الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله
وآله وكافة المرسلين وعباده الصالحين

هذا الخلق البديع القائم من حولنا لهو برهان قائم قلما نفقه محيط أسراره وهو قائم بصيرورته ومآله بعلم الله تعالى المحيط والمتسع فهو سبحانه
الذي خلق فأبدع خلقه فهذا الخلق المحكم يعد آية بديعة من صنعه ، ولولا النظام المذهل في خاصية الذرة ومواصفاتها وجزئياتها وما دونها
ما انطبع في أجرام السموات والأرض وما تشمله من بديع الصنع ونسقية هذا الجمال المبهر وهذه الأفلاك
السابحات في فضاءها بنظام يذهل العقول ، ولعلكم تسائلتم عن معنى تلك السرعة الرهيبة في بعض جزئيات الذرة التي ليس
لها أي تفسير في ما اعتدناه وفق الطبيعة الكونية المخلوقة ، وان دل ذلك على شيء فانما يدل على شيء خارق للعادة
وقد يتعذر الحصول على تفسير واضح له ، فهناك اذن من الجزئيات في الذرة لها تصرف معجز وهذا دال على اعجاز في هذا
الخلق البديع والمحكم ، وباطلالة سريعة عن فحوى هذا الفرع العلمي من علم الفيزياء فلا بأس أن أذكركم ببعض حقائقه العلمية
ليتسق عندكم الفهم بكل وضوح ، فالنظرية الكمومية تقوم بتقديم تصور غريب عن العالم الذري ودون الذري يصدمنا ويبعدنا عن كل
ما الفناه في الواقع الحياتي وما تقدمه الفيزياء الكلاسيكية من تصورات ، لكنها بالرغم من كل ذلك تنجح إلى حد بعيد في
تفسير حقائق العالم دون الذري وتعزز صحتها يوما بعد يوم بتقديم تنبؤات غريبة لكن كل التجارب العلمية تأتي فيما بعد لتؤكد
هذه التنبؤات ، كل هذا أدخل ميكانيكا الكم في عمق نقاشات فلسفية حول طبيعة ما تطرحه ومدى قربه من الحقيقة، حتى أن ميكانيكا
الكم طرحت نفس قضية الحقيقة كموضع سؤال، ومن أهم هذه المناقشات والتجارب الفكرية : قطة شرودنغر وصديق فاغنر.
ولقد قدمت عدة وجهات نظر لتفسير نتائج واستنتاجات النظرية الكمومية : أول هذه النظريات يعرف بتفسير كوبنهاجن ويعود
بشكل أساسي إلى بور وزملائه، الذين يؤكدون أن الطبيعة الاحتمالية لتنبؤات نظرية الكم لا يمكن تفسيرها بأي نظرية
حتمية أخرى، وهي صفة أصيلة في الطبيعة التي نعيش بها وليست نتاجا لنقص في المعرفة والمعلومات نعاني منه ، و باختصار
النظرية الكمومية ذات طبيعة احتمالية لأن الطبيعة ذات طبيعة احتمالية أساسا فما تفعله النظرية الكمومية هو تصوير الأمر كما هو.
على الطرف الآخر وقف أينشتاين أحد مؤسسي الكمومية ليعلن رفضه للاحتمية الكمومية التي تنشأعن احتمالية القياسات،
قائلا : إن الإله لا يلعب النرد ، فكانت هذه العبارة الشهيرة بمثابة رفض قاطع لفكرة ان تكون للطبيعة أصالة احتمالية، مرجحا
فكرة ان هناك نقص في المعلومات المتوفرة لدينا يؤدي إلى تلك الطبيعة الاحتمالية للنتائج وعليه فنظرية الكم ناقصة ينبغي اكمالها
عن طريق تعويض النقص بالمعلومات وهو ما دعاه بالمتغيرات الخفية فعن طريق هذه المتغيرات يمكن صياغة نظرية كاملة ذات طبيعة حتمية.
وظهرت بعد ذلك بعض التفسيرات التي تضاهي بغرابتها نتائج ونبؤات الكمومية مثل نظرية العوالم المتعددة لايفريت، حيث تقول هذه النظرية
بأن جميع الاحتمالات التي تطرحها نظرية الكم تحصل فعليا بنفس الوقت في عدد من العوالم المستقلة المتوازية وبالتالي يكون الكون المتشعب
حتميا في حين أن كل كون فرعي لن يكون الا احتماليا
وهناك أيضا تفسير بوم يعود إلى ديفيد بوم ويفترض وجود دالة موجية عالمية غير محلية تسمح للجزيئات البعيدة بأن تتفاعل مع بعضها بشكل
فوري ، اعتمادا على هذا التفسير يحاول بوم أن يؤكد أن الواقع الفيزيائي ليس مجموعة من الجسيمات المنفصلة المتفاعلة مع بعضها كما
يظهر لنا بل هو كل واحد غير منقسم ذو طبيعة حركية متغيرة دوما.
وأهم ما يمكن استنتاجه بخصوص النظرية الكمومية : هي اقترابها من العلم البرهاني
القائم بعلم الله تعالى الذي أجلى لنا كل الحقائق العرفانية من خلال آياته المقروءة في صفحة هذا الكون ، واذا كانت بعض جزئيات الذرة تتخذ
مواصفات محكمة وغاية في العجب و لا تخضع لأية نسقية فماذا يعني ذلك في مصطلح العلم المتعارف عليه وباجابتكم السديدة أحبتي ستدركون أن العلم الالهي
لا يضاهى وهو علم أبهى وأجل وما من سبيل لادراكه الا اذا تهذبت المدارك وسارت وفق سبيل سوي ، وسينبهر العلم كلما اقترب من عالم النور والحقيقة
وسيقر العلم أن هذا الخلق له خالق عليم حكيم وهذا الخلق آية بديعة من آياته
نعم أحبابي الكرام انه الله جاء في الخبر أن الله تعالى أوحى إلى نبيه داود : يا داود ما لعبدي يعرض عني ، يا داود
بشر أوليائي وأحبائي بأني كل ساعة أريهم كرامتي وحسن امتناني عليهم حتى لا ينسوني ولا يميلوا إلى
غيري وشوقتهم إلي حتى لا يصبروا عني وفتحت لهم أبواب أنسي يا داود أخبر أهل الأرض بأني حبيب لمن
أحبني وجليس لمن جالسني ومؤنس لمن أنس بي ومطيع لمن أطاعني وقل لعبادي : سارعوا إلى محبتي وقربي ، يا داود
إن طال شوق الأبرار إلى لقائي فإني إليهم لأشد شوقا فمن طلبني وجدني يا داود إذا كان الغالب على عبدي الإشتياق إلي جعلت
راحته ولذته في ذكري ورفعت الحجاب بيني وبينه ، يا داود إني جعلت محبتي لمن لا ينساني بلسانه وقلبه ياداود أوليائي في قبابي
لا يعرفهم غيري يا داود إني أحب من يبغضني فكيف أبغض من يحبني يا داود جنتي لمن لم يقنط من رحمتي يا داود أنا مطلع على قلوب
أحبائي فإذا جن الليل جعلت أبصارهم في قلوبهم يا داود إن من عبادي عبادا جعلتهم للخير أهلا يا داود بشر عبادي السائلين بأني بهم رؤوف رحيم
فتأملوا يرحمكم الله هذه الأنوار ليتسق لكم الفهم في الادراك فهو سبحانه لم يخلق خلقه عبثا بل لحكمة جلية بصفاء أنوارها وهذه الغاية الوجودية كانت بحكمة متعالية فالراسخون في العلم أحبابي الكرام هم الذين رسخوا بأرواحهم في غيب الغيب وفي سر السر ، وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادات ، فانكشف لهم من خزائن وعجائب الخطاب فنطقوا بالحكم

فمن درس العلوم وتبحر فيها وطالع وأخذ من كل أصناف الحكمة والمعرفة لم يجد من العلم ما هو أشفى للصدر وانشراحه وحياة للقلوب من علم ومعرفة المعبود وتوحيده وافتقاره الشديد اليه وحبه والايمان واليقين بآخرته

فأشرف العلوم حقا هو حب الله لأن كل ما سوى الله أوهام تضمحل وتزول

فسبحان من له المجد والثناء والبقاء الذي أحاط ووسع كل شيء رحمة وعلما ذا الجلال والاكرام

والذي بعث رسوله نبي الهدى بدين الحق ليظهره على الدين كله ورحمة للعالمين

عندما نذكر النور فأول ما يرسم في أذهاننا وفكرنا سبل الهداية الحقة ومعالم الفوز والفلاح ، هذا النور الذي يحمل في دلالاته

معان رحبة واسعة وسامية كلها طهر وقدسية وكمال وجلال ، ولقد ورد ذكره في محكم آيات الكتاب الذي هو نور منزل بنور وعلم الله العليم الحكيم ، بمرادفات لا حصر لها كالرحمة والهداية والطريق المستقيم والحق والحقيقة والكتاب والايمان والطهر والعلم والمعرفة والبصائر والكمال والجمال والجلال والحكمة وغير ذلك من المعاني السامية المطلقة التي تدل على الحق والحقيقة ، والنور هو حقيقة الانسان وقيمته الحقيقية في الحياة والوجود ، لذا نجد الاشارات المتضمنة في الآيات التي تصف النور نبضها أقوى كل علم أو وصف أو ادراك وما نعلمه بالضرورة من أخبار الغيب الذي نؤمن به وما تضمنته آيات جليلة ومحكمة المراد منها تقريب الفهم والمعنى للمتلقي تهذيبا وهداية لبصائره .

والعقل الدماغ عاجز عن الادراك والاحاطة بحقائق أسمى من ماديته بكثير لكن الله تعالى يلهمه نورا في بصيرته ، وبنور العقل نبصر الحقيقة ، ونور العقل هو الذي يجعلنا نهتدي الى الله ، ومن رحمة الله أن أودع فينا ما يقربنا اليه وهو مالك قلوبنا وواهبها الرحمة والشوق لما يحيينا بهذا النور .

ونور العقل لا يمكن انكاره الا من جاهل ، لأنه يتملك أعماق الانسان وملكاته ويتفاعل تفاعلا قويا حقيقيا نلمسه في الخشية والوجل والتوجه الى المولى ونحن ندعوه في خشوع بوجه خاشع بعين تفيض من الدمع وبقلب خافق وجسم مقشعر وسمع مرهف ولسان رطب بذكره سبحانه ، فكل ذرة فينا هيأها المولى لهذا التفاعل مع الحق ومع هذا النور الذي به نبصر الحقيقة مبددا كل الحجب المستترة ، وهذا النور هو الذي يجعلنا نسمو عن غرائزنا ويبين لنا مكانتنا الحقيقية في الوجود ، اذ هذا النور لا يهدمه الموت وله استمرارية في الحياة البرزخية بعد الموت لأنه بهذا النور نستوعب الحقائق كاملة وهذا النور لا يكتمل الا بالايمان والتصديق ، والمؤمن قلبه حي بالايمان يفكر بنور وبصيرة ويسلك نهجا قويما في حياته متوجها الى الله في كل أحواله موحدا متآلفا رحيما خيرا مع عباد الله وخلقه .

يقول الله في محكم كتابه العزيز ( يا أيها الذين آمنوا توبوا الى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا انك على كل شيء قدير) الآية 8 من سورة التحريم

واذا تأملنا من حولنا نرى هذا النور المخلوق بصفاته المادية ونرى عجائب خصائصه وصفاته ومجالاته التي تفسر بالعلم ومن بين هذه الخصائص أن النور يملأ المكان ويعمه والنور يبدد الظلام واذا رأيت ثم رأيت في اطلالة على فضاءات واسعة مشرقة يعمها النور فستحس بسعادة غامرة تسري في أوصالك لأن القلوب بمعدنها تنشرح لهذا النور الغامر الذي ينقلك بالمشاهدة الى ما وراء حدودك المعرفية الدنيوية بمقاييسها العقلية وخلجاتها النفسية الى فضاءات أرحب وأوسع تسمو عن كل تقدير يحسمه العقل وكل نور يحيط به علم الخلق فهو مخلوق أما نوره فقد غمر الكائنات والخلائق وما سطع نور الا بظهوره سبحانه ، والعلم نور سبيله الايمان

وهذا النور المشع في العقل كلما أبصر وتعرف الى الحقائق المحيطة به

علم يقينا عظمة الله وقدرة الله ووجود الله ، وأزيلت الحجب المستترة والنور يستدعي النور حتى بلوغ درجة اليقين فالعلم اذا بلغ بالعبد جرده من كل مفقود وأيقن بالموجود وأدرك المعنى القائم من غير هوية

فما بلغنا عن الله هو الحق المبين والنور الذي يبدد ظلمات الجهل وهو سبحانه يخرجنا من الظلمات الى النور ويطهرنا ويزكينا ويبلغنا عظمة هذه الحقائق والتي ما هي في حقيقته الا كمال موجود ولا سابق ولا لاحق نسأله سبحانه رضاه عنا

فما أعظم هذه النعم التي نورت العقل والقلب فاستقامت على الحق

ولقد سأل بعض عباد الله الصالحين : ما السبيل الى معرفة الله ؟ فقال : ليس يعرف بالأشياء ، بل تعرف الأشياء به سبحانه

فالمحيط العلمي الآني تعيش أحواله صمتا مريبا وربما دخل في غيبوبة مزمنة بعدما اصطدمت علومه بعلوم استصعبت

واستعصت عليه وهي علوم الجليل الذي أودع ألطافه ورحماته في أدق جزئيات الذرة وما دونها وأصيبت العقول

بارباك كبير وأصيبت دوائر العلوم بانفصام كبير وعجزت التفاسير عن التفسير وأربكت العقول بكشف علمي

لما بدت جسيمات تأخذ ألوان مختلفة تضاهي بغرابتها الأشياء و تشكلت بما أبدع الخالق فتتغير مواصفاتها بشكل لا يصدق في

مختبر العلم فالحتمية باقرار وارادة الله لأن الله تعالى لطيف خبير غمرها بعلمه المكين فلا يمكن أن يتنبأ العلم بشيء في

شساعة علم متسع بأنواره الجامع بحكمته لأسبابها المتباعدة بأنواره وعلماء الذرة عانوا من مضاهاة هذا العلم

الرهيب الذي لا يخضع للمختبر وذلك بأسراره الكامنة في محيط جزئيات الذرة التي ألف بين جزئياتها بعلمه المحيط ، ولقد اعتبر

العالم بوبر الموقف الحتمي في الأصل موقفا دينيا متصلا بفكرة القدرة الالهية الكلية والعلم الكلي الممنوحة للوجود الذي

ليس له القدرة فقط على تقدير وتحديد المستقبل بل يعرفه دوما ، وهذا اعتقاد أعده سليما فالمستقبل هو معروف من قبل الخالق وهذا هو أصل

التصور الديني الصحيح للحتمية


ولعل الكشوفات في علم الكم أمدت العالم بمخترعات لم يكن يحلم بها وخصوصا تقنية الصغائر أو تقنية النانو هي العلم الذي يهتم

بدراسة معالجة


المادة على المقياس الذري والجزيئي ، اذا تأملنا عمق هذا الخلق سنجد أن ذلك من حكمة الله ورحمته بالناس فهو الذي دانت له الأشياء

وقدرها بمقاديره لكن الناس


جحدوا بمن يسرها لهم بمنه وفضله وهو بالناس رؤوف رحيم

فلم يبق للعلم أحبابي سوى سبيل وحيد ألا وهو الايمان بالله فتصفو مداركه من كل تعنت كتعنت أبلاس وغيره

في مضمار نظرياتهم المهزوزة والتي لم ترتوي من أنوار اليقين ، فهذا علم العليم الحكيم يا أحباب وأشهد بها يقينا فبشرى للناس جميعا برحمة

الاسلام المهداة للعالمين وهذا لأعده من الكشوفات الجلية ولعلنا صرنا قاب قوسين أو أدنى من هذا الاعتراف الا من أبى وتعنت

بجهله وأحبط الله عمله ، فلم يبق الا الاعتراف والاغتراف من حقائق أنوارعلم الله الذي أبدع جزئيات الذرة فما دونها

وغمرها بلطائف مشمولة برحمته فهو الممد لما ظهر ببديع خلقه ، فهو سبحانه الذي فطر خلقه من غير مثال سبق

وغمره بأنوار استشكلت على أهل الاختصاص في علوم متفرعة بما خفي بلطيف أنوار علمه وهو سبحانه الذي يزيد في الخلق ما يشاء