لأهل السنة في شأن آيات المعية مناقشتان مع الفرق المخالفة :
المناقشة الأولى : مع الجهمية الأوائل القائلين بأن الله تعالى في كل مكان ، وهو مذهب الحلول .
فهؤلاء يحتجون بآيات المعية على مذهبهم الخبيث ، فيجيبهم أهل السنة : بأن المقصود بالمعية ليس الامتزاج والحلول والاختلاط وإنما يفهم منها ما تدل عليه بحسب السياق ، فإما أن تكون معية عامة بمعنى العلم والإحاطة ، أو خاصة بمعنى النصر والتأييد والمعونة .
ونصوص الأئمة في تقرير هذا كثيرة ، نقلها الذهبي في كتاب العلو عن سفيان الثوري وأحمد وابن المديني رحهمهم الله تعالى ونقل عن ابن عبد البر تعالى قوله : " أجمع عُلَمَاء الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ الَّذين حمل عَنْهُم التَّأْوِيل قَالُوا فِي تَأْوِيل قَوْله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ هُوَ على الْعَرْش وَعلمه فِي كل مَكَان وَمَا خالفهم فِي ذَلِك أحد يحْتَج بقوله " .
وحكاه أيضاً الحافظ أبو عمر الطلمنكي المالكي تعالى فقال : " أجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ ﴾ ونحو ذلك من القرآن ؛ أنَّهُ علمُه " .
ولن أطيل في شأن هؤلاء فكلام السلف في صفة العلو إنما كان للرد عليهم أصالة ، وقد صنف الشيخ محمد ابن أبي مدين الشنقيطي تعالى كتاباً في الرد على استدلالهم بهذه الآيات حشد فيه نقولاً كثيرة عن السلف والخلف سماه ((شن الغارات على أهل وحدة الوجود وأهل المعية بالذات )) – لم يزل مخطوطاً -
والمناقشة الثانية : مع أهل التأويل من الأشعرية :
فإن لهم إلزاماً يلزمون به أهل السنة ، حاصله : أنكم سلكتم في هذه الآية مسلك التأويل ، فلم تنكرون علينا أن نسلكه في النصوص الموهمة للتشبيه وتسمونه تحريفاً ؟
قال الجويني : " فإن استدلوا-يعني أهل السنة-بظاهر قوله تعالى : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فالوجه معارضتهم بآي يساعدونا على تأويلها : منها قوله تعالى : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ...فنسألهم عن معنى ذلك , فإن حملوه على كونه معنا بالإحاطة والعلم ,لم يمتنع حمل الاستواء على القهر والغلبة " الإرشاد ص40 .
وكان للعلماء في الجواب عن هذا مسلكان :
المسلك الأول : أن يقال : تفسير المعية بالعلم ليس من التأويل الذي هو صرف اللفظ عن معناه الراجح لمعنى مرجوح لدليل يقترن به ، وهو التأويل الذي يسلكه الأشعرية في الصفات التي تعارض أصولهم العقلية ، إذ ليس المعنى الراجح هو الامتزاج و الاختلاط حتى يكون صرف اللفظ عنه إلى العلم والإحاطة تأويلاً .
قال الإمام أبو عبد الله بن منده تعالى : " .. فإن قيل : قد تأولتم قوله : " وهو معكم أينما كنتم " وحملتموه على العلم ؟ . قلنا : ما تأوَّلنا ذلك ، وإنما الآية دلت على أن المراد بذلك العلم ، لأنه قال في آخرها : " إن الله بكل شيء عليم " " نقله أبو القاسم الأصبهاني في (( الحجة في بيان المحجة )) (2 /290-291 ) .
وقال الشيخ أبو الحسن الكرجي الشافعي تعالى في كتابه ((الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاماً لذوي البدع والفضول)) في تقرير له حول المقبول والمردود من التأويل : " وأما قول سفيان في قوله تعالى " وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وقوله : " إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ " أنه علمه وكذلك قوله : " وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ " أنه علمه فاعلم أن هذا في الحقيقة ليس بتأويل ، بل هو المفهوم من خطاب الأعلى مع الأدنى ، فإن في وضع اللغة إذا صدر مثل هذه اللفظة من السادة مع العبيد لا يفهم إلا التقريب والهداية والإعانة والرعاية كما قال تعالى لموسى وهارون : ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) ﴾ فقال موسى : ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) ﴾ فقال : ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) ﴾ .
ومعلوم أن هذا الخطاب لا يفهم منه إلا الإعانة والرعاية والهداية كما قال لسعد : " ارم وأنا معك " ، نعم إذا صدر الخطاب من الأدنى مع الأعلى نحو العبد إذا قال لسيده إني معك ، يُفهم الصحبة والخدمة ولا يفهم الإعانة والرعاية " نقله شيخ الإسلام في بيان تلبيس الجهمية (6/407-408) .
وهذا المسلك يسلكه شيخ الإسلام ابن تيمية عند كلامه في هذه المسألة كما في الفتوى الحموية .
المسلك الثاني : أن يقال : ليس التأويل مذموماً على الإطلاق ، والفرق بين تأويل هذه الآية وتأويلكم لآيات الصفات من وجهين :
الوجه الأول : أن تأويلنا منقول عن السلف ، بخلاف تأويلكم المبتدع .
قال أبو الحسن الكرجي : " ثم إن قلنا إن قول سفيان في الآية تأويل ، فهو تأويل يروى عن ابن عباس وتأويل الصحابة مقبول ، وإن كان تأويل سفيان ، إلا أنه تابعه عليه الأئمة على ما رويناه عن مالك وسفيان بن عيينة وكذلك عن الشافعي وأحمد وغيرهم ، فإن قولهم إن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بكل مكان موافقة منهم لما قاله سفيان ، وقد ذكرنا أن التأويل إذا تابع عليه الأئمة فهو مقبول " .
قال : " فإن قيل : فهلا جوزتم التأويل على الإطلاق اعتباراً بتأويل السلف ؟
قلنا : معاذ الله أن يجوز ذلك ، إذ ليس الأصول تتلقى من الرأي حتى يقاس عليه ويقال لما جاز للسلف التأويل جاز للخلف ، فإنا قد بينا أن تأويل السلف إن صدر من الصحابة فهو مقبول لأنهم سمعوه من الرسول ، وإن صدر من غيرهم وتابعهم عليه الأئمة قبلناه ، وإن تفرد نبذناه وأعرضنا عنه إعراضنا عن تأويل الخلف " . بيان تلبيس الجهمية (6/409(.
الوجه الثاني : أن الموجب لهذا التأويل دليل نقلي ، هو الآيات الدالة على أن الله تعالى فوق عرشه ، وكذلك سياق الآيات ، أما تأويلكم للصفات فإنما هو لمعارضة النصوص المثبتة لها لأصولكم العقلية المبتدعة كدليل التركيب ودليل حدوث الأجسام.
قال الشيخ محمد ابن أبي مدين الشنقيطي في كتابه شن الغارات المذكور آنفاً: " الدَّليل الذي يُحمل اللَّفظُ على غير ظاهره إنَّمَا هو عند السَّلف النقليُّ لا العقلي، وبه أول الأدلةَ التي احتجَّ بها جهم وأتباعهُ لمعيَّة الذات " .
قلت : وهذا المسلك الثاني إنما يحسن سلوكه على جهة التنزل ، وإلا فقد تقدم أن تفسير المعية بالعلم والإحاطة أو النصر والمعونة ، لا ينطبق عليه المفهوم الأصولي للتأويل .
قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (6/21-22) : " وقد تقدم أنا لا نذم كل ما يسمى تأويلا مما فيه كفاية وإنما نذم تحريف الكلم عن مواضعه ومخالفة الكتاب والسنة والقول في القرآن بالرأي".
ثم قال: " واعلم أن من الناس من سلك هذا المسلك في نفس المعية ويقول : إنه محمول على ما دل عليه السياق. وإن كان خلاف ظاهر الإطلاق أو محمول على خلاف الظاهر لدلالة الآيات أن الله فوق العرش ويجعل بعض القرآن يفسر بعضاً ، لكن نحن بينا أنه ليس في ظاهر المعية ما يوجب ذلك؛ لأنا وجدنا جميع استعمالات " مع " في الكتاب والسنة لا توجب اتصالا واختلاطا فلم يكن بنا حاجة إلى أن نجعل ظاهره الملاصقة ثم نصرفه " .
والله تعالى أعلم .