بلاغة التهو يل في مطلع سورة الانفطار

إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) الانفطار : 1 - 5
المقصد البلاغي من المطلع ذو صبغة نفسية مداره على التهويل، ومن أجله أتت سائر العناصر اللغوية روافد تجري نحو هذا المصب المخيف ،روافد من الصوت والكلمة و التركيب:

1- مشهد الانقلاب الكوني ملحوظ من خلال العناصر الأربعة:
السماء،الكواكب،البحار،الْقُبُورُ.
المد الصوتي قاسم مشترك في جرس الكلمات،وله إيحاء بالامتداد والاتساع ومعبر عن شعور حاد،(المد مناسب لحالات النداء والاستغاثة والندبة والتوجع، ومن عبقرية اللغة أن وضعت لهذه المعاني حروفا وأدوات يتخللها المد: يارب ، وامعتصماه، واولداه ،آه ،واها ...)ويستحسن للمرتل أن يمد الألفات مدا ملحوظا ليرمز إلى هذه المعاني الوجدانية.

2- صيغة الجمع مساهمة في إنشاء التهويل (الكواكب،البحار،القبور) و(السماء) وإن جاءت في صيغة المفرد فإنها في حكم الجمع باعتبارها اسم جنس، بل هي أدل على الاتساع والتعدد من صيغة "السماوات" نفسها..

3- للعناصر الأربع دلالات إيحائية تشعر الإنسان بالضعف والضياع:
يكفي أن يسمع المتلقي كلمة "سماء" لتخطر على باله معاني القوة والاتساع والعلو يستشعر معها الصغر والضعف:
أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا النازعات27
وحسبه أن يسمع كلمة "الكواكب" لتخطر بباله الومضات البعيدة الآتية من عالم سحيق مجهول يستشعر معها الخوف ..
وحسبه أن يسمع كلمة "بحر" ليخطر في باله معنى الخضم المتسع وما يتضمنه من معاني الغرق والموت..
ثم القبور.... !!
ومن قوة البيان القرآني أنه حشد هذه المظاهر الكبرى :السماء والكواكب والبحار والقبور ، في اتساعها وتعددها وقوتها، وجعل كل ذلك في كفة، وقابلها في الكفة الثانية ب "نفس"خاضعة، منفردة ، نكرة:
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
مفارقة كبرى ،لا يملك معها المتلقي إلا الشعور بالوجوم، وأنا به زعيم!!

4- جاءت الأفعال مطاوعة (انفطرت،انتثرت) و مبنية لما لم يسم فاعله(فجرت،بعثرت) لتحقيق التهويل..على اعتبار أن الإنسان مجبول على الخوف من اللامرئي ...فحدوث فعل مع خفاء فاعله يشعر المرء بالتوتر..فتراه يفترض حضور قوى غيبية (جن أو شياطين) لتعليل ما حدث..
ولك أن تتمثل تحرك كأس على الطاولة ،فجأة، من تلقاء نفسه، أو اشتعال مصباح بدون سبب ،أو انفتاح كتاب كان مغلقا لتدرك مقدار الرعب الذي سيملأ الإنسان..
ولهذا الملحظ جاء وصف مظاهر القيامة في القرآن قائما على أفعال المطاوعة والمبنية لما لم يسم فاعله ليضع الإنسان في وسط تتحرك فيه الأشياء وتسير فيه الجوامد، عالم مرعب حقا!
ومن نماذجه المعبرة مطلع سورة التكوير:
كُوِّرَتْ-انْكَدَرَتْ - سُيِّرَتْ -عُطِّلَتْ - حُشِرَتْ -سُجِّرَتْ -زُوِّجَتْ -سُئِلَتْ -قُتِلَتْ - نُشِرَتْ -كُشِطَتْ - سُعِّرَتْ -أُزْلِفَتْ .

5-من روافد التهويل الشمول والعموم،فتجليات الساعة ظاهرة في السماء وفي الأرض، والعناصر الأربعة موزعة على الفضائين العلوي والسفلي:السماء والكواكب من فوق ،والبحار والقبور من تحت..

6-السماء موصوفة من داخلها ومن خارجها:فهي منفطرة في بنيتها الداخلية،وعاطلة من الزينة في مظهرها الخارجي..
وكم سيكون وقع المشهد شديدا لو قارنا بين السماء قبل وبعد:
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3)
فكأن قوله "هَلْ تَرَى مِنْ فُطُور"ٍ إرصاد لما سيحدث:" إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ"
كما أن قوله وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً إرصاد لما ستكون عليه عندما يشاء الله:
وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16)

أما تعبير" الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ" فقد دل على جمال السماء الزائل :
لنتذكر أولا أن القرآن العظيم أكد في مواضع كثيرة زينة السماء بالنجوم والكواكب:
-وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ [الحجر : 16]
-فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [فصلت : 12]
-أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق : 6]
-وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ [الملك : 5]
-إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ الصافات6

وفعل انتثرت يدل على تساقط ما كان منتظما. قال الألوسي:
وَإِذَا الكواكب انتثرت أي تساقطت متفرقة وهو استعارة لإزالتها حيث شبهت بجواهر قطع سلكها وهي مصرحة أو مكنية ...

لعله يقصد بالمكنية الكواكب مرادا بها الجواهر،ويقصد بالمصرحة تشبيه التساقط بالانتثار...
قال ابن عاشور "النثر هو رمي أشياء على الأرض بتفرق وأما التفرق في الهواء فإطلاق النثر عليه مجاز(!!!)
ولو جاريناهم على مذهبهم لقلنا هنا مجاز على المجاز:
استعارة مكنية بتشبيه السماء بعروس...وهي استعارة مفهومة من الاستعارة الأخرى (مصرحة أو مكنية) حين شبهت الكواكب بجواهر منظومة..أو لنقل تشبيه الكواكب بالجواهر يلزم عنه جيد، والجيد يلزم عنه حسناء، والحسناء هي السماء:مجاز عن مجاز، أو كناية عن مجاز..اختر ما شئت والأفضل أن تعرض عن كل هذا، وحسبك أن تدرك أن مدار الصورة على الجمال والتجميل!!


7-في العناصر الأربعة تناغم بديع:
فالسماء من فوق مناسبة للبحار من تحت..
والكواكب من فوق مناسبة للقبور من تحت..
وجه التناسب بين السماء والبحار هو الاشتراك في صفة الكم المتصل المتسع (فضلا عن الاشتراك في الزرقة)
والكواكب متناسبة مع القبور في صفة الكم المنفصل المتكثر..

8-التهويل ينشأ أيضا من التأجيل:
فالاستهلال ب" إذا "يجعل المتلقي يرتقب الجواب،لكن هذا الجواب المرتقب لا يأتي ..بل تأتي " إذا "أخرى فتشتد الرغبة في معرفة الجواب من جراء التهويل المضاعف.. لكن تأتي " إذا "ثالثة ثم " إذا "رابعة..

9-وأخيرا يصل التهويل إلى منتهاه عندما يعي المتلقي أنه الهدف المقصود...وأن هنا حركة آتية من بعيد متجهة صوب الإنسان ولا تقصد غيره:
بدأ الأمر العظيم من السماء ،ومع انتثار الكواكب وحركة السقوط يتجه الذهن عموديا إلى أسفل، إلى الأرض(و الأرض موطن الإنسان) ، وفي الأرض يكون الاتجاه أفقيا من البحر إلى البر( والبر موطن الإنسان) والبر فيه قبور( والقبورموطن الإنسان)
ثم هاهو الهدف أخيرا :
عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ..
ولله هذه النكرة ما أبلغها...فدلالتها على الانفراد و الشياع تجعل كل متلق يدرك أن تلك النفس ما هي إلا هو!!

10-نختم حديثنا بنقل كلام العاصمي الغرناطي من كتابه ملاك التأويل..فقد أبدع- -في بيان اختلاف مطالع سورة التكوير عن مطالع سورة الانفطار، رغم الموضوع المتحد..فقد لاحظ أن مطالع التكوير مبنية على "الجمع "وأن مطالع الانفطار مبنية على "التفريق".قال:
قوله : (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) (التكوير : 6) ، وفي سورة : (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) (الإنفطار : 3) ، يسأل عن اختصاص الأولى بقوله : "سجرت" والثانية بقوله "فجرت"؟ والجواب عن ذلك - والله أعلم - أن قوله : "سجرت" معناه ملئت، من قولك سجرت التنور إذا ملائته بالحطب، وقرئ مخففاً ومثقلاً والمعنى واحد، والمراد اجتماع مياهها وأما قوله : "فجرت" فتح بعضها واختلط العذب بالمالح فصار بحراً واحداً بزوال البرزخ الحاجز بينهما، وكل من الإخبارين (يؤدي معنى غير المعنى الآخر ، فإن الامتلاء غير الانفجار ، ثم كل من الإخبارين) مناط بالآخر لما بينهما من الشبه ، ولهذا جرى كلام أكثر المفسرين على تفسير كل واحد من اللفظين بما يحرز المجموع من معنييهما ، وتفاصيل ذلك على ما ذكرته مما يقتضى التباين لا الترادف ، والإخبار بكل واحد منهما مقصود معتمد لكمال المراد.
وإنما خصت سورة الإنفطار بلفظ الإنفجار ليناسب مطلع السورة وافتتاحها، ألا ترى في انفجار العذب إلى المالح والمالح إلى العذب وبعضها إلى بعض انفطار ناسب انشقاق السماء وانفطارها . فانفطار السماء ، وانفجار البحار ، وبعثرة القبور ، وانتشار النجوم ، كل ذلك متناسب أوضح تناسب وأبينه . وحشر الوحوش وتزويج النفوس، وتسجير البحار ، هذا كله اجتماع وائتلاف يناسب بعضه بعضاً ، كما أن انفطار السماء ، وانتثار الكوكب ، وتفجر البحار ، وبعثرة القبور ، يناسب بعض ذلك بعضاً ، فالتحام هذه الجمل في السورتين أبين التحام وأوضحه ملاءمة وتناسباً . فورد كل من ذلك على ما يجب ويناسب ، والله أعلم بما أراد.
قلت: كأن الغرناطي اطلع على بلاغة المعاصرين....فوظف مفاهيمهم من قبيل "الاتساق" و"التشاكل" أحسن توظيف...