أحكام الأراضي البيضاء

نظام الأسواق المالية في البلاد الإسلامية نظام ضعيف وفيه شوائب لا تخفى على ذي عينين . وهو نظام معقَّد تدخل فيه الذِّمم الصالحة والطالحة . وقد تقرَّر عند الأصوليين أن الحكم الشرعي في كل النوازل مبني على المآل ، وتحريم الحيل والغرر على الناس .

ولا أدري لماذا تذكرتُ المثل المشهور حين كتابة هذا المقال :

الحاذِق إذا مات دسُّوا في جُحره قطنه ! . ومعناه معروف . وهو مشهور عندنا في بلاد الحجاز .

ومخرجات العقار وضَّحها الرسول بقوله : ” الحلال بيِّن والحرام بيِّن ، وبينهما أُمور متشابهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس ” متفق عليه .

وقد خرج النبي إلى المصلَّى يوما ً، فرأى الناس يتبايعون، فقال: يا معشر التجار، فاستجابوا لرسول الله ، ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: ” إن التجار يُبعثون يوم القيامة فجارًا، إلا من اتقى الله وبرَّ وصدق” . أخرجه الترمذي وإسناده صحيح.

ومسائل العقار أضحى كثيرٌ منها من المتشابهات التي وقع فيها اللبس والاختلاط والتردُّد حتى من أصحاب الشأن الشرعي والتجاري .

والأراضي الفضاء أو الأراضي البيضاء داخل النطاق العمراني من المسائل التي تحتاج إلى إعمال للذِّهن وفقه للواقع . والحكم عليها بحكم عام خطأ أصولي يعرفه أهل العلم . ومسخ الله بني إسرائيل قروداً كان بسبب إغفالهم لهذا الأصل ، فتنبَّه .

وكتابة تأصيل عن تحصيل الرسوم على الأراضي ليس بالأمر الهيِّن ، لأن موضوع الأراضي يتعلَّق بالمصالح العامة للأمة ، وخزينة بيت المال ، ومحاربة الاحتكار الذي أهلك الحرث والنسل ، وحماية أموال الضعفاء والمساكين ، إلى غير ذلك من المسائل المتشعِّبة .

فكل هذه المسائل مترابطة فقهاً وقضاءاً وديانةً . والحكومة تستطيع حسم هذه المسائل بقوة السلطان إذا تصدَّرت لذلك .

والخلط بين زكاة الأرض وفرض غرامة عليها لا يصح . فالزكاة حق الله ، والغرامة حقٌ لخدمة عامة الناس ولحماية مصالحهم التي يقرِّرها أهل الحل والعقد .

والمصالح إما أن تكون راجحة معتبرة أو ملغاة أو مسكوت عنها .

ولا يمكن الجزم بوجوب تحصيل رسوم أو غرامات على الأراضي البيضاء ذات المساحات الكبيرة ، لأن المنفعة من ذلك غير قطعية ، وتحصيل الرسوم يمكن التحايل عليها من أصحاب رؤؤس الأموال .

والبديل الشرعي – وأقولها بصوت عالي – هو إصلاح الهيئات العقارية إصلاحا كاملا ً وشاملا ً ، وتأمين السيولة المالية بيد الناس ، والرقابة الدائمة الحازمة ، لتخفض أسعار السلع العقارية وينتظم قانون العرض والطلب .

وهناك قانون انجليزي يقول : كلما ارتفع سعر السلعة كلما نقصت الكمية المطلوبة منها، والعكس صحيح ، كلما انخفض سعر السلعة كلما زادت الكمية المطلوبة منها، ولكن في ظل وجود شرط مهم جداً ألا وهو: ثبات العوامل الأخرى . وهذا ما نعانيه في بلادنا .

وأذكر أنني قرأتُ للإمام ابن تيمية ( ت: 728هـ ) تعالى عبارة في مجموع الفتاوى – وقد أنسيت مكانها الآن – يقول فيها ما معناه : أن أمر المسكن من أعلى المصالح الدنيوية التي يجب على المرء السعي لتحقيقها .

لكن هذه المصلحة لا يجب التعجيل بالقيام بها إلا إذا ساعد الحال على ذلك وانتفى الضرر من وقوعها . وهذا لا يعرفه إلا صاحب الخبرة بالتجربة والاستشارة .

•وهذه بعض أحكام الأراضي البيضاء أسوقها باقتضاب :1- لا يجوز شرعاً ترك الأراضي البيضاء مهملة ، لتكون مكباًّ للنفايات والحيوانات النافقة ، فهذا من إضاعة المال وهو محرم بالإجماع .

2- حلُّ مشاكل الأراضي البيضاء ليس من الحاجيات التحسينية ، بل من الواجبات التي تُناط بالدولة وولي الأمر ، والتقصير في ذلك يسبب خللاً شرعيا واجتماعيًا واقتصادياً . نعوذ بالله من سوء الحال .

ودخول الحاكم في السوق: الأصل فيه المنع، كما يدل عليه حديث التسعير ، حيث طلب منه – – أن يتدخل في السوق حين غلا السعر في المدينة، فقال – عليه الصلاة والسلام – وهو الحاكم في عصره : ” إن الله هو المسعِّر القابض الباسط، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحدٌ منكم يطالبني بمظلمة في دم، ولا مال” أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة بإسناد صحيح .
وكما يدل على هذا الأصل، حديث جابر – – قال: قال رسول الله – -: ” دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض” . أخرجه مسلم .

لكن استثنى الفقهاء السلع الضرورية . وقد قرَّر هذا ابن تيمية تعالى قبل أكثر من سبعة قرون في قوله : ”وأبلغ من هذا، أن يكون الناس قد التزموا ألا يبيع الطعام أو غيره إلا أُناس معروفون، لا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم، فلو باع غيرهم ذلك منع، فها هنا يجب التسعير عليهم، بحيث لا يبيعون إلا بقيمة المثل، ولا يشترون أموال الناس إلا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء” .

3- التعسير في منح تراخيص البناء من أسباب عدم إعمار الأراضي البيضاء ، وهو سبيل إلى استغلال الرشوة والفساد الوظيفي . وهذه من كبائر الذنوب . والتعقيدات البيروقراطية في الدوائر الحكومية ، ومماطلة صاحب القرار في فسوح البناء لمصالح ذاتية ، من أسباب الفساد العقاري وغلائه . وهذا الفعل محرم وهو ظلم للناس بغير وجه حق .

4- الشُّح في قروض التمويل معوِّق لبناء الأراضي البيضاء ، وإنشاء مؤسسات تمويلية كفيل بسدِّ العجز التمويلي الذي يعاني منه كثير من ملُاَّك الأراضي البيضاء . وهو صدقة يبقى أثرها إلى ما شاء الله .

5- الرهن العقاري قد يحلُّ مشكلة الاراضي البيضاء ، وهذه المسألة تحتاج إلى تأصيل شرعي مستقل . وضابط صحة الرهن للسلع العقارية: أنه لا يحق للبائع الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط على المشتري رهن المبيع عنده لضمان حقِّه في استيفاء الأقساط المؤجلة .

فالرهن العقاري الذي تحتفظ فيه الشركة بملكية العقار إلى أن يُسدِّد المشتري كل الأقساط: لا يجوز، لأن عدم انتقال ملكية العقار إلى المشتري يتنافى مع أهم آثار عقد البيع. .

6- ضرورة ايجاد هيئة شرعية مستقلة للعقار . وهذه أمانة منوطة بالحاكم أو الدولة ، ولا يمكن تحجيم نفوذ العقاريين المحتالين إلا بهذا الأمر .

7- الأملاك العامة من أصعب أسباب زيادة مشاكل الأراضي البيضاء . فهي عِبء على السكان وظلم للمسكين الذي ينظر للأراضي التي لم تُبنى ولا يستطيع امتلاك مثيلاتها . وسدُّ هذه الثغرة بيد الحاكم لا غير.

8- خِلافات الورثة من أهم أسباب مشكلة الأراضي البيضاء . فكثير من الأراضي يودُّ أصحابها بيعها أو استثمارها ، لكن حالت دون ذلك خلافات أسرية حول الإرث ومنع بعض أفراد الأسرة من التصرف فيها ، أو أوقف القضاء الشرعي بيعها لحين الصلح بين الورثة .



9- الرسوم في التكييِّف الفقهي هي ضريبة مالية تؤخذ بقدرٍ معين لمصلحة معينة يُقدِّرها ولي الأمر أو من ينوبه .

وقد تكون الرسوم باطلة محرمة ، وقد تكون صحيحة وواجبة بحسب مقتضى الحال . فلا يجوز إلغاء الرسم المالي إلا بدليل أو قرينة أو مصلحة يوجبها الشرع أو النص أو مقتضى الحال .ولا يجوز فرضها إلا بمثل ذلك .

وفرض رسوم على مُلَّاك الأراضي قد يحقِّق ثمرات منها : بيع الارض ، أو تقسيم الارض لقطع قصيره وبيعها أو اعمارها أو استثمارها . لكن ذلك مرهون بالرقابة العقارية التي لها سلطة على السِّلع وعدم العبث بها من جهة المستثمرين . لكن فرض رسوم على الاراضي -لن يخفِّض العقار في غالب الأحوال بل ستزيده – على الأرجح – لأن التاجر لن يبيع الا بالسعر الذي يُرضيه ، وبالربح المناسب له .

10- في السوق العقاري ثلاث عورات : الاحتكار والمضاربات الخفية والتلاعب المنظَّم بالأسعار . وهذا يقتضي أن يكون المشتري على علم بهذه الحِيل الكيدية ، فلا يغامر بالشراء إلا بعد تفكير ووعي شديد لئلا يقع في مصيدة التجار . وأكثر من ندم من الضعفاء كان ضحية لتلك العورات .

11- بيع النجش أفسد السوق العقاري في المزادات المضلِّلة ، سواء من مطوِّر المشروع العقاري أو من مندوبيه الفاسدين . وهذا من أعظم أسباب التلاعب بأسعار العقار على الضعفاء . والمصلحة الشرعية تقتضي حسم هذا الفساد من جذوره ليستقيم سعر السوق .

وعند الفقهاء يجوز إخصاء الهر ! إذا كان القصد تحقيق مصلحة شرعية من وجوده في البيت ، وحَكم الطبيب بإخصائه دفعاً لنجاسته والتقليل من أذاه في البيت ! . وهذه المزادات الفاسدة التي تُضِّلل الناس هي التي يجب تحجيمها وتطويقها بالرقابة الشرعية . وهذا دور الإعلام المغيَّب . والله لطيف بعباده .

12- في السوق العقاري يجب التفريق بين الطلب والحاجة . فأنا قد أطلب شيئا لا أحتاجه الآن ، وقد أحتاج ما لا يمكن الحصول عليه . فتطبيق هذا المبدأ من كل فرد ، قد يُجبر المستثمرين على تيسير البيع وترك الطمع في المال والخوف من الإضرار بالمشتري ، حذراً من الخسارة .

13- تعزير المتلاعبين بالعقار والتشهير بهم في الإعلام واجب شرعي في ظل فوضى العقار التي صنَّفت الناس إلى غني وفقير .وقد ورد الوعيد بذلك . وهذا المبدأ ورد في مصنفات الفقه قبل ألفِ عامٍ تقريباً ، لكنه معطَّل لضعف الرقيب الشرعي . وقد جاء في الأثر : ” مَن دخل في شيٍء من أسعار المسلمين يغلي عليهم، كان حقًّا على الله أن يقذفه في جهنم رأسه أسفله ” . أخرجه الإمام أحمد . وفي إسناده مقال وله شواهد .

ومن خلال ما تقدَّم يتبين أن معضلة الأراضي البيضاء لا يمكن حلُّها إلا بالحزم السلطاني الحكومي ، والحكم عليها يلزمه النظر في المسائل المتعلِّقة بها وجوبا ً ، لأن القاعدة عند الأصوليين أن الحكم لا يكون إلا بوجود سببه وشرطه وانتفاء مانعه . وما عدا ذلك فعبثٌ وضياع للوقت وهدر للطاقات واتِّباع للهوى . والله تعالى يقول : ” فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم ” ( المائدة :224) . والله الهادي .

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بمعاهد القوات البرية

( منقول )