الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله
وآله وكافة المرسلين وعباده الصالحين


يقول الله في محكم الذكر


( وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ) الآية .


فما أكثر جدال عبيد الله الصم البكم العمي فالأصم عن سماع الحق هو كالقارورة
اذا سددتها وانسدت طرق مسامعه وهؤلاء هم عمي عن رؤية براهين الآيات فما تبين لهم طريق الرشد ، لأنهم غلاظ القلوب بقساوتها بعيدون
عن مطالعة الآيات والدلائل والعبر ، متصفون بالتمرد والعتو والاستكبار والمجادلة في الله وبرهان أمره ، فعجيب والله أمر الكافرين الذين قال فيهم
الحق (ختم الله على قلوبهم ) الآية ، فالختم هو الطبع حيث ثبتت الذنوب على القلب فالتفت عليه فكانت مانعة من نفوذ الحق اليها ، ولذلك شبهت حال
قلوبهم وأسماعهم وأبصارهم بمن لا يتدبر ويتفقه الحقائق في آيات الله العظيمة ، و الظاهرة ببرهان ربها في ملكوت عظيم الآيات ، وهؤلاء زاغت قلوبهم
عن الحق فأزاغ الله قلوبهم فما عادوا يستذكروا أو يعتبروا أي اعتبار للحق ، بل يجادلوا في الله وهو شديد المحال وقرئت ( المحال ) بفتح الميم ، فقلوب هؤلاء
المستكبرين بها مرض وظلمة بما يخل بكمالها وطباعها الحقة لتتبع الحق غشتها قسوة وغفلة وسوء ظن وكفر بأنعم الله ، وهذا هو المرض الذي يفسد الطبع أي
الحالة الخارجة عن الطبع والضارة بالفعل ، والخسارة الكبرى هي أن يشتري العبد الضلالة بالهدى فيقع في تيه الحيرة والضلال ،
قال تعالى ( ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ) الآية ، وقرئت بالكسر -كسر الميم- والمِحال: بكسر الميم يحتمل هنا معنيين، لأنه إن كانت الميم فيه
أصلية فهو فِعال بمعنى الكيد وفعله مَحَل، ومنه قولهم تمحل إذا تحيل ، أي جعل جدالهم في الله جدال كيد لأنهم يبرزونه في صورة الاستفهام في نحو
قولهم: ( من يُحيي العظام وهي رميم ) فقوبل بــــ ( شديد المحال ) على طريقة المشاكلة، أي وهو شديد المحال لا يغلبونه
فالله تعالى عزيز منيع شديد المحال ، قال تعالى ( وَهُمْ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ) الآية ، أو يكون المعنى من ماحل عن أمره، أي جَادل ، والمعنى: وهو شديد
المجادلة ، أي قوي الحجة ، فمن مجادلتهم ( يجادلونك في الحق بعد ما تبين ) الآية ، أو قولهم ببيان الذكر (أو لم يرى الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب
لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم ) الآية ، وتستمر مجادلة العبيد بقولهم في زماننا أن ما يحدث من أحداث هو بفعل الاحتباس الحراري وأن الزلازل من غضب
الطبيعة وغيرها من أقوال كفرية مغرضة ، وأنى لهم التناوش مع الله العزيز المنيع الشديد المحال الذي يظهر الآيات في زمانها الموعود وأكثر عتوا من ذلك
بسبب تصريحاتهم الكفرية كادعاءاتهم في مختبراتهم باكتشاف جسيم الاله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا فالله تعالى هو خالق كل شيء ولا يعرف بالأشياء بل الأشياء تعرف به
فكل ما أحاطت به العلوم فهو مخلوق وهو سبحانه الخالق وهذه الآية فيها بلاغة عجيبة فقد جمعت معانى عظيمة فى كلمات قليلة فتحدثت عن تسبيح الرعد بحمد الاله
وتسبيح الملائكة خوفا ورهبة من القوى العزيز ذى الجبروت والعظمة وتحدثت عن ارسال الخالق لهذه الصواعق الرهيبة فيصيب بها من يشاء – فانظروا لما تفعله
هذه الأيام في عدد من الدول في العالم بسبب عتوهم واستكبارهم وعدم اعترافهم بالحق وبسبب التظالم الكبير بين العباد في سائر البلاد وهذه الآيات انما هي تذكرة وعبرة للاتعاظ والرجوع الى الله
– وهم مع ذلك تراهم يقولون : أعاصير وعواصف بسبب الاحتباس الحراري وغضب الطبيعة والله يقول : –عز من قائل – ( ويرسل الصواعق ) فمن نصدق
العبيد أم ربهم الذى خلقهم وتتجلى روعة الآية وبلاغتها فى حسن التقسيم للمعانى والكلمات والانتقال السلس بين الجمل وصولا الى ختام الآية ( وهو شديد المحال )
وكان ختامها مسك فقد أوضحت هذه العبارة منعة الخالق وعزته ومحكم بيانه وقوة حجته كل ذلك فى هذه الجملة ذات الجرس الجميل الذى يأسر الألباب قليلة الكلمات كثيرة المعانى .