ثَبَتَّ لأخبرتك أنك من زَمَعَات قريش ، أو ما أنا بدغفل .
قال : فتبسَّم رسولُ اللّه ؛ قال علي : قلت لأبي بكر : لقد وقَعْتَ من الأعرابي على باقِعَةٍ ! قال : أجَلْ ، إن لكل طامةٍ طامة ، وإن البلاء مُوَكَّلٌ بالمنطق ( [1] ) .
وفي مصنف ابن أبي شيبة عن إبراهيم ( النخعي ) قال : قال عبد الله ( ابن مسعود ) : البلاء موكل بالقول ( [2] ) . وقد أحسن من قال :
لا تنطقنْ بمقالةٍ في مجلسٍ ... تخشى عواقبَها وكن ذا مَصْدقِ
واحفظْ لسانكَ أن تقولَ فتبتلى ... إِن البلاءَ موكلٌ بالمنطقِ
ومن البلاء الحاصل بالقول : قول الشيخ البائس الذي عاده النبي ؛ ففي صحيح البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ ، قَالَ : وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ : " لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " ؛ فَقَالَ لَهُ : " لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " ، قَالَ : قُلْتَ طَهُورٌ ! كَلَّا ، بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ - أَوْ تَثُورُ ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ ، تُزِيرُهُ الْقُبُورَ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ : " فَنَعَمْ إِذًا " ( [3] ) .
ولمَّا نزل الحسين وأصحابه بكربلاء ، سأل عن اسمها ؛ فقيل : كربلاء ؛ فقال : كربٌ ، وبلاء ؛ فجرى ما جرى .
وفي ( تذكرة الحفاظ ) عن سليمان بن يسار قال : كنت أقسم نفسي بين ابن عباس وابن عمر ، فكنت أكثر ما اسمع ابن عمر يقول : لا أدري ؛ وابن عباس لا يرد أحدًا ، فسمعت ابن عباس يقول : عجبًا لابن عمر وردِّه الناس ، ألا ينظر في ما يشك ، فإن كانت مضت به سنة قال بها ، وإلا قال برأيه ! قال : فسمعت ابن عباس وسئل عن مسألة فارتج فيها ؛ فقال : البلاء موكل بالقول ( [4] ) .
ومن ذلك ما قاله المؤمل الشاعر في امرأة من الحيرة كان علقها ، قال :
شفَّ المُؤمِّلَ يومَ الحيرةِ النَّظرُ ... ليتَ المؤمِّلَ لم يُخلقْ لهُ بصرُ
فيقال : إنه رأى رجلاً في المنام قد أدخل إصبعيه في عينيه ، فأخرجهما ، وقال : هذا ما تمنيت ، فأصبح أعمى ( [5] ) .
ومن ذلك قول مجنون بني عامر ( مجنون ليلى ) :
فلو كنتُ أعمى أخبطُ الأرضَ بالعصا ... أصمَّ فنادتْني أجبتُ المنادِيا
فعمي وصُمَّ ( [6] ) .
وعليه أنشدوا :
لا تمزحن بما كرهت فربما ... ضرب المزاح عليك بالتحقيق
وقال آخر :
لا تَنْطِقَنَّ بِمَا كَرهْتَ فَرُبَّمَا ... نَطَقَ اللِّسَانُ بِحَادِثٍ فَيَكُوَن
قال ابن الدورقي : اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد ، فحضرت صلاة ، فقدموا الكسائي يصلي ، فارتج عليه قراءة : ] قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [ فقال اليزيدي : قراءة : ] قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [ ترتج على قارئ الكوفة ؟! قال : فحضرت صلاة ، فقدموا اليزيدي ، فأرتج عليه في ( الحمد ) فلما سلم قال :
احفظْ لسانكَ أن تقولَ فتبتلى ... إِن البلاءَ موكلٌ بالمنطقِ ( [7] )
وفي ( محاسن التأويل ) للقاسمي عند قوله تعالى : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ قال الناصر : ولقد صدقت هذه القصة المثل السائر ، وهو قولهم : ( البلاء موكل بالمنطق ) ، فإن يعقوب قال أولاً في حق يوسف : وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْب [ يوسف : 13 ] ، فابتلي من ناحية هذا القول ؛ وقال ها هنا ثانيًا : إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ أي : تغلبوا عليه ؛ فابتلي - أيضًا - بذلك ، وأحيط بهم وغلبوا عليه ( [8] ) .
وفي ( الزهد ) لهناد عن إبراهيم ( النخعي ) قال : إني لأرى الشيء مما يعاب ، ما يمنعني من غيبته إلا مخافة أن أبتلى به ؛ ورواه وكيع في ( الزهد ) بلفظ : إني لأرى الشر أكرهه ، فما يمنعني أن أتكلم به إلا مخافة أن أبتلى به ( [9] ) .
روى أحمد والترمذي عَنْ عُقْبَةَ بن عَامِرٍ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا النَّجَاةُ ؟ قَالَ : " أَمْسِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ " ( [10] ) .



[1] - انظر ( مجمع الأمثال ) للميداني : 1 / 17 ، 18 ( 35 ) ؛ وقد روى القصة البيهقي في ( دلائل النبوة ) : 2 / 422 – 424 ، وابن حبان في ( السيرة ) ص 93 ، وابن عساكر في ( تاريخ دمشق ) : 17 / 292 – 294 ، مع تغير في بعض الألفاظ لا يؤثر .

[2] - مصنف ابن أبي شيبة ( 25547 ) ، وهو في الزهد لهناد ( 1193 ) ؛ قال الألباني في ( السلسلة الضعيفة : 7 / 395 ) : ورجاله ثقات ، لكنه منقطع بين إبراهيم وابن مسعود ، إلا أنه قد قال إبراهيم : ( إذا حدثتكم عن رجل عن عبد الله ؛ فهو الذي سمعت ؛ وإذا قلت : قال عبد الله ؛ فهو عن غير واحد ) ؛ وعلى هذا فالإسناد صحيح .

[3] - البخاري ( 3420 ، 5332 ، 5338 ، 7032 ) .

[4] - انظر ( تذكرة الحفاظ ) للذهبي : 1 / 38 ، 39 .

[5] - المؤمل بن أميل المحاربي الكوفي ، والقصة في (فوات الوفيات ) : 4 / 176 ؛ والأغاني : 22 / 247 .

[6] - أورده الحموي في ( معجم الأدباء ) في ترجمة إسحاق بن مرار ؛ وانظر ( التيسير شرح الجامع الصغير ) : 1 / 885 .

[7] - انظر (معرفة القراء الكبار ) للذهبي : 1/ 124 .

[8] - انظر ( محاسن التأويل ) للقاسمي عند الآية ( 66 ) من سورة يوسف .

[9] - انظر ( الزهد ) هناد رقم ( 1192 ) ، و( الزهد ) لوكيع ( 307 ) .

[10] - أحمد : 5 / 259 ، والترمذي ( 2406 ) وحسنه .