السلام
بحث مقدم للمشاركة

التأويليةالجديدة وقراءة النص القرءاني.بحث في التوجهات والتعثرات.

محمد بنعمر.
-تقديم
لقد برز في الساحة الثقافية تيارا تأويليا ، يسعى إلى قراءة النص القرءاني قراءة مغايرة ، ومختلفة، لما كان عليه المتقدمون من علماء التفسير ، هذا السعي هو ما كان باعثا لكثير من الدارسين، والباحثين إلى متابعة هذا الاتجاه ،قصد الوقوف على الدعاوي العلنية، أو الخفية التي كانت من وراء هذه المشاريع القرائية للنص القرءاني،والتي سعت إلى التقاطع الكلي مع كل الجهود الفكرية المبذولة في التفسير .. ومما زاد من دواعي وأهمية البحث ، هو التعريف بهذا المنهج المتوسل به في هذه المشاريع التأويلية. والذي أذى إلى فوضى في قراءة النصوص خاصة الدينيةمنها ،وهو ما يتجسد بشكل ملموس فيما أخذت تعرفه الساحة الثقافية والفكرية من إخلال وإهدار ، كلي بالقواعد التي عليها يتوقف التفسير، والقراءة و التأويل ،و هو ما أفضى إلى بروز توجه منحرف في التفسير، بحيث ظهر اتجاه حداثي في قراءة الخطاب القرآني، يسعى إلى التحلل من كل الضوابط العلمية، والقواعد الحاكمة للتفسير والتأويل. إضافة إلى عدم التقيد بحدود التأويل، وشروط التفسير ،وعدم الرضوخ لأية سلطة حاكمة للقراءة والتفسير ، سوى سلطة القارئ وحريته في تأويل النص.وهو ما كان مدعاة إلى مجاوزة القواعد وتخطيهاوتحطيمها ، كما هي مؤصلة في كتب علم أصول الفقه وعلوم القرآن.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل نعت الموروث التفسيري القديم بنعوت ومواصفات قادحة،استصغرت وقللت من شان هذا التراث التفسيري من ذلك أن المفسرين القدماء سيعون إلى مناصرة العقل المنغلق، ويكرون ويحتمون بسلطة المعنى الواحد، إضافة إلى اقتدائهم ومناصرتهم للنموذج الواحد في التفسير ، الذي أرسى دعائمه الإمام الشافعي في الرسالة..[1]. وعلى نموذج الشافعي سار اغلب المفسرين للنص القرءاني...
فالاتجاه الحداثي في القراءة والتفسير يصرح بشكل واضح أن الطريقة القويمة في قراءة الخطاب القرآني وتدبر معانيه والوقوف على مقاصده هي القراءة المتحررة من ثقل التقليد،والمتجردة من قواعد التهاويل، وقواعده وضوابطه وعير الخاضعة لأية سلطة غير سلطة القارئ المتحكم في المعنى، فهو له الأمر في الاحتيار وما القواعد إلا قيود مكبلة، ومقيدة لهذه الحرية . بما في ذلك ضوابط التفسير،والتأويل التي أصلها علماء التفسير، والعمل على تخطي للموروث الثقافي الذي أنتجه المفسرون والمحدثون والإخباريون في معالجتهم للنص على امتدادات التاريخ....[2].


-1- القراءات التاويلية :السياق والمرجع:
-حركة نقد النص الديني:
إن اكبر دافع من وراء ظهور القراءات الحداثية،هو الإشكال الدلالي التي طرحته الكتب المقدسة على مستوى التلقي، فتعدد نسخ الكتب المقدسة وتضارب الدلالة والمعنى في هذه النسخ. نتج و أسفر عنه نشأة علم نقد الكتاب المقدس "الهرمنيوطيقا"،...[3]
وهذا الظهور لهذا العلم أدى إلى نتائج في غاية الأهمية والخطورة ومن ابرز هذه النتائج: الإقرار والاعتراف بجود عدة نسخ للكتاب المقدس واختلافها من حيث الكم والكيف. وهذا الاختلاف وصل إلى حد التعارض والتناقض بين هذه النسخ. الشيء الذي أدى إلى غياب الثقة في القراءة النموذجية للنص المقدس بسبب تباعد الدلالة اللغوية للألفاظ التي جاءت محمولة في هذه النسخ في وضعها الأصلي و ما أخذت توحي به هذه الألفاظ من معان جديدة ودلالات مستحدثة تبعا لاستعمال والتداول الجديد لها في التخاطب والتداول في اللغة المعاصرة.[4].
ذلك أن كثيرا من الكلمات المستعملة في نسخ الكتاب المقدس لم تعد تحمل أية معنى أو دلالة.فهي من قبيل الألفاظ المبهمة والمهملة الذي لا تحمل أي معنى في التخاطب ... [5]
من هنا كان هذا التباعد اللغوي في ألفاظ الكتب المقدسة من حيث دلالة ألفاظها ،والذي وصل أحيانا إلى الباب المسدود في الفهم. بحكم قدم المعجم اللغوي لهذه الكتب ، فهو معجم مبهم ، غير متداول ، لم يعد مستعملا ، أو متداولا في التخاطب اللغوي المعاصر. فهذا الاعتبار كان من اكبر الدواعي التي ساهمت في نشأة حركة نقد النصوص الدينية.
وللخروج من هذا الإشكال دعا أصحاب هذا الاتجاه إلى إعطاء المزيد من الحرية للقارئ والمتلقي حتى يمارس سلطته التأويلية على النص الديني سواء في قراءته أوفي تلقيه لهذا النص وذلك بان يحمل المعاني التي جاءت في الكتاب المقدس على غير معناها الذي كانت عليه في التداول القديم، وإنما يحملها على المعنى المتداول والمستعمل في الزمن الذي يتلقى في هذا النص. ...[6]لان من شان هذه الحرية للمتلقي أن تبعد الغموض وتزيل الإبهام وترفع الخفاء الذي لازم باستمرار لغة هذه الكتب الدينية القديمة ، خصوصا نصوص كتاب العهد القديم التي كانت لغته عبارة عن الغاز ورموز وعلامات لكلمات لا يجمعها أي رابط ا وجامع و لا تحمل أية دلالة أو معنى ،بسبب ندرة استعمال هذه الألفاظ وقلة تداولها في التخاطب اللغوي .، ولا تتحكم فيها مقتضيات الخطاب وسياقاته التي تعد عنصرا ومكونا أساسيا في الفهم والتلقي. ولا توجهها مستلزمات التخاطب المعاصر من حيث السنن الحاكمة لهذا التخاطب . ..... فكلما تقدم النص في الزمن صار نصا ناقصا ومبهما وغامضا واحتاج إلى فهم جديد وتأويل مستحدث وفق ما استجد من قيم ثقافية وحضارية جديدة،فهذا الاختيار من شانه أن يضمن لهذا النص البقاء والاستمرار ويبعد عنه التقادم والاندثار والتلاشي. ومن هنا كانت الضرورة ملحة والحاجة ملزمة على البحث على علم جديد يفك هذا الإشكال اللغوي ويزيل هذا الإبهام الدلالي التي انتهت إليه اللغة المودعة في هذه الكتب الدينية القديمة. وكان هذا العلم وعلم الهرمنيو طيقي .[7]
فالتجربة التاريخية التي مر منها النص اليهودي والمسيحي، وكذا تجربة النقد العنيفة التي أطاحت بقدسية هذا النص، كانت من أبرز الخلفيات التي ساهمت في نشأة الاتجاه التأويلي [8].... ..
ومن صميم هذا الإشكال ظهور الإشكال التأويلي في الفكر الغربي متزامنا مع نقد الكتاب المقدس . وكان من رموز هذا الاتجاه الفيلسوف الهولندي سبينوزا الذي كان رائد مدرسة نقد الكتاب المقدس[9].وقد كانت هذه المدرسة تنظر إلى الكتب المقدسة بوصفها نصوصا بشرية تخضع في نقدها لما تخضع له النصوص البشرية من حيث التأثر بالبيئة وبالظروف الزمانية والمكانية التي ظهرت فيها تلك النصوص....[10]..
وللخروج من هذا الإشكال المتعلق بتحقيق النصوص الدينية القديمة ورفع التعارض القائم بينها وتوثيق نسخها وتأويل مضامينها وفق القيم المعاصرة والمبادئ الجديدة التي استحدثت في الواقع المعاصر وحملتها الحضارة الغربية والمدنية الجديدة. كان من الضروري اللجوء إلى هذه المناهج الـتأويلية المعاصرة لما تتيحه للقارئ من إمكانيات ومساحات واسعة في ممارسة سلطته التأويلية على النص.لان هذه المناهج لا ترى مانعا في تعددية المعنى في التفسير و لا باسا في تنوع الدلالة، وعدم الاستسلام لأي سلطة غير سلطة المتلقي الذي له الحرية المطلقة والكاملة في التفسير والتأويل وإنتاج المعنى حسب رؤاه وتوجهاته واختياراته وقيمه ... بدعوى أن معنى النص وحمولته يتغير حسب الأحوال النفسية للمتلقي و حسب المعطيات الثقافية والفكرية التي يعيش فيها هذا القارئ.فقد يأخذ النص الواحد عدة معان مختلفة ومتباعدة وأحيانا متناقضة ومتباينة تبعا لأحوال المتلقي النفسية والثقافية...[11].فالنص واحد لكن تلقيه متعدد تبعا لاستعدادات وأحوال هذا المتلقي..
فالتأويل للنص بهذا التحديد جهد ذاتي يخضع فيه النص لتصورات القارئ ومفاهيمه وأفكاره القبلية... وتبعا لهذا فإن هذا المنهج التأويلي يعمل على إخضاع النص الديني بقوة لتصورات القارئ القبلية تحقيقا لرغبات هذا القارئ الذاتية،.
ومن اجل تطويع النص لتلك الرغبات وإفراغه من حمولته الدلالية الأصلية وشحنه بدلالات وقيم هي من خارج النص. لا سبيل للقارئ إلا الاحتماء والاتكاء على هذا المنهج المدعو الاتجاه الهرمنيوطيقي ... .... كل هذا من اجل تحقيق الاتساق والانسجام بين النصوص المتعارضة في الصياغة والمتضاربة في المعنى... علما أن هذه المناهج المعاصرة في الـتأويل والقراءة من شعاراتها عدم الرضوخ لأية سلطة قد يحملها النص في توجيه الفهم والتلقي وإنما الرضوخ لسلطة القارئ[12].
ومن ثم فان هذه المشاريع ،رغم التعدد في أسمائها ونعوتها ، فهي تفاسير مذهبية. لان المنطلق فيها هو تفسير القرءان الكريم بمقتضى ما يريده المفسر وما يقصده من معان، لا بما تدل عليه الدلالة الأصلية للقران الكريم. لأن المفسر في هذه التفاسير يتحيز في هذه التفاسير لأفكاره و ينتصر لاختياراته، فيعطيها الأسبقية والأولوية والمشروعية..... فيجعل هذه الاختيارات هي الأصل و المعنى الذي جاء في التفسير تابع لأصل وخادم له ...
وهذا المعطى يكشف عن عدم حيادية هذه المناهج أو استقلاليتها، مما يجعل استعمالها وتطبيقها خاصة أن تعلق التطبيق بالنص القرءاني محفوفا بكثير من المزالق والمخاطر والأخطاء ، خاصة إذا علمنا أن هذه المناهج تدعو صراحة بأن المعنى في النص هو حصيلة امتزاج بين أفق المعاني لدى المفسر التي يكتسبها من بيئته ومجتمعه مع أفق المعاني المودعة في النص .[13].
إن النتيجة المستخلصة في سياق حديثنا عن السياق التي رافق نشأة هذه المناهج هو ارتباط هذه المناهج بالإشكال الحضاري الذي عاشه الغرب في تعامله مع كتبه الدينية المقدسة التي طالها التصحيف والتحريف في امتداداته الزمانية والمكانية .فلقد واجه الفلاسفة التنويريون في أوروبا خاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر مشكل التحريف الذي حمله الكتاب المقدس في مضامينه وقيمه...
و للخروج من ورطة التحريف والتصحيف الذي منيت به هذه الكتب، فانهم دعوا إلى تخطي ما تحمله هذه الكتب من قيم ومبادئ وأفكار وعدم الرضوخ لمبادئها والاستجابة لتعاليمها وقيمها عن طريق إطلاق الحرية الكاملة والمطلقة للقارئ في تأويل لهذه النصوص حتى تناسب مضامينها القيم الجديدة والمعاصرة...
بل الأكثر من هذا أن السند الذي استند إليه أصحاب هذه القراءات الحداثية أن في مجال نقد النص تستوي النصوص وتتماثل بصرف النظر عن جنسها أو نوعها أو مصدرها.. فالنصوص الذي تستمد مرجعيتها من الوحي تتماثل مع النصوص التي ينتجها البشر.لان كل النصوص تتساوى في استمداد مرجعيتها من الثقافة التي تنتمي إليها". وهذا يلغي الافتراق و يرفع الاختلاف والتميز و يحقق التماثل والتجانس بين جميع النصوص من حيث المقاربة المنهجية سواء أكانت نصوص دينية أو نصوص بشرية.وهو ما يفسر لنا إلحاح المناصرين لهذا الاتجاه في ان المعطيات الثقافية مؤثرة في النص.[14] "فالنصوص دينية كانت أم بشرية محكومة بقوانين ثابتة والمصدر الإلهي لا يخرج عن هذه القوانين لأنها تآنست منذ تجسدت في التاريخ واللغة .فالنصوص ثابتة في المنطوق متحركة ومتغيرة في المفهوم،...[15]. ..
2-الاستشراق:
ومن المؤثرات التي لا ينبغي إهمالها أو التغاضي عنها والتي ساهمت في انبثاق هذا الإشكال التأويلي ظاهرة الاستشراق الذي كان لها الأثر الأكبر في ظهور هذا الاتجاه.
بحيث يجب ألا يغيب على البال والحسبان أن الدراسات الاستشراقية ساهمت بشكل كبير في ظهور هذا النوع من القراءات والتأويلات التحريفية للقرءان الكريم. لان من منطقاتها الأساسية ومبادئها الأولية هو رفع المصدرية الربانية عن القرءان الكريم .. والتعامل مع القرءان وكأنه نص بشري عاديأ نتجه البشر وتحكمه نفس القواعد والضوابط الحاكمة لهذه النصوص الدينية القديمة، وهو ما يسير الطريق ويسهل المسلك في الوصول إلى بشرية النص القرآني من اجل رفع القداسة عن هذا النص.
فالاتجاه التأويلي في نقد الكتاب المقدس تأثر بحركة الاستشراق وأعاد أفكارها ومقولاتها في دعوتها القائلة ببشرية النص القرآني. ومن رموز هذا التوجه المستشرقان: نولدكهو بلاشير اللذان عملا في مؤلفاتهم على تحقيق هذا الهدف...[16]
وعلى الرغم من اختلاف مناهج المستشرقين في التعامل مع القرءان الكريم فان المسعى المشترك الذي يجمعهم هو سعيهم نحو رفع المصدرية عن القرءان الكريم . و الدعوى إلى التعامل مع القرءان من حيث هو نتاج بشري خاضع لعاملي الزمان والمكان وليس هو وحي و خطاب رباني جاء للهداية البشرية.[17].
ومما استند إليه المستثرقون أن التعدد في القراءات القرءانية يعد مظهرا من مظاهر التعدد في المقروء وهذا ما يجعل القرءان الكريم متعددا تبعا لاختلاف قراءته بين القراء[18]
بل من المستشرقين من اخضع النص القرءاني للمنهج التاريخي باعتبار القرءان الكريم نصا جاء استجابة لظرف تاريخي معين. علما أن المنهج التاريخي الذي هيمن على مناهج المستشرقين هو : "منهج يسجن النص الديني بشكل خاص داخل الحقبة التاريخية بذاتها التي ظهر فيها دون أن يتعداها بسلطته التشريعية إلى ما بعده من الحقب التاريخية...[19]
فالمنهج التاريخي هو الذي بمقدوره أن يقيد النص في زمن بعينه و يجعل النص مستجيبا للظرفية التي ظهر فيها...
فلقد اعتبر الاستشراق أن القداسة التي يتصف بها النص الدينيتشكل عقبة في التعامل مع النص. وهذا ما جعلهم يراهنون على المنهج التاريخي لأنه المنهج الذي يلغي القداسة عن النص. وان النص غير مقدس في ذاته وإنما تقدس في التاريخ...وهذا ما يسهل من مأمورية رفع القداسة عنه.[20]....


--:- المنطلقات الجديدة في القراءات الجديدة للنص القرءاني:
إن ما يميز مشاريع القراءات الحداثية للنص القرءاني على مستوى المنهج :
-أ-أن هذه المشاريع تسعى إلى إحداث قطيعة معرفية كلية مع كل الجهود التراثية السابقة الخادمة للنص القرءاني خاصة ما تعلق بمناهج التفسير التي سادت في التراث الإسلامي[21]. ،وهي مناهج كانت تحتكم للضوابط وتستند للشروط وتخضع للأصول والمرجعيات الحاكمة للتفسير، و عدم استثمار المداخل المنهجية التي جسدتها مقدمات كتب المفسرين القدماء، بحيث عكست هذه المقدمات جهود المفسرين المتمثلة في خدمتهم وقراءتهم للنص القرءاني تحقيقا وتفسيرا وبيانا.. وهي جهود جاءت نتيجة جهد متواصل وعمل مستمر و كبير وعناء طويل واستقراء مستمر ودءوب ومتابعة مكثفة في تعاملهم مع النص القرءاني في جميع مستوياته ومكوناته . وهو تعامل كان من آثاره وحصيلته وتجلياته تأصيل القواعد و وضع الأصول ورسم الضوابط لتكون منطلقا في التفسير ومسلكا هاديا لكل قاصد أو راغب في تفسير القرءان الكريم . و إبعاد كل القراءات التي لا تستند أو لا تحتكم إلى شروط وضوابط التفسير ، و لا ترجع إلى الأصول الضابطة للفهم السليم ، ولا تسترشد بالجهود العلمية الكبيرة التي بذلها علماء السلف و ضعوها على شكل قواعد وكليات لتكون مقدمات منهجية ومداخل أساسية في تفسير القرءان الكريم . وهذه القواعد والكليات في مجملها تدعو بإلحاح إلى المراهنة على المنقول واعتباره هو الأصل والسند في التفسير، والاهتداء إلى المعقول واعتباره معينا في التفسير و تابعا للأصل وهو المنقول وخادما له.....
مع التمكن من اللغة العربية لمن قصد التفسير، وهذا القيد يأتي على رأس القيود و الضوابط الضابطة للتفسير القرءان الكريم ، لان النص القرءاني ظهر في ثقافة تعبر عن نفسها بواسطة لغة،هي اللغة العربية.فكان من الطبيعي أن ينضبط النص القرءاني بضوابط اللغة العربية من حيث الأداء ، ومنطق التخاطب....فالخطاب القرءاني سلك مسلكها وسننها في التخاطب والتعبير،وهذا الضابط هو ما عبر عنه الإمام الشافعي في الرسالة عندكما قال :"إنما خاطب الله العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها.."[22].
من هنا ندرك أن الخطاب ا لقرءاني جاء على لغة العرب ، فهو موافق لهذه اللغة في طرق البيان ومذاهب العرب في التبليغ ....
فعدم المراهنة على اللغة العربية والسعي نحو تحطيم المعايير والقواعد في التفسير هو ضرب من تحريف النص بصفة عامة والقرءاني بصفة خاصة...[23]. ومن ابرز الحجج التي استند إليها أصحاب المشاريع الحداثية في دعوتهم وإلحاحهم ورغبتهم في تقاطعهم مع الموروث هو أن هذه التفاسير القديمة كانت تنطلق من هذا الثابت: وهو أن النص القرءاني يحمل معنى واحدا مودعا في النص، وما على المفسر إلا استخراج هذا المعنى من النص واستنباطه منه والانتصار له . والتقيد بالقواعد الموضوعة بين يديه دون مجاوزة أو تعدية واختراق...
- ان هذه المشاريع تراهن على التعدد في المعنى:
إن السند الذي استند إليه الحداثيون في هذا الرفض لجهود السابقين في ميدان التفسير ولمدوناتهم ، هو انتصار هذه التفاسير للمعنى الواحد ورفض التعدد .فهي تفاسير تنتصر للمعنى الواحد وتراهن على الثبات، وتعارض بالمرة التعددية في المعنى،وحتى لو كان هذا التعدد من قبيل الانتقال من المعنى الأصلي إلى التبعي ، فإنها تخضع هذا التحول لمجموعة من الشروط والضوابط الصارمة ....
وهذا العمل من شانه ا ن يجعل المفسر فاقدا لسلطته في تفسيره للنص القرءاني .خاضعا للمعايير الحاكمة الضابطة لعملية التفسير . لأنه بهذا الخضوع والاستسلام فقد سلطته التفسيرية. حينما تقبل المعنى الواحد عن طواعية واعرض عن التعدد ، ومن ثم فلا سلطة له في التفسير. وإنما السلطة للنص مادام النص يحتفظ بالمعنى الواحد.....
ومن أسباب هذا الرفض للتفاسير القديمة أن المناهج في التفسير القديمة في نظر هؤلاء كانت تعمل على تغيب للقارئ والمتلقي من حيث هو طرف أساسي في إنتاج النص.وأداة متلقية ومنتجة للخطاب.تتفاعل بشكل دائم ومستمر مع النص من اجل إنتاج المعنى الذي يحمله هذا النص .فحياة النص تتوقف على ما يقدمه القارئ للنص من قراءات وانطباعات للنص . والنص بدون قارئ متجدد ومستمر فهو نص جامد وميت.
كما أن المناهج القديمة تقيد المتلقي في قراءته للنص ولا تسمح له باختراق سلطة النص .[24]و هذا ما يؤدي إلى عدم وضع في الاعتبار والحسبان الإشكاليات والأسئلة المركبة التي يطرحها التفسير على مستوى التلقي وإنتاج المعنى وهي الأسئلة التي ظلت مغيبة بين المفسرين القدماء ...[25].
كما أن مناهج المفسرين القدماء لم يضعوا في الاعتبار ولا في الحسبان ها الاعتبار وهو النص القرءاني رغم قداسته فقد حملته لغة تتميز بطبيعتها بالتعدد والتنوع في الدلالة سوا ء في التبليغ أوفي التخاطب وهو ما تشهد له أساليب هذه اللغة التي جرى فيها التخاطب عن طريق المجاز، الذي هو ضرب من الانتقال من المعنى الأصلي إلى المعنى التبعي.....
ومن النصوص التي استند إليها أصحاب القراءات الحداثية في تزكيتهم لهذا التوجع، هو هذا النص لابن قتيبة الدينوري والذي قال فيه :"ولو كان القرءان كله ظاهرا مكشوفا ،لاستولى في معرفته العالم والجاهل ،ولبطل التفاضل بين الناس،وسقطت المحنة وماتت الخواطر،..."[26]...
تبعا لهذا الرفض والمصادرة للجهود القديمة في عملية التفسير .فقد عمل المناصرون لهذا الاتجاه الجديد بالدفع بقوة بمشاريعهم من أجل جعل هذه المشاريع الحداثية في قراءة النصوص القرآنية وتأويلها البديل المنهجي المرتقب، لكل الإنجازات العلمية التي راكمتها جهود العلماء السابقين والمفسرين في اجتهاداتهم في تفسير القرآن الكريم..
-الإمكانيات المعرفية للمناهج الجديدة في التفسير
-أن هذه المشاريع الحداثية التي تستند الى المناهج الجديدة في التفسير، تحمل من القدرات التفسيرية والإمكانيات الـتأويلية ما لم تحمله المناهج القديمة في التفسير والـتأويل.. فهي تعمل على الحد من سلطة النص وتوسع من سلطة المتلقي.فسلطة النص المتمثلة في القواعد والضوابط والمعايير الحاكمة للفهم والمنظمة للتلقي تشكل حاجزا في القراءة بسبب الاحتكام لقواعد الفهم في اللغة العربية. في حين ثم الرفع من شان سلطة القارئ الذي منحته هذه المناهج حق التأويل المطلق وحق التلقي الحر للنصوص الدينية .وهدا السعي كان من اجل مطاوعة النص وتوجيه لييحقق الانسجام والتوافق مع مؤهلات القارئ الفكرية وخلفياته المذهبية، ورؤاه الذاتية. الشيء الذي يجعل من النص أداة خادمة ومطاوعة لتوجهات واختيارات وقبليات القارئ الفكرية والمذهبية في تفسره للنص[27]...
لكن هذا السعي يفتقد للشرعية إذا نحن علمنا أن الأصل في اكتساب المعنى من النص شرعي كان هذا النص لغويا أو أدبيا أو قانونيا هو الاحتكام إلى الدلالة الأصلية للنص ،و عدم العبور إلى المعنى التبعي إلا بقرينة .وهو الأمر الذي يعد ضروريا وملزما ، إذ من الضروري في التفسير الاحتكام إلى الدلالة الأصلية للنص وعدم إسقاطها في التفسير لأنها الأصل .[28] فإذا نحن قمنا بإبعاد هذه الدلالة الأصلية من النص المراد تفسيره أو قراءته، من اجل تحقيق رغبات المتلقي ، فانه لن يبقى من النص المراد تفسيره شيء، بل سنجد أنفسنا أمام عدة نصوص تتضارب في المعنى و تتعارض فبعضها يعارض البعض الأخر ....[29].
فالقراءة الحداثية أو المعاصرة للنص أو الجديدة رغم اختلاف الأسماء والمسميات والنعوت والأوصاف لها ، فهي في نهاية الأمر والمطاف قراءة مذهبية لأنها لا تخدم في أصلها ومقصدها النص ولا تخدم العملية التفسيرية. بقدر ما تخدم مذهبية القارئ و اختيارات المفسر التي يعمل على إسقاطها بالقوة في تفسيره للنص القرءاني.....
إن جنوح المفسر إلى خدمة المذهب على حساب التفسير، والتمكين للمذهب على حساب القرءان .يجعل عمله فاقدا لكل قيمة علمية او تفسيسرية .فعمله يكتسي مجرد قيمة تاريخية لا تأثير له في واقع الناس ولا في تلقيهم لمعاني القرءان…[30].
-انفتاح النص للمعنى المتعدد :
مما استند إليه أصحاب هذا الاتجاه في دعوتهم الحاملة لنبذ المناهج القديمة ،هو أن النص الديني بصفة عامة والقرءاني بصفة خاصة نصوص مفتوحة و حاملة بطبيعة لغتها للتأويل وقابلة لأكثر من قراءة ومعنى...وأن النص المنفتح والمتعدد غير الخاضع للمعايير والشروط والضوابط اللغوية نص حي يتميز بالحركة وعدم الثبات. أما النص الذي تحكمه القواعد والضوابط والمعايير فهو نص مكشوف وساكن و وثابت تغيب فيه الحركة وترتفع فيه المنافسة وتلغى فيه المفاضلة وتتكافأ فيه الفرص وتستوي فيه المؤهلات والطاقات والإمكانيات بحيث يستوي في معرفة دلالته ومعناه جميع المتلقين له رغم اختلاف درجاتهم وهو ما يجعل النص مطاوعا لذاتية القارئ....
فلقد ادعى العاملون في هذا الاتجاه أن النص الحي هو النص الإشكالي الذي لا ينقاد للقارئ بيسر وسهولة. ولا يبوح له بمكنوناته وأسراره إلا بعد جهد وعناء ومشقة.أما النص البسيط والمبتذل والعادي و غير الإشكالي فهونص يطاوع القارئ بيسر وينقاد له بسهولة ويستسلم له….
وهذه الخاصية اعني الانفتاح الدلالي للنص عند المناصرين للقراءات الجديدة، من شانها أن تكفل للنص بالبقاء والاستمرار عبر الأجيال، والامتداد في الزمان والمكان يقراه كل جيل حسب إمكانياته الذاتية والموضوعية...فمن مبادئ هذا الاتجاه:أن "النص مفتاح لكل من استطاع قراءته"...[31] وانه لا وجود لمعنى حقيقي للنص وإنما كل معنى في النص فهو نسبي. والدليل على ذلك أن الكاتب قد يستعصى عليه الفهم و لا يدرك ما يقوله....[32].
فالفصل بين النص المفتوح ،والنص المغلق من ابرز المنطلقات المنهجية في مشاريع القرءات الحداثية.
فالقراءة التأويلية في هذه المناهج تسعى إلى تقديم وجه متعدد ومحتمل من بين عدة وجوه و احتمالات قد يحتملها النص...
ولعل هذه المراهنة على تعدد المعنى في قراءة النص كان من آثاره وتجلياته أن اتجه أصحاب المشاريع القراءات الحداثية إلى رفض التراث التفسيري الذي راكمته جهود المفسرين القدماء ورمي أصحابه بالسذاجة والغفلة والجهل والإعراض.لأنهم اعرضوا عن التعددية في القراءة و صادروا الاختلاف في اكتساب المعنى. بدعوى أن المفسرين القدماء في نظر هؤلاء عملوا على تكريس المعنى الواحد للنص[33].بما أصلوه من ضوابط وما وضعوه من قواعد و ما قدموه من أصول و مستلزمات ضابطة للفهم وحاكمة للتمثل في تحصيل المعنى واكتساب الدلالة من ذلك تنصيصهم أن سعة دلالة النص لا تعني الإعراض عن القواعد والضوابط في قراءة النص وتفسيره خاصة ما تغلق بالقواعد اللغوية الأصولية التي تعد ضرورة لكل متصدي للتفسير.[34] وتبعا لهذا فقد واجهوا كل التفسيرات والتأويلات التي لا ترضخ للأصول ولا تحتكم للشروط ذات الصلة بالتفسير والتأويل. وأدرجوها في خانة التفسير المنحرف....[35].
ومصادرة هذا التراث التفسيري الذي شيده علماء الإسلام على امتداد التاريخ الطويل يعود أن هذه القراءات المعا صرة التي تصدر من مناهج تستمد مرجعيتها من المناهج المعاصرة التي تشكلت من خارج التداول الإسلامي، واستوحت مبادئها من الفلسفات الوضعية والعلوم الإنسانية واللسانيات المعاصرة ومناهج تحليل الخطاب بجميع مدارسها والتي عرفت بدورها تطورا كبيرا في الآونة الأخيرة. وتوزعت إلى عدة مدارس واتجاهات أهمها: البنيوية والتداولية والتوزيعية والتفكيكية... وكان لها ارتباطات بالإشكالات الفلسفية والابستمولوجية التي مرت منها اللغات في الغرب.والتي تعد المتلقي الطرف الأساسي في تلقي النص وبناء المعنى وإنتاج المعرفة الدلالة. فسلطته التأويلية في تلقي النص وتفسيره تفوق سلطة النص ذاته في قواعده وضوابطه ومعاييره الحاكمة له في صناعة المعنى.
-السلطة في النص هي للمتلقي .
فلقد اعترض الاتجاه التأويلي على سلطة النص المطلقة ونفى وجود إمكانية قراءة صحيحة أو قريبة للنص. بدعوى أن مستويات القراءة والتلقي تتنوع سعة وعمقا من قارئ إلى آخر تبعا لسياقه الفكري والثقافي وتبعا لمؤهلاته الذاتية...فالمتلقي له شرعية التأويل الحر.تبعا لثقافته وتجربته الذاتية..[36]
إضافة إلى اعتراف هذا الاتجاه بالغياب الكلي لأي قراءة صحيحة للنص وان كل قراءة تبقي قراءة نسبية ومحتملة. وهذا ما يجعل كل قراءة مرشحة للتجاوز والتغير تبعا لتغير التاريخ والثقافة والأفكار والقيم...والأكثر من هذا عملت هذه المناهج على مصادرة المعطى الديني في النص الديني عامة والقرءاني خاصة، لان هذا المعطى من شانه أن يقف مانعا في تمثل الحداثة في قراءة النصوص ....
ومن تجليات الخطورة التي تحملها هذه المناهج في تعاملها مع القرآن الكريم. اقتصارها في هذا التعامل على ما هو لغوي في القرءان الكريم. فقد راهنت على كل ما هو لغوي ودلالي في النص وابتعدت عن كل ما هو تشريعي وديني. وجردت القرآن الكريم عن رسالته العقائدية ووظيفته الدينية التي اختص بها.
ومن شأن هذا التجريد والإقصاء أن يعطل كثيرا من عناصر القوة والفعالية التي يتميز بها القرآن الكريم وينفرد بها عن غيره من الكتب. فهو رسالة لسانية وعقائدية في آن واحد. ولايمكن الفصل بين الرسالتين.
من هنا كان من اللازم والضروري على المتعامل مع النص القرءاني أن يضع المعنى الديني في الاعتبار. وان لا يقتصر على ما هو لغوي في النص القرآني[37]. لأن النص القرآني في مجمله "ليس مجرد ألفاظ لغوية. وإنما هو دلالات ومفاهيم تمثل إرادة المشرع في كل نص ومقصده من التشريع"[38].
و من ثم لزم في التفسير عدم الاكتفاء بما هو لغوي في النص بل لا بد من مراعاة قداسة النص الديني التي تتحدد في كون القرآن وحيا ربانيا تحكمه خصوصيات ومواصفات تمنحه التميز والانفراد عن غيره من الكتب السماوية. .
- هذه الألفاظ من معان جديدة ودلالات مستحدثة تبعا لاستعمال والتداول الجديد لها في التخاطب والتداول في اللغة المعاصرة...
كما أن كثيرا من الكلمات المستعملة في نسخ الكتاب المقدس لم تعد توحي بأي معنى أو دلالة.فهي من قبيل الألفاظ المبهمة والمهملة الذي لا يحمل أي معنى... [39]..
4-تجليات التعثر في المشاريع التاويلية الحداثية:

لقد ادعى العاملون في هذه المشاريع أن المناهج المعاصرة في التأويل تشكل فتحا جديدالا في ميدان جديدا في ميدان الدراسات الأدبية والقرءانية،لأنها مناهج سعت في أصلها إلى تجاوز سقطات وثغرات مناهج التفسير القديمة المعهودة بين علماء التفسير. لأن مناهج التفسير القديمة لا تتحمل من التعدد في المعاني إلا ما طابق معهود المتكلم في الخطاب. كما تعاملت مع الوحي وفصلته عن مجاله التداولي والثقافي بحيث جعلت منه حقائق تاريخية مطلقة. إضافة أنها تنبني وتستند إلى منهجية الأخبار والمرويات المنقولة بالأسانيد الصحيحة...
ولما كان تفسير الإمام الطبري يعد من قبيل المصادر المعتمدة والأساسية في التفسير. لما احتواه من نقول وشواهد ومرويات صحيحة في التفسير. فضلا أنه يتأسس على منهجية صارمة في قبول هذه المرويات والنقول .و اعتماد القواعد والضوابط في تفسير النص القرءاني. فإنه كان عرضة لنقد شديد وتهجم كبيرورفض عنيف من لدن المناصرين لهذه المناهج الجديدة. لأنه لم يخرج عن المدونة الرسمية السائدة في التفسير و التي تتصف بالانغلاق في تكريسها لمنهجية النموذج المثالي في التفسير والقراءة .هذا النموذج الذي لا يميز بين المعنى وآثار المعنى وما هو من المعنى الأصلي وما هو من المعنى التبعي .وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى إقصاء وتغييب تاريخية الوحي في تفاعله مع محيطه...
هذا الإشكال يعني في منظور أصحاب القراءة الحداثية أن التفاسير ظلت منشغلة في نظر هؤلاء بوهم المعيار ومضمونه والعمل المستمر على وضع القواعد الصحيحة والضوابط القويمة للكشف عن المعنى الصحيح للنص القرءاني. وكان من نتائج هذا التوجه هو غياب الوعي النقدي بعملية الفهم والقراءة والتفسير. وإقصاء جزء من عناصرها ومكوناتها في مما أدى إلى غياب وتهميش دور المفسر والقارئ في عملية الفهم وعدم اعتبار أو مراعاة الأفق التاريخي والثقافي لعملية التفسير.وفي هذا السياق قال احد المدافعين لهذه القرءات :"لقد حان الأوانللعدول عن الوهم بان النص القرءاني معنى واحدا.فهو يحمل معنى واحدا لا غير.وما على المفسر إلا أن يكتشف هذا المعنى بواسطة مجموعة من الوسائل والآليات المتفق عليها بين العلماء...."[40].
فهذه التفاسير اعني المسماة بالقديمة، تظل محكومة وخاضعة لسلطة النموذج لأنها تظل مشدودة بمجموعة من القواعد والضوابط والمعايير الموضوعة سلفا بين علماء التفسير والأصول التي اشتغل أصحابها بدلالة النص القرءاني ومستويات هذه الدلالة في التفسير.مما جعلها تستند في بناء مادتها المعرفية على النقول والمرويات المأثورة عن السلف في استمدادها للمعنى. مما يؤدي إلى تحويل الفهم والتفسير إلى عملية آلية تحكمها سلطة المنقول وهو ما يجعلها تتعالى على التاريخ[41]..
من هنا كان الرهان الصعب في هذا الاتجاه هو إعادة النظر في هذه المنهجية التقليدية والدعوة إلى منهجية بديلة لا تميز بين ما هو متعالي وما هو دنيوي وما هو ألاهي وما هو بشري. ومن شان هذا الفصل أن يعمل على رفع الحواجز وتسهيل الممرات لعبور المجتمعات الإسلامية المعاصرة نحو الحداثة ويسهل في استيعاب وتمثل مكاسب الحداثة المعاصرة[42].
فهذه الأحكام العارية عن الأدلة والحجج الصحيحة جعلت مشاريع القراءات الحداثية للنص القرآني تتعرض لمقاومة عنيفة وشديدة من لدن علماء الإسلام الذين عملوا على الكشف عن سقطات هذه المناهج وثغراتها في التطبيق ومزالقها في استنتاج النتائج واستكشاف دلالة النصوص[43].بناء على هذا المعطى" أن سلامة الأفكار تتوقف على سلامة المناهج"[44].
فهي مشاريع لا تخدم النص على الإطلاق وإنما تخدم التوجهات المذهبية والقبليات الفكرية لقارئ النص. فهي تفاسير مذهبية للقرآن الكريم تعمل على تأسيس نوع من القطيعة مع التفاسير القديمة. علما أن التفسير المذهبي هو كل تفسير يتجه فيه المفسر إلى "الانتصار لمذهبه حتى ولو كان هذا الانتصار على حساب النص عن طريق التعسف والتحيز في تأويل النص وتطويعه لدوافع شخصية ونزعات ذاتية....
والانتصار للمذهب على حساب النص يجعل من هذه القراءات تجهز فيه على مقصدية المؤلف ومقصدية النص التي تجمعهما وتكون اللغة فيه حاكمة في هذا الجمع. ولقد ساد هذا النوع من التفسير لفترة وجيزة في تاريخ الإسلام لكن امتداداته ظلت محدودة ومحصورة.وضيقة في الزمان والمكان بسبب المقاومة العنيفة والرفض الشديد الذي لقيته بين علماء التفسير وعلماء القرآن بما أصلوه من قواعد وما وضعوه من ضوابط وما صنفوه من مصنفات من اجل وضع حدا للتأويلات الفاسدة والتفسيرات المنحرفة التي لا ترى في النص سوى ذاتها أو ما يخدم التوجهات المذهبية والعقدية والإيديولوجية لقارئ النص ومفسره.[45] فكانت الضرورة ملحة على العودة إلى جهود المفسرين السابقين ومناهجهم عن طريق الاحتكام إلى ضوابط التفسير والتقيد بقواعد وأصول التفسير. لأن من شأن هذا الضبط والتقيد أن يضع حدا لفوضى التأويل التي سادت في السابق و التي يريد البعض استعادتها وإشاعتها في الدراسات القرآنية المعاصرة...
ومن أبرز الأهداف الخفية غير العلنية التي تم استكشافها وتجليتها للمتابعين والمهتمين بقضايا التأويل التفسير أن هذه المشاريع تعمل على تعطيل سريان النص القرآني و تحد من امتداداته عبر الزمان والمكان. وتمنع هذا النص من الاقتراب أو التفاعل مع القضايا الآنية والأحداث المصيرية التي تعيشها الأمة الإسلامية. وإبعاد القرءان الكريم من أن يكون منطلقا للهداية والإرشاد في التوجيه الديني والفكري في حياة وواقع المسلمين اليوم....
والأخطر من كل هذا أن مشاريع القراءات الحداثية للنص القرءاني تعلن علنا وصراحة أن مناهجها في القراءة والتأويل ترمي إلى رفع صفتي الوحي والغيب عن القرآن الكريم. وذلك بربط الآيات القرآنية بالظروف التاريخية والسياقات الزمانية التي ظهرت فيها. وكأن القرآن الكريم نصا تاريخيا جاء لفترة زمنية بعينها أو جاء استجابة لظروف تاريخية خاصة...فهم يعارضون بقوة امتدادات القرءان عبر الزمان والمكان...ومخاطبته لكافة الناس في جميع العصور والأزمان...
فمن شان المنهج التاريخي في نظر أصحاب هذا التوجه أن يحرر القرءان من وصف القداسة التي تعد من ابرز مواصفاته و مكوناته. ويعيده مجددا لان يتفاعل مع الواقع. وهذا الزعم الواهي والساقط يعد احد المداخل المنهجية في التعامل الحداثي مع النص القرءاني..."[46].
فقد ادعى أصحاب هذا الاتجاه أن تطبيق المنهجيات المعاصرة على القرءان الكريم من "علوم اللسانيات والسميائيات والمنهجية البنيوية في تحليل الخطاب "إنما الغرض منه هو الكشف عن البنية اللغوية للنص ولشبكة التوصيل المعنوية والدلالية التي يبنى عليها النص. فضلا عن هذا فإن تطبيق المنهجية التاريخية إنما كان لبيان العلاقة القائمة والمتبادلة بين الوحي والتاريخ..[47].
ولتأكيد تاريخية النص القرآني بصفة عامة والقرآني منه خاصة اتجه دعاة القراءات الحداثية إلى القول بأن علم القراءات وأسباب النزول مؤشرات وعلامات وإيحاءات دلالية على ارتباط النص بزمنه وبإحداث تاريخه معينة[48].
لكن إن الباحث الموضوعي إذا هو القي نظرة عامة للتفسير وأراد أن يجد أسباب النزول لكل آية من كتاب الله فان سيتعصي عليه الأمر وسيكشف زيف هذه الدعوى القائلة باقتران النصوص القرءانية بأسباب النزول. وسيبطلها ابتداء [49].لان النصوص القرءانية التي ارتبطت بأسباب النزول لا تشكل إلا نسبة قليلة جدا في القرءان . ولان أسباب النزول هي مناسبات فقط[50].
.واغلب نصوص القرءان الكريم نزلت ابتداء أي بدون سبب يتعلق بها.ومن قواعد الأصوليين: إن أسباب النزول منشؤها التوهم [51].وهذا من أمهات القواعد المدرجة والمعروفة في كتب علوم القرءان..[52]
ومن الإدعاءات ذات الصلة بالمنهج زعم أقطاب هذه المدرسة أن مناهجهم في التحليل ومسالكهم في النظر تتميز بالكلية أو (الوحدة الناظمة للموضوع) وهذه الخاصية كانت شبه غائبة في مناهج التفسير القديمة التي كانت تجزئ النص إلى وحدات وتشطره إلى أجزاء وتقسمه إلى أقسام يغيب فيها الانسجام والاتساق والوحدة…
وهذا الإشكال المنهجي هو ما صرح به أحد أقطاب هذا الاتجاه عندما قال "لماذا نلجأ إلى الوحدة الناظمة في وقت لجئوا فيه هم إلى الكثرة. إذ الفارق هنا يكمن في اختلاف أسلوب المعرفة. فالفكر التحليلي قد يبنى حضاريا في عصرنا الراهن على معالجة الكثرة وارتدادها إلى الوحدة وربط الظواهر ضمن علاقتها الجدلية بإطارها الموضوعي".
إن هذا الإدعاء لا أساس له من الصحة إذا علما أن من بين المناهج التي سادت في التفسير بين القدماء:منهج تفسير القرآن الكريم انطلاقا من القرآن نفسه. وهذا المعلم يعد معلما راقيا في التفسير و أحد معالم المنهج الكلي في التفسير. من حيث النظرة الكلية للقرآن نظرة تجمع بين الآيات والسور. كما أن التفسير اللغوي الذي يتجه فيه المفسر إلى التحقق من دلالة اللفظة القرآنية في بعدها الانفرادي والتركيبي وتمثل معانيها في جميع مواضع وسياقات استعمالها في القرآن الكريم والتمييز والفصل بين جميع المعاني التي أخذتها في القرآن الكريم يعد أحد المنطلقات المنهجية الكلية في استمداد المعنى من القرآن الكريم.
وهذا المنهج ينبني في عمومه على الانطلاق من الجزء من أجل تفهم وتمثل الكل[53].أي أن الكل مهيمن على الجزء وموجه له. وان الجزء لا يستقل بالإفادة على المعنى بنفسه إلا إذا ثم تجميعه مع الكل.. .
كما أن المفسرين في تعاملهم مع النص القرءاني انطلقوا من وحدة النص .أي اعتبار النص القرءاني وحدة دلالية متماسكة تتوافر على كل مقومات التوافق و ومواصفات الانسجام والتماسك والاتساق سواء من حيث الشكل أو من حيث المضمون...[54].فمن طلب المعنى وجب عليه حمل النصوص بعضها على بعض...
ومما يؤكد مفهوم الوحدة الدلالية من حيث هي منهج أصيل في تراث المفسرين هو تلك التقسيمات والتفريعات التي وضعوها للقران الكريم في جانب التماس المعنى وتحصيل الدلالة والمراد في حديثهم عن العام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والحقيقة والمجاز والمنطوق والمفهوم والمعنى الأصلي والمعنى التبعي والحقيقة الأصلية والحقيقة الطارئة...[55]
و لتعطيل سريان النص على مستوى التشريع. والحد من امتدادات القرءان زمانا ومكانا. فان هذه المشاريع عملت على الإغراق في الغموض عن طريق انتفاء الألفاظ المبهمة. وهو ما يجعل القارئ يستشكل عليه المعنى المراد من النص. علما آن القرءان الكريم جاء في قمة البيان.وان الأصل في التكليف هوا لوضوح والإفهام والبيان. و أن الحق سبحانه لا يكلفنا بالمجمل ولا بالمبهم ولا بالمهمل الذي لا معنى له أصلا. إذ من شرط التكليف إفهام المكلف بما كلف به"فان وجد في الشريعة مجمل أو مبهم أو ما لا يفهم المعنى.فلا يصح أن يكلف بمقتضاه"[56]. لأنه من قبيل التكليف بما لا يطاق. وهذا أمر مجمع عليه بين علماء الأصول قديماوحديثا…
إن هذا المبدأ الذي أشرنا إليه يعد مبدأ أساسيا وشرطا أوليا وهو مبدأ ظل راسخا وحاضرا بقوة بين علماء التفسير. ولا أدل على ذلك ما قال له الإمام الطبري:" إن الحق سبحانه منزه على "أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم فائدة"[57].
وهذا يعود إلى خاصية ا لقرءان الكريم التي تتحدد في كونه أبين وأوضح في لغته وأسلوبه وتراكيبه بحيث يستحيل أن يوجد فيه شيء مبهم أو غامض أو غير مفهوم المعنى[58] . لان من القواعد الأساسية في التفسير ان الحق سبحانه لا يخاطب عباده بالمهمل... [59].
وأطروحة البيان في القرءان الكريم تعد ركنا أساسيا في النظرية الأصولية عند الشافعي. لقد انطلق الشافعي من فكرة البيان لتكون أحد المنطلقات الأساسية والمنهجية في تأصيله لمنهجية فهم النصوص الشرعية بناءا على أن الأصل في الخطاب تحقيق الإفادة و بيان المقصود[60].
ولعل هذا التأصيل المبكر للبيان والتفسير في النص الشرعي من لدن الشافعي هو الذي كان من وراء النقد الشديد والهجوم العنيف الذي شنه المناصرون للقرءات الجديدة على الإمام الشافعي فلق كان رائدا لمشروع كبير في نقد القراءات التحريفية للنص القرءاني .
فلقد اعتبر الإمام الشافعي عدوا للتعدد والانفتاح في قراءة النصوص وتأويلها بسبب تأسيسه لسلطة النموذج في القراءة والتفسير وعلي هذا النموذج أخذ جل المفسرين… في تفسيرهم للقرءان الكريم...
ولقد علق الدكتور البوطي على هذا التوجه في نزوع هذه القراءات نحو الغموض في قراءة النصوص الدينية فقال: " إن هذه الهجمة الشرسة على القرآن الكريم تحت ما يسمى بالقراءة المعاصرة للنص نزل وحيا من الله قبل خمسة عشر قرنا بمقتضى أصول التخاطب المعهودة بين العرب آنذاك. فكيف يستوعب المنطق وقانون فقه اللغة هذا الكلام. لو جاز إخضاع النصوص التاريخية لما يسمى بالقراءة المعاصرة لاختفى التاريخ واندثر ولانقطعت صلة الحاضر بالماضي. والحمد لله فإن أحدا من الباحثين لم يقدم بعد على هذه التجربة. ولكن ظاهرة هذا الجنون تظهر فقط في إخضاع القرآن دون غيره لهذه القراءات العصرية التي تفصله عن تاريخه وتقطع الصلة بينه وما يعنيه به صاحبه المتكلم به...[61].
والتعليق نفسه أكده الشيخ القرضاوي في قوله: "إنهم يريدوا أن يعيدوا تفسير وقراءة القرآن. إنهم يفسرون القرآن ويقرؤونه بقراءة يسمونها معاصرة. إنها قراءة لا تبالي بما صدر عن الرسول من أحاديث. ولا بما جاء عن الصحابة من تفاسير ولا بما جاء عن التابعين ولا عن مفسري ولا بما جاء عن التابعين ولا عن مفسري الأمة طوال العصور. يريدون أن يكونوا لهم فهم جديد إلى دين جديد"[62].
وهذا المعطى الذي يتحدد في أن الأصل في التكليف البيان والوضوح. هو الذي جعل تفاسير السلف تتجه نحو البساطة و تنزع نحو الوضوح في التفسير وتنأى عن التكلف والتشدد في التماس المعاني البعيدة والبحث عن الإشارات الخفية التي قد لا يحتملها النص ا وتحمل عليه بالقوة من لدن القارئ...
إن النتيجة التي يمكن الخروج منها بعد هذا التحليل الذي خصصناه للإشكال المنهجي في مشاريع القراءات الحداثية للنص القرآني هوان أصحاب هذه المشاريع رغم زعمهم أنهم يتوسلون بالمنهج العلمي في التحليل والحياد في الاستنتاج والموضوعية في البناء والتركيب. فقد تعارضت مقدماتهم مع نتائجهم واتسم تفسيرهم بالكثير من الاضطراب والتعارض والتناقض في تفسير الآيات و التسرع في استصدار الأحكام والإبهام في الاستنتاج ....[63]
ولعل ذلك راجع إلى رغبتهم الجامحة في تسويق مشروعهم الفكري حتى ولو كان هذا التسويق على ثوابت القرءان الكريم وأصول الإسلام... وكذا على حساب المعاني الصحيحة غير المحتملة للتأويل التي تحملها النصوص الشرعية...[64].
إن هذه المشاريع في نهاية المطاف ما هي إلا امتدادات للاتجاه الباطني الذي ساد قديما بين بعض المفسرين والذي وضع من ضمن أهدافه العلنية استشكال المعنى على متلقي النص و إبعاد القارئ عن المعنى الأصلي للنص وحتى التبعي الذي يحتمله النص وتشهد له اللغة في سعة معانيها في الأداء والتخاطب . لكن هذه المشاريع لم يتيسر لها ان تصل إلى مبتغاها وأهدافها بسبب المقاومة الشديدة التي لقيتها بين علماء الإسلام عامة وعلماء التفسير خاصة....حيث ثم تخصيص عدة بحوث ودراسات لبيان التعثر المنهجي في هذه المشاريع المسماة بالقراءات الحداثية للنص القرءاني.....
كما أن السقوط المنهجي الذي وقع فيه أصحاب القراءات الجديدة للنص القرآني يعود إلى عدم قدرتهم على إدراك وتمثل مقصدية القرآن في مخاطبته لمختلف الأجيال و في مختلف العصور بنص واحد ثابت له قواعد محددة وضوابط مؤصلة في التفسير[65].
فهذا التجريد للنص عن مقصديته العلنية وأهدافه الكبرى وتغييبه عن غاياته.التي تتحدد في الهداية والإرشاد والتزكية والعمران وحفظ الوجود البشري واستدامته. وإخراج البشرية من الظلمات إلى النور يعد من ابرز الإخفاقات التي سقطت فيها هذه المشاريع التي اختارتإبعاد القرءان الكريم عن رسالته ومقاصده.والنزوع نحو التحديث والتجديد والعصرنة...
كما أن هذا الانسياق في تقمص المناهج الحداثية في الفهم والتفسير.دون نظر أو مراجعة في الخلفيات والمرجعيات المؤسسة لها يحمل من المخاطر الكثيرة على مستوى التطبيق .فمن ابرز هذه المخاطر إخراج النصوص عن مقاصدها و وإبعادها عن أهدافها العلنية التي من اجلها أنزلت وشرعت....
فلقد ظلت هذه المناهج مجرد أدوات لتمرير الاختيارات والتوجهات والرؤى المذهبية التي يحملها أصحاب هذه المشاريع مما أساء كثيرا إلى هذه المناهج وغيب حقيقتها وحجب سوء استعمالها و الاستفادة من نتائجها….....


استنتاجات وتعليقات:
- لا يعني التجديد في التفسير الخروج عن القواعد والانفلات عن الشروط و الابتعاد عن الضوابط والمستلزمات التي يحتاجها المفسر في عملية التفسير. حتى تحقق الرغبات الذاتية للمفسر، ويتحقق التوافق والانسجام بين الرؤى والاختيارات التي يحملها وبين المعاني والدلالات التي جاءت محمولة في القرءان الكريم.إن هذا الشكل في التفسير مردود. لان في هذا التفسير يعمد المفسر إلى إسقاط اختياراته بالقوة على نصوص القرءان الكريم.فهو يضحي بالنص . علما أن نصوص القرءان الكريم لا تطاوع المعاني التي تنزل عليها بالقوة ولا سند شرعي أو دليل عقلي عليها . أو لا تكون موافقة لطبيعة اللغة العربية في التخاطب أو لأصول الإسلام وثوابته وأصوله المجمع عليها . لأن هذه نصوص حاملة للبيان بذاتها واضحة بألفاظها وتراكيبها وجاءت لغاية ومقصد الإرشاد و الهداية....وهذا الاختيار والقصد في التفسير القائم على تحميل النص القرءاني بما هو خارج عنه لا يتأتى إلا بخرق أصول وشروط وضوابط التفسير[66].. بالمقابل فإن التجديد الصحيح و السليم في التفسير هو التجديد المنضبط بضوابط الشرع والقائم والمشيد على الأسس الصحيحة والدعائم المنهجية السليمة المشيدة على الأصول و القائمة على الضوابط والمتفق عليها بين علماء الإسلام قديما وحديثا. وهي أصول توجد مؤصلة في كتب ومدونات التفسير خاصة المدونات التي اشتغلت على أصول التفسير.[67]وتعد مقدمة في أصول التفسير للشيخ ابن تيمية من ابرز المقدمات المنهجية التي تضمنت مجموعة من التوجيهات والتعليمات وحملت عددا من القواعد والإرشادات والأصول لتفسير النص القرءاني وفق ضوابط الشرع و جاءت نصوص هذه المقدمة على شكل قواعد كلية وضوابط عامة مساعدة وراشدة على الفهم ومعينة على التلقي و كاشفة للشروط المعينة على الفهم الصحيح القرءان الكريم.... كما توجد هذه الضوابط في كتب أصول التفسير وهي أصول ظلت محل اتفاق بين علماء الأصول والتفسير قديما وحديثا و تعد إطارا أوليا و سندا مرجعيا في استمداد المعنى من القرءان الكريم وحكما موجها وسديدا في الفهم والاستنباط بحيث لا ينبغي الخروج أو العدول عنها بأي حال من الأحوال لان العدول عنها يعد خرقا لميثاق التفسير وهو ميثاق يحمل عددا من الأصول والقواعد منها ما هو نقلي ومنها ما هو عقلي .كما أن خرق هذه الأصول هو من قبيل تحريف الدلالة الأصلية للنص القرءاني عن معناها المودع النص... لكن مع ذلك لا بد أن نقول انه لا مانع من الاستفادة من العلوم والمعارف والثقافات المعاصرة والجديدة في التفسير والتي عرفت بدورها تطورا كبيرا في الآونة الأخيرة. لما في هذا العمل من إعانة في الفهم ومن توسيع للمعاني وإثراء للدلالات التي يحملها القرءان الكريم فصلا عن كون هذه العلوم أدوات مساعدة للمفسر في تنزيل القرءان على حاجات ومتطلبات الواقع الجديد....[68].
- إن استثمار علوم العصر في التفسير عملية مفيدة وهادفة وخادمة للقرءان الكريم في مقاصده العليا،لان من شان هذا الاستثمار أن يوسع الفهم والتدبر لآيات القرءان الكريم: و يجعل القرءان يعيش زمنه و يتفاعل مع عصره، وهذا احد الخصائص الكبرى المميزة للقرءان الكريم ومفارقته للكتب البشسرية...[69]



[1] -العقل المنغلق في الثقافة العربية لمصطفى العراف .مجلة الفكر العربي المعاصر.159.160...2013.

.-[2] - يراجع أطروحة الدكتور احمد بوعود :هيرمينوطيقا والنص القرآني مقاربة تأويلية مقارنة لمفهوم الإنسان في القرآن الكريم...أطروحة مرقونة بكلية الآداب فاس ..


[3] -للوقوف على المسار التاريخي لهذا العلم يمكن الرجوع إلى دراسة حامد ناصر الظالمي : اسبينوزا وأثره في منهجية تحقيق النصوص عند المحدثين.مجلة أبحاث البصرة العدد :28.الجزء:1.2001.

[4] - حاولت الدكتور رقية العلواني إبراز الخلفيات التاريخية لشاة حركة نقد النصوص الدينية في بحثها :"اثر الظرفية التاريخية والفكرية في ظهور القرءانيين الجدد. جامعة الشارقة 2005.البحث يوجد في موقع الدكتورة

[5]-للمزيد من الوقوف على هذا الإشكال يستحسن الرجوع إلى نص المحاورة التي أجرتها مجلة مقدمات مع الدكتور محمد الجابري في عددها العاشر .صيف :1997. وكانت في موضوع :في قضايا الدين والفكر.العدد السابع.1997.

[6] -السياق القرءاني في تفسير الزمخشري للدكتورة سناء عبد الرحيم.مجلة افاق الاماراتية.السنة :21.العدد:81.مارس:2013.

[7] -الاتجاه الهرمنيوطيقي وأثره في الدراسات القرءانية للدكتور عبد الرحمان بودلال :8.بحث مقدم لندوة القراءات الجديدة للقرءان الكريم .كلية الآداب وجدة :2008.

[8]- للوقوف على حيثيات هذا الاتجاه يراجع بحث الدكتور عبد المالك مرتاض:التأويلية بين المقدس والمدنس المنشور بمجلة عالم الفكر:ع:1-2000.وفيه حدد التأويلية بأنها اتجاه يدعو إلى حرية التأويل في دائرة النصوص الدينية القديمة يسبب الغموض الذي أخد يكتنف لغتها....

15- يراجع كتابه: رسالة في اللاهوت والسياسة.ترجمة الدكتور حسن حنفي ومراجعة الدكتور فؤاد زكريا.دار الطليعة بيروت.2002.
--

[10]-في أسس الحداثة:سبينوز و تأويل النصوص المقدسة لأحمد العلمي مجلة مقدمات ع19..2004

[11]-قراءة في ضوابط التأويل لدكتورة رقية العلواني:12.

[12]- يستحسن الرجوع إلى نص الحوار الذي أجرته مجلة مقدمات مع الدكتور محمد عائد الجابري في موضوع نقد النص الديني في الثقافة الغربية .وأعادت مجلة فكر ونقد نشره في عددها التاسع وهذه المجلة كان يديرها المرحوم محمد عابد الجابري. .

[13]-الاتجاه الهرمنيوطيقي وأثره في الدراسات القرءانية للدكتور عبد الرحيم بودلال .عرض القي في ملتقى فكيك حول القراءات الجديدة للقرءان الكريم:ابريل:2007.

[14] -إشكالية تاريخية النص الديني في الخطاب الحداثي الغربي المعاصر للدكتورلمرزوق العمري:315

[15]-نقد الخطاب الديني لنصر حامد أبو زيد 118

[16]- للوقوف على الأطروحات الاستراقية حول القرآن يستحسن الرجوع إلى:
- دراسة الدكتور عبد الرحمان بدوي وهي بعنوان: القرآن الكريم ضد منتقديه وقيه تعرض لأهم المستشرقين الذين تعرضوا للقرآن الكريم دراسة وبحثا ونقدا..
-الفهم الاستشراقي لتفسير القرآن الكريم عادل ماجد محمد.ضمن اعمال مؤتمر مناهج التفسير: ماليزيا:2006.
- من الدراسات الأكاديمية التي رصدت جهود المستشرقين في دراسة القرءان والتأليف فيه دراسة. علي بن إبراهيم النملة :المستشرقون والقرءان الكريم في المراجع العربية.ط:1.بيسان بيروت:2010.

[17]- جوانب من الدراسات الإسلامية الحديثة : خاصة الفصل، الدراسات القرآنية في الاستشراق الألماني لرضوان السيد.
-أراء المستشرقين حول القرءان الكريم وتفسيره لإبراهيم رضوان .دار طيبة:1994.
-القرءان الكريم في الدراسات الاستشراقية ندوة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف:1427ه.

[18]-الرد على المستشرق اليهودي جولدزهير في مطاعنه على القراءات القرءانية لمحمد حسن جبل اصدار جامعة الازهرالطبعة الثانية..2002

[19]- النص الديني بين التاريخية والجمود لمحمد عمارة.:12.دار الفكر

[20]-النص القرءاني من تهافت القراءة إلى أفق التدبر لقطب الريسوني:451.منشورات وزارة الأوقاف المغربية:1431

[21]- ظاهرة القراءة المعاصرة للقرآن وإيديولوجيا الحداثة لعبد الرحمان الحاج.مجلة الملتقى:العدد الأول:مجلة المسلم المعاصر 1998.

[22] -الرسالة للإمام الشافعي :52.

[23] -من محاذير التفسير: سوء التأويل. يوسف القرضاوي. مجلة إسلامية المعرفة العدد :8. إصدار المعهد العالمي للفكر الإسلامي . السنة :2008.



[24] -قراءة في ضوابط التأويل وأبعادها المنهجية في الدراسات القرءانية المعاصرة:للدكتورة رقية جابر العلواني/22. يوجد البحث في موقع الدكتور رقية العلواني.

[25]-يراجع مقدمة الدكتور عبد المجيد الصغير لكتاب الدكتور الحسن العباقي:القرءان الكريم والقراءات الحداثية :3

[26] -تأويل مشكل القرءان لابن قتيبة الدينوري:86.

[27]- بخصوص النشأة الدينية للهرمينوطيقا يراجع: - النص الشعري ومشكلة التفسير للدكتور عاطف جودة نصر.
- نظرية التأويل للدكتور مصطفى ناصف، النادي الأدبي الثقافي، جدة ط1، مارس، 2000.
-التأويلية بين المقدس والمدنس للدكتور عبد المالك مرتاض .مجلة عالم الفكر مجلد :33.ع2::.:2004.

[28] - في هذا السياق قال يوسف القرصاوي :" من المقرر لدى أهل العلم: أن الأصل هو إبقاء النصوص على ظواهرها، دلالة على معانيها الأصلية، كما وضعت في اللغة.يراجع بحثه : من محاذير التفسير: سوء التأويل. يوسف القرضاوي. مجلة إسلامية المعرفة العدد :8. إصدار المعهد العالمي للفكر الإسلامي . السنة :2008.




[29] -في حدود فتح النص للتأويل وشروطه محاورة مع الدكتور احمد الريسوني.مجلة المنطلق الجديد العدد:9.السنة2006.

[30]-تفسير القرءان من التوجيه المذهبي إلى المدخل المصطلحي للدكتورة فريدة زمرد ضمن ندوة الاستمداد من الوحي الرابطة المحمدية للعلماء:2008.

[31] -محاورة مجلة فكر ونقد في عددها :9.للدكتور محمد عابد الجابري في موضوع ى: حركية نقد النصوص الدينية .السياق والمسار.

[32]- المقاربة الهرمسية للوحي: قراءة في الخطاب اللاديني لنصر حامد أبو زيد يحي رمضان، مجلة إسلامية المعرفة، ع63، 2011.

[33]- دعاوي الطاعنين في القرآن الكريم في القرن الرابع عشر الهجري والرد عليها. لعبد المحسن بن زين المطيري دار البشائر: 2007.
-يراجع كذلك:الرد على الطاعنين في صحة القرءان العظيم لمحمد محمد سعيد.دار الفكر العربي القاهرة :2006..

[34] -السند في هذا الاختيار هو أن النص القرءاني جرى فيه التخاطب باللغة العربية.فكان لازما الاستعانة بهذه القواعد في التفسير.

[35] - يراجع : الاتجاهات المنحرفة في التفسير للشيخ محمد حسين الذهبي.

[36] -القراءة الجديدة للنص الديني للدكتور عبد المجيد النجار :122.مركز الراية للتنمية الفكرية :2006.

[37]- دراسة الطبري للمعنى: 39.

[38]- المناهج الأصولية لفتحي الدريني: 22.

[39]-للمزيد من الوقوف على هذا الإشكال يستحسن الرجوع إلى نص المحاورة التي أجرتها مجلة مقدمات مع الدكتور محمد الجابري في عددها العاشر .صيف :1997. وكانت في موضوع :في قضايا الدين والفكر.

[40]-الثالوث الصعب لعبد المجيد الشرفي .مجلة قضايا إسلامية معاصرة.س:14.ع:41-42.سنة:2010.

[41]- الفاعليات الحاضرة والمغيبة في فهم النص الديني لوجيه قانصو، مجلة قضايا إسلامية معاصرة،ع 45-46، ربيع1431.

[42]- قراءة النص الديني عند محمد أركون لعبد المجيد خليقي، منتدى المعارف بيروت: 2011.

[43]- من هذه الدراسات دراسة الدكتور محمد عمارة الصادرة عن دار الفكر 1998. وهي بعنوان "النص الإسلامي بين الاجتهاد والجمود والتاريخية .ودراسة الدكتور طه عبد الرحمان: روح الحداثة المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية الصادرة عن المركز الثقافي العربي:2006.
2006. ودراسة الدكتور نعناعة رمزي: بدع التفاسير بين الماضي والحاضر دار الأنوار الرياض: 1991.

[44]- نظرية الاعتبار في العلوم الإسلامية، 10.

[45]-الاتجاهات المنحرفة في تفسير القرءان الكريم:دوافعها ودفعه لمحمد حسين الذهبي.دار الاعتصام:1976.

[46]-دنيا الدين في حاضر العرب لعزيز العظمة. دار الطليعة بيروت.ط1:.1996.


[47]- القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب لمحمد أركون، ترجمة هاشم صالح، دار الطليعة، بيروت، ط2، 2005.

[48]- القرآن الكريم والقراءات الحداثية: للدكتور الحسن العباقي:187

[49]- النص الإسلامي بين الاجتهاد والجمود والتاريخية لمحمد عمارة.:19

[50] -يراجع:أسباب النزول للدكتور محمد عابد الجابري.سلسلة مواقف العدد:91.

[51] -قواعد النظر في القرءان الكريم :محاضرة للدكتور مصطفى بنحمزة: منشورات مركز البحوث بوجدة.

[52]-يراجع الإتقان في علوم القرءان لجلال الدين السيوطي: الفصل الخاص بأسباب النزول.

[53]- تفسير القرآن بالقرآن: دراسة في المفهوم والمنهج ، سعاد كوريم، مجلة إسلامية، المعرفة، ع 49.
-يراجع كذلك درااسة محمد المطيري: تفسير القرءان بالقرءان: تأصيل وتقويم.الدار التدمرية:1432ه.

[54]- دراسة الطبري للمعنى للدكتور محمد المالكي: 39.

[55]-لمزيد من الوقوف على هذه الضوابط يستحسن الرجوع:أدبية النص القرءاني : بحث في نظرية التفسير لعمر حسن القيام .منشورات المعهد العالمي للفكر الإسلامي:2011.

[56]- البحر المحيط :1/141.
-ومن القواعد التي قررها الإمام ابن حزم في كتابه المحلى :10/81" والشرائع لا تؤخذ بلفظ لا بيان فيه"...

[57]- تفسير الطبري : 2/322.

[58]- نفسه: 20/101.

[59] --يراجع : الإمام الشافعي وتأسيس الايدولوجيا الوسطية لنصر أبو زيد:"61

[60]-- يراجع:الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام للدكتور عبد المجيد الصغير : ص 31، دار المنتخب، لبنان.

[61]- جنون القراءة المعاصرة من أين؟ وإلى أين؟ للدكتور سعيد رمضان البوطي، يراجع كذلك: الحداثيون العرب والقرآن الكريم دراسة نقدية للجيلالي مفتاح، دار النهضة ، سوريا، 2006. - العلمانيون والقرآن الكريم: تاريخية النص لإدريس الطعان، دار ابن حزم، الرياض 2008.

[62]- القراءات الجديدة للقرآن الكريم برنامج فقه الحياة، غشت 2009.

[63]- يراجع المقدمة العلمية المتعلقة بالتفسير ومدارسه ومذاهبه لمجدي باسلوم والتي جاءت في مقدمة تحقيقه لتفسير الماترديي ا لصادر عن دار الكتب العلمية.

[64]- قراءة في ضوابط التأويل لرقية العلواني: 71.

[65]- مقاصد القرآن للدكتور جابر طه العلواني.صمن:- برنامج الشريعة والحياة: 2//2/10.
- معالم في المنهج القرآني للدكتور جابر العلواني 2010.

[66] -يراجع :الإكسير في علم التفسير لنجم الدين الطوفي الحنبلي.حققه عبد القادر حسن وصدر عن مكتبة الآداب بالقاهرة وفيه أهم الأصول التي عليها يتوقف التفسير السديد...

[67] -يراجع كتاب أصول التفسير: محاولة في البناء لمولاي عمر بن حماد.دار السلام : 2011.

[68] - اتجاهات التجديد في تفسير القرءان الكريم لمحمد إبراهيم الشريف .دارا لسلام:2010.

[69] -يراجع : ندوة أعمال ندوة فهم القرءان والسنة على ضوء علوم العصر ومعارفه.جامعة اذقسنطينة للعلوم الإسلامية .نفمبر 2011.