التجديد في التفسير الأصول والضوابط:

- لا يعني التجديد في التفسير الخروج عن القواعد والانفلات عن الشروط و الابتعاد عن الضوابط والمستلزمات التي يحتاجها المفسر في عملية التفسير. حتى تحقق الرغبات الذاتية للمفسر، ويتحقق التوافق والانسجام بين الرؤى والاختيارات التي يحملها وبين المعاني والدلالات التي جاءت محمولة في القرءان الكريم.إن هذا الشكل في التفسير مردود. لان في هذا التفسير يعمد المفسر إلى إسقاط اختياراته بالقوة على نصوص القرءان الكريم.فهو يضحي بالنص . علما أن نصوص القرءان الكريم لا تطاوع المعاني التي تنزل عليها بالقوة ولا سند شرعي أو دليل عقلي عليها . أو لا تكون موافقة لطبيعة اللغة العربية في التخاطب أو لأصول الإسلام وثوابته وأصوله المجمع عليها . لأن هذه نصوص حاملة للبيان بذاتها واضحة بألفاظها وتراكيبها وجاءت لغاية ومقصد الإرشاد و الهداية....وهذا الاختيار والقصد في التفسير القائم على تحميل النص القرءاني بما هو خارج عنه لا يتأتى إلا بخرق أصول وشروط وضوابط التفسير[1].. بالمقابل فإن التجديد الصحيح و السليم في التفسير هو التجديد المنضبط بضوابط الشرع والقائم والمشيد على الأسس الصحيحة والدعائم المنهجية السليمة المشيدة على الأصول و القائمة على الضوابط والمتفق عليها بين علماء الإسلام قديما وحديثا. وهي أصول توجد مؤصلة في كتب ومدونات التفسير خاصة المدونات التي اشتغلت على أصول التفسير.[2]وتعد مقدمة في أصول التفسير للشيخ ابن تيمية من ابرز المقدمات المنهجية التي تضمنت مجموعة من التوجيهات والتعليمات وحملت عددا من القواعد والإرشادات والأصول لتفسير النص القرءاني وفق ضوابط الشرع و جاءت نصوص هذه المقدمة على شكل قواعد كلية وضوابط عامة مساعدة وراشدة على الفهم ومعينة على التلقي و كاشفة للشروط المعينة على الفهم الصحيح القرءان الكريم.... كما توجد هذه الضوابط في كتب أصول التفسير وهي أصول ظلت محل اتفاق بين علماء الأصول والتفسير قديما وحديثا و تعد إطارا أوليا و سندا مرجعيا في استمداد المعنى من القرءان الكريم وحكما موجها وسديدا في الفهم والاستنباط بحيث لا ينبغي الخروج أو العدول عنها بأي حال من الأحوال لان العدول عنها يعد خرقا لميثاق التفسير وهو ميثاق يحمل عددا من الأصول والقواعد منها ما هو نقلي ومنها ما هو عقلي .كما أن خرق هذه الأصول هو من قبيل تحريف الدلالة الأصلية للنص القرءاني عن معناها المودع النص... لكن مع ذلك لا بد أن نقول انه لا مانع من الاستفادة من العلوم والمعارف والثقافات المعاصرة والجديدة في التفسير والتي عرفت بدورها تطورا كبيرا في الآونة الأخيرة. لما في هذا العمل من إعانة في الفهم ومن توسيع للمعاني وإثراء للدلالات التي يحملها القرءان الكريم فصلا عن كون هذه العلوم أدوات مساعدة للمفسر في تنزيل القرءان على حاجات ومتطلبات الواقع الجديد....[3].
- إن استثمار علوم العصر في التفسير عملية مفيدة وهادفة وخادمة للقرءان الكريم في مقاصده العليا،لان من شان هذا الاستثمار أن يوسع الفهم والتدبر لآيات القرءان الكريم: و يجعل القرءان يعيش زمنه و يتفاعل مع عصره، وهذا احد الخصائص الكبرى المميزة للقرءان الكريم ومفارقته للكتب البشسرية...[4]
كما لا يعني التجديد تحقيق نوع من القطيعة المعرفية مع كل ما بذل من جهود وقدم من اجتهادات و مساهمات وعطاءات رائدة في التفسير خاصة تلك المساهمات التي قدمها علماء التفسير المشهود لهم بالعلم والاستقامة وحملوها في مصنفاتهم وكتبهم . [5] .تحت ادعاء أن هذه التفاسير لا تطاوع للعصر ولا تعمل على الخروج عن المألوف والمعتاد في التفسير[6] . كما لا يغني التجديد الإعراض عن كل ما تحقق من إسهامات في تفسير القرءان الكريم بين المتقدمين والمتأخرين....والتشكيك في القدرات العلمية والمؤهلات المعرفية لعلماء التفسير الذي قدموا بدورهم اجتهادات رائدة في تفسيرهم للقرءان الكريم وفق الأصول الضابطة و المقررة بينهم ....[7].

إن إعمال الرأي في التفسير مشروع بشروط أبرزها أن يكون التفسير موافقا لكلام العرب ويشهد له الكتاب والسنة ومدعما بنقول واجتهادات الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم. ومعززا بالشواهد المأثورة ومسايرا لأصول التفسير وضوابطه .أما الرأي غير الجاري على اللغة العربية والعاري عن الأدلة الشرعية والبعيد عن الضوابط فهو رأي مذموم ومردود....
كما لا يعني التجديد في التفسير مسايرة الاختيارات الفاسدة لأصحاب القراءات الجديدة التي اتسم تفسيرهم لبعض الآيات بالتسرع وعدم الدقة والتناقض وذلك راجع إلى رغبتهم في تسويق مشاريعهم الفكرية على حساب القرءان الكريم وهو ما أدى بهم في نهاية المطاف إلى مصادرة المعاني الصحيحة للآيات المفسرة...[8].....
إن العملية التفسيرية تحكمها مجموعة من الضوابط والأصول وعلى هذه الضوابط ينبني التجديد.من هنا فان كل تجديد اختار اختراق هذه الأصول فهو تجديد مردود...[9]...

إن النتيجة التي يمكن الخروج منها بعد هذا التحليل الذي خصصناه للإشكال المنهجي في مشاريع القراءات الحداثية للنص القرآني هوان أصحاب هذه المشاريع رغم زعمهم أنهم يتوسلون بالمنهج العلمي في التحليل والحياد في الاستنتاج والموضوعية في البناء والتركيب. فقد تعارضت مقدماتهم مع نتائجهم واتسم تفسيرهم بالكثير من الاضطراب والتعارض والتناقض في تفسير الآيات و التسرع في استصدار الأحكام والإبهام في الاستنتاج ....[10].


[1] -يراجع :الإكسير في علم التفسير لنجم الدين الطوفي الحنبلي.حققه عبد القادر حسن وصدر عن مكتبة الآداب بالقاهرة وفيه أهم الأصول التي عليها يتوقف التفسير السديد...

[2] -يراجع كتاب أصول التفسير: محاولة في البناء لمولاي عمر بن حماد.دار السلام : 2011.

[3] - اتجاهات التجديد في تفسير القرءان الكريم لمحمد إبراهيم الشريف .دارا لسلام:2010.

[4] -يراجع : ندوة أعمال ندوة فهم القرءان والسنة على ضوء علوم العصر ومعارفه.جامعة اذقسنطينة للعلوم الإسلامية .نفمبر 2011.

[5] -علم التفسير :أصوله وقواعده للدكتور خليل الكبيسي.مكتبة الصحابة الشارقة :2007.

[6] -من محاذير التفسير سوء التفسير و التأويل للدكتور يوسف القرضاوي مجلة إسلامية المعرفة:العدد الثامن والتاسع .السنة :1997.

[7] - العلمانيون والقرءان الكريم : تاريخية النص لأحمد الطعان .دار ابن حزم الرياض :2007.
يراجع كذلك :دعاوي الطاعنين في القرءان الكريم في القرن الرابع عشر الهجري والرد عليها .عبد المحسن بن زين المطير ي دار البشائر.2007.
-يراجع:علم الانتصار للقرءان : محاولة في التقعيد لدكتورة سهاد قنبر.بحث ضمن أعمال المؤتمر الدولي لتطوير الدراسات القرءلنية. الرياض فبراير 2013.

[8] -يراجع مقدمة الدكتور ماجدي باسلوم الإمام الماوردي :22.

[9] -معايير القبول والرد في تفسير النص للدكتور محمد الحسين:22

[10]- يراجع المقدمة العلمية المتعلقة بالتفسير ومدارسه ومذاهبه لمجدي باسلوم والتي جاءت في مقدمة تحقيقه لتفسير الماترديي ا لصادر عن دار الكتب العلمية.