فوائد من دراسة الشَّاذ:
إن القراءات الشاذة وحي أنزله الله على رسوله محمد –- كغيرها من القراءات المتواترة, ولكنها نسخت بعد ذلك بالعرضة الأخيرة في السنة التي توفي فيها عليه الصلاة والسلام, ومحال على الله أن يكون هذا الأمر عبثاً أو قصوراً منه جل شأنه, بل إن هناك العديد من الحكم والفوائد التي نستطيع أن نستخلص بعضها من تلك القراءات الشاذة, وأن هناك الكثير من المعاني القوية التي ندركها بالنظر فيما ورد في الآيات من قراءات شاذَّة, قال ابن الجزري نقلاً عن ابن الصلاح: "وإنما نقلها من نقلها من العلماء لفوائد فيما يتعلق بعلم العربية لا للقراءة بها, هذا طريق من استقام سبيله"([1]) يعني بذلك القراءات الشاذة, ومن هذه الفوائد مايلي:
1-تميز الشَّاذّ من المتواتر:
لعلَّ من أعظم الفوائد من دراسة الشَّاذ هو تميزه عن المتواتر, وفي معرفة القراءة المتواترة وتقيدها وضبطها, ومعرفة القراءة الشَّاذة وتقيدها وضبطها كذلك, لدليل على دقة هذه الأمة, وشدة تحريها, ومعرفة جهودها المبذولة تجاه كتاب الله لحفظه من التبديل والتحريف ودخول ما ليس منه فيه, فهي لم تكتفي بإثبات المتواتر ونشره, بل وجمعت الشَّاذ وحذَّرت منه.
2-إعظام أجور هذه الأمة:
فجهود العلماء المبذولة تجاه كتاب الله من جمع القرآن بجميع قراءات وشدة التحري والتدقيق فيها وتمييز المتواتر والشاذ منها وتتبع لأسانيدها حفظاً لكتاب الله من التحريف والتبديل لا شك أن كل ذلك زيادة وإعظاماً لأجور هذه الأمة, فعلى قدر الجهد يكون الأجر والله يضاعف لمن يشاء([2]).
3-معرفة صحة التأويل, والإعانة على فهم مبهم الآيات ودفع توهم ما ليس مراداً, وإزالة ما يشكل على العلماء حال التفسير:
قال أبو عبيد في فضائل القرآن: "المقصد من القراءة الشَّاذة تفسير القراءة المشهورة, وتبين معانيها.....ثم قال: فهذه الحروف وما شاكلها قد صارت مفسرة للقرآن, وقد كان يروى مثل هذا عن التابعين في التفسير فيستحسن, فكيف إذا روى عن الصحابة ثم صار في نفس القراءة فهو أكثر من التفسير و أقوى, فأدنى ما يستنبط من هذه الحروف معرفة صحة التأويل"([3]).
ومن الأمثلة على هذا:
قوله تعالى: ﮉ ﮊ ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ([4]) قرأ سعد بن أبي وقاص "وله أخ أو أخت من أمه"([5]) بزيادة لفظ (من أمه), فقد أجمع العلماء على أنَّ المقصود بهم الإخوة لأُم, فعلم بالقراءة الشَّاذَّة صحة هذا التأويل.
وقال تعالى: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ([6])
قرأ ابن مسعود "فامضواْ إلى ذكر الله"([7]), فهذه القراءة الشَّاذَّة دفعت توهم ما ليس مراداً من الآية, بمعنى أنها وضحت حكماً يقتضي الظاهر خلافه في أنَّ المراد من السَّعي على القراءة المتواترة هو المضيّ لا المشي السريع إذ هو منهي عنه([8]).
ومما يؤكد معنى القراءة الشّاَذَّة قوله صلّى الله عليه وسلّم:"إذا أتيتم الصَّلاة فعليكم بالسَّكينة, ولا تأتوها وأنتم تسعون, فما أدركتم فصلُّواْ وما فاتكم فأتمواْ"([9]).
وقال تعالى: ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ([10])
قرأ عبد الله بن مسعود "إن تأويله إلا عند الله"([11]), وفي حرف أُبيّ "ويقول الرَّاسخون في العلم آمنا به"([12]), اختلف العلماء في هذه الواو على القراءة المشهورة هل هي للعطف؟ فيعني ذلك أن تأويل المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم, وهم مع علمهم يقولون آمنا به, فيصبح المعنى أنَّ الله والرّاَسخون في العلم هم اللذين يعلمون تأويل المتشابه.
أم أنّ الواو هنا للاستئناف؟ فيكون الكلام تاماً عند قوله: ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘومعنى ذلك أنَّ علم المتشابه عند الله ولا يعلمه أحد غيره, وأنّ الرَّاسخون في العلم يدينون لله عزَّ وجل بالإيمان به.
فهاتان القراءتان أزالت هذا النوع من الإشكال في التفسير, فقررت المعنى الثاني وهو أنَّ الواو للاستئناف وليست للعطف.
وقوله تعالى: ﭮ ﭯ([13]), قرأ ابن مسعود "كالصوف المنفوش"([14]).
فكانت هذه القراءة مبينة لما لعله لا يعرف عند البعض من قبائل العرب([15]).
4- بيان الأحكام الفقهية, وإزالة ما يشكل على العلماء في ذلك:
ومن الأمثلة على هذا:
قوله تعالى: ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ([16]),قرأ عبد الله بن مسعود "فاقطعوا أيمانهما"([17])
فهذه القراءة الشَّاذّة بينت أنَّ القطع إنما يكون لليد اليمنى.
وقوله تعالى في كفَّارة اليمين: ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ([18]), قُرئ "أو تحرير رقبة مؤمنة"([19]).
اختلف العلماء في الرّقبة في كفارة اليمين هل تقيّد بالرَّقبة المؤمنة كما في كفارة القتل لإتحاد الحكم أو يبقى الحكم على إطلاقه لاختلاف السبب؟ ([20])
فأتت القراءة الشَّاذَّة فأزالت هذا النوع من الإشكال فرجحت القول بتقيد الحكم بالرقبة المؤمنة.
5- حجة يبني عليها أهل النحو قواعدهم, ويجوزوا بها ما امتنع عندهم من وجوه اللغة:
قال مكي القيسي: "إنما نذكر هذه الوجوه ليعلم تصرف الإعراب ومقاييسه لا لأن يقرأ به, فلا يجوز إلا بما روي وصح عن الثقات المشهورين ووافق خط المصحف"([21]).
ومن أمثلة هذا:
ما فعله عيسى بن عمر حينما بنى بعض القواعد النحوية على قراءات شاذة, فهو يجيز نصب (غير) مستدلا على ذلك بالقراءة الشاذة([22]) في قوله تعالى: ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ([23]) على الإستثناء([24]).
كما استدل ابن جني ببعض الشواذ للدلالة على وجوه كثيرة من القراءات المشهورة, فهو يرى أن في قراءة ابن عباس: (إنما ذلكم الشيطان يخوفكم أولياه)([25]) دلالة على إرادة المفعول الذي حذف في
القراءة المشهورة([26])ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ([27]).
كما أن هناك بعض الدلائل في القراءات الشاذة على مذاهب نحوية متنازع فيها, ففي قراءة مجاهد: (قل تربصوا فإني معكم من المتربصين أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون)([28]), قرأ مجاهد: "بل هم قوم طاغون"([29]), حيث ذهب البصريون إلى أن هذه القراءة دليل على أن معنى (أم) المنقطعة في القراءة المشهورة هو (بل)([30]).
6- هي حجة داحضة لأهل الحق ودفع لأهل الأهواء والزيغ:
ومثال هذا:
قوله تعالى: ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ([31]) قُرئ "مَلِكاً" بفتح الميم وكسر اللام, ففي هذه القراءة أعظم دليل على رؤية الله تعالى في الآخرة([32]).
7-تصحيح لبعض العقائد الفاسدة:
ومثال هذا:
قوله تعالى في قصة سليمان : ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ﰏ ﰐ ﰑ ﰒ ﰓ([33]).
قرأ ابن مسعود وابن عباس –- "تبيَّنَتِ الإنسُ أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا"([34]).
فهذه القراءة كشفت حقيقة أن الجن ليس لهم من علم الغيب حظ ولا نصيب, وتبين بطلان ما اعتقده بعض أصحاب ضعاف الإيمان من المسلمين في معرفة الجن بالعالم الغيبي([35]).




([1])منجد المقرئين25.
[2]) انظر النشر1/47.
([3])انظر فضائل القرآن2/154-155, و انظر الإتقان1/209.
([4])سورة النساء:12.
([5])انظر تفسير القرطبي لأبي عبد الله القرطبي , ط. دار الشعب (5/8).
([6])سورة الجمعة:9.
([7])انظر المحتسب(2/322).
([8])انظر النشر1/30.
([9])حديث صحيح أخرجه البخاري(1/228), ومسلم(1/420), وأحمد في مسنده(2/237).

([10])سورة آل عمران:7.
([11])انظر تفسير البغوي190.
([12])المرجع السابق.
([13])سورة القارعة:5.
([14])انظر المختصر في شواذ القرآن179.
([15])انظر النشر1/30.
([16])سورة المائدة:38.
([17])انظر المختصر في شواذّ القرآن39.
([18])سورة المائدة:89.
([19])انظر النشر1/29.
([20])انظر الإتقان542.
([21])مشكل إعراب القرآن, تأليف مكي بن أبي طالب القيسي (1/69).
([22])انظر المختصر في شواذ القرآن50.
([23])سورة الأعراف:59.
([24])انظر إعراب القرآن لأبي جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس(1/622)
([25])انظر المحتسب1/276.
([26])انظر القراءات الشاذة وتوجيهها النحوي ص237 ,للدكتور محمود أحمد الصغير ,ط1 –دار الفكر دمشق (1419هـ).
([27])سورة آل عمران:175.
([28])سورة الطور:341.
([29])انظر المحتسب2/341.
([30])انظر المرجع السابق.
([31])سورة الإنسان:20.
([32])انظر النشر1/30.
([33])سورة سبأ:١٤.
([34])المحتسَب2/232.
([35])انظر الحكم والأسرار اللغوية والتشريعية في القراءات القرآنية (30-32).