بين أُمِّ سليم الأنصارية وأُمِّ صهيب الكويتية

في يومٍ من أيام المدينة النبوية، وقعت قصةٌ طريفة، يرويها أحد شهودها، وهو أنس بن مالك ـ ـ، قال: ماتَ ابنٌ لأبي طلحة ـ زوج أمّ أنس ـ فقالت لأهلها: لا تحدِّثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أُحدِّثه، قال: فجاء فقرّبت إليه عشاءً، فأكلَ وشرب، فقال: ثم تصنّعت له أحسن ما كانت تصنّع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأتْ أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة! أرأيت لو أن قوماً أعاروا عاريتهم أهلَ بيت، فطلبوا عاريتَهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنَك، قال: فغضب، وقال: تركتني حتى تلطختُ، ثم أخبرتني بابني! فانطلق حتى أتى رسول الله ، فأخبره بما كان... الحديث([1]).

لقد حفظتُ هذا الحديثَ قديماً، ومررتُ به كثيراً، لكنه وقعَ منّي موقعاً آخَر لمّا مررتُ به قبلَ أيام، حيث تذكرتُ كلمةً سمعتُها في مجلس خاصٍ جمعني بالداعيةِ الكبير، والرجلِ المبارك، أبي صهيب د.عبدالرحمن السميط (المتوفى في 9/10/1434هـ، الموافق 15/8/2013هـ) رحمةً واسعة، الذي تشرفتُ به في لقاء خاص قبل أربع سنوات تقريباً، حيث كانت المناسبة احتفاءً به، وكان طبيعياً أن يُنصت الجميعُ لحديث هذه القامة الشامخة، النادرة في تاريخ الأمة، ومما جرى مِن عابق حديثه ـ ـ وهو يتحدث عن طبيعةِ الحياة في مدغشقر، وصعوبتِها، وكثرةِ المخاطر، ناهيك عن البيئة الصحية السيئة فيها، وخلوّها من جميع مظاهر الترف والنعيم الذي يعيشه أو يراه الإنسانُ الخليجي بشكل عام.. وهو في هذه الأثناء ذكّر بموقفٍ وقع له مع زوجته الصالحة أم صهيب ـ متّعها الله بالصحة والعافية ـ حين مرّوا بيوم حافل بالمصاعب، فقالت له: هل يوجد أحدٌ أسعد منّا يا أبا صهيب؟

ومع يقيني بأن المواقف التي وقفتها أم سُليم وأم صهيب مع أزواجهما أكثر مما روي لنا، إلا أنهما يشيران إلى نفوس كبيرة تحمِلها هاتان المرأتان، وقدرة فذّة وموفّقة على تجنيب الزوج أكبر قَدْر ممكن من التعب النفسي قبل البدني، الذي يعتري الرجلَ في مسيرته، وحياته، وتهيئته نفسياً لتلقي المصاب، أو العيش في الظروف الصعبة، فكيف إذا كان الزوج عالماً أو داعيةً إلى الله!

إن من توفيق الله تعالى لزوجةِ طالب العلم والداعية إلى الله تعالى أن تكون على مستوى من الفهم والعقل، تستطيع به الانتقال من مجرد التحمّل لكثرة انشغال زوجها بالتعليم والدعوة، إلى إشعاره بأنها شريكةٌ له في مشروع حياته العلمي والدعوي؛ تساعده ـ ما استطاعت ـ على القيام بمهمته، وتشدّ من أزره، وتعينه على بلوغ مراده في حمل رسالته، وتُسْمعه من الدعوات المشجّعة ما تَطرب لها الأذنُ، وينشرح لها الصدر.

أعرف بعض طلاب العلم مَا يعاني، ويحمل همّاً لأسفاره وتنقلاته العلمية والدعوية؛ بسبب زوجته التي لا تكاد تسمع بشيء من ذلك إلا وفتحت باباً من الأسئلة، ينفتح معها أبواب من الشقاق والنزاع، ويتكدّر معها الزوج قبل خروجه!

لنقارن بين هاتين الصورتين: داعيةٌ يخرج لرحلته، خرجَ مكلّلاً بأنواع من الأدعية، ورسائل الطمأنة على الأولاد، وأنها معه بقلبها ومشاعرها! وآخر خرج مغاضباً، لم يقطع ارتفاع الأصوات بينه وبين زوجه إلا إغلاقُ الباب!

أيُّ المرأتين أقرب إلى بشارة الله لأم المؤمنين خديجة ـ ـ ببيت في الجنّة لا صخَب فيه ولا نَصَب؟ خديجة التي كانت تتلقى زوجها ـ الرسول والمعلّم والداعية ـ بمشاعرها وعواطفها، وتُسمعهُ من الكلمات ما يزيح عن كاهله ثقل ما واجه ويواجه من أعباء الدعوة والرسالة.

إن المظنون أن الزوجات المتذمرات من كثرة انشغال أزواجهن بالدعوة والتعليم، لو أجبن على بعض الأسئلة الآتية، لربما تغيرت بوصلةُ تفكيرها، وطريقةُ تعاملها في هذه القضية:
ماذا لو كان زوجكِ ممن يتغيب عن البيت بسبب تأخره في الاستراحة إلى هزيع من الليل؟ أو يسافر ركضاً خلف مصالحه الدنيوية المحضة؟ أو يسافر سياحةً إلى وجهات متفرقة؟ أين يقع سفر زوجِك في الدعوة والتعليم من هذه الصور التي لا تكاد تخلو منها زوجة؟

ولئن كان وقت أولئك الأزواج لأنفسهم -وخاصة بيوتهم- فغالب وقت زوج العالم والداعية ليس له، بل هو للأمة.

ولا أظنُّ زوجاً يُقابَلُ بالتعامل الراقي من زوجته، وحسن الرعاية لأولاده في غيبته، إلا ويجد نفسَه مضطراً لمقابلة هذا بتعويض هذه الفترات التي يغيب فيها، وبالتواصل معهم فترة السفر، وحِفْظِ هذه المواقف، والتضحيات.

وبالجملة.. فما سلمتْ بيوتٌ من نواقص حسية أو معنوية، ولكن الفرق بين البيوت السعيدة وغيرها: أن السعيدة قائمةٌ على التفاهم والتعاذر، والصبر، وتقدير كلٍّ من الزوجين للآخر، ولن تسعد بيوتٌ تدقِّق في الجزئيات، ولا تحتمل الهنات.



([1]) صحيح مسلم ح(2144).