دفع الإلتباس عن عشر مسائل في الحج لا يتفطَّن لها الناس

يظن بعض الناس أن الحج عبادة فحسب. والصحيح أنه عبادة وقصد.

والقصد يشترط فيه الإخلاص والمتابعة للرسول . ولهذا لما حج الحبيب قال : ” خذوا عني مناسككم ” أخرجه مسلم . يعني تابعوني واقصدوا وجه الله بما تتقربون به إليه .

ومن يتأمل حجة الرسول من الناحية العقدية يتجلَّى له قصد التقوى والإخلاص في كل مفرداتها .

فعلى سبيل المثال لا الحصر كان يرفع صوته بالتلبية ، وأمر أصحابه بها . والتلبية ثناء وتوحيد لله تعالى . وفي هذا دليل على أن التوحيد يُقدَّم على غيره ، ولا يجوز إخفاؤه في التعليم.

ولما دخل المسجد الحرام بادر إلى البيت ولم يركع تحية المسجد ، تعليماً للناس اشتياقه لحرم الله وبيته وتقرباً بالطواف به دون عمل قبله ، وتجريداً لله في كل شيٍ قبل كل عمل يرُجى ثوابه . وفي هذا دليل على أن المكان الفاضل يُسعى إليه للحصول على ثوابه المشروع .

وحتى لا يظن أحدٌ من الناس أن الرسول كان يتمسح بالحجارة وحاشاه من ذلك ، فإنه لما حاذى الحجر الأسود استلمه ولم يُزاحم عليه ، ولم يدعو عند باب الكعبة ولا تحت الميزاب ، ولا عند ظهر الكعبة ولا عند أركانها ، إلا بين الركنين ، فقد علَّم الناس قيمة مدة البقاء في الدنيا بترديده قول الله تعالى : ” ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ” ( البقرة : 201 ) ولم يزد على ذلك . وفي هذا دليل على أن عمل الآخرة يُطلب أكثر من عمل الدنيا التى ابتلى الله بها خلقه .

ولما فرغ من طوافه جاء خلف المقام فقرأ : ” واتخذوا من مقام إبراهيم مُصلَّى ” ( البقرة : 125) وصلى ركعتين قرأ فيهما بالإخلاص والكافرون . ثم خرج إلى الصفا وقرأ الآية الكريمة : ” إن الصفا والمروة من شعائر الله ” ( البقرة : 158 ) . وفي هذا دليل على أن الأنبياء هم خير الناس قدوة في الدنيا ، وأن قراءة القرآن أفضل الذِّكر ، وأن العمل لغير الله باطل مهما كان حسناً وجميلاً في أعين الناس .



• وهذه عشر مسائل في الحج لا يتفطَّن لها الناس يلزم إيضاحها :
1- لا يُسنُّ تكرار الحج لغير نذر :

لم يحج الرسول إلا حجة واحدة ، ولما فُرض على الأمة بادر إليه ولم يؤخِّره . فمن حج فليحمد الله ، ومن لم يحج وهو قادر فهو آثم ، لتفويته حق الله مع القدرة عليه ، وقد يبُتلى في ماله أو نفسه لتضييِّعه فريضة من فرائض الله . وتكرار الحج كل عام مباح لكن لا يجب ،ولا يجوز إقناع الناس بوجوبه كل عام . وقول الرسول : ” تابعوا بين الحج والعمرة ” أخرجه الترمذي في جامعه ،لا يُفهم من ظاهره الموالاة ، لكن يفهم منه وجوب المتابعة والمراقبة لأعمال الحج والعمرة نفسها ، لا تكرارهما من غير تحسين لهما . ، والمباح إذا قُيِّد بعمل الحاكم ، وجب الرضوخ إليه تقرباً إلى الله تعالى . وقد نصَّ ابن المنذر ( ت: 318هـ ) تعالى على أن الإجماع عدم تكرار الحج إلا لعارض كالنذر . والقاعدة عند الُأصوليين أن السبب إذا انعدم انعدم المسبب ، وإذا انعدم الشرط انعدم المشروط . وهذه القاعدة يعمل بها في أغلب المسائل الفقهية .

2- فضيلة الحج مع الزوجة :

بعض أهل العلم أجاز للمرأة الحج بلا محرم إن أمنت الفتنة والطريق . والصحيح خلاف ذلك . لفعل الرسول وفعل أصحابه ، وهذا الفعل – وهو الحج مع الزوجة – أفضل من الجهاد في سبيل الله كما نصَّ على ذلك الحافظ ابن حجر (ت: 852هـ ) تعالى ، لأنه يحج له ويُحجِّج غيره ، ممن يقصر عليه إعانة نفسه ، لحديث : ” انطلق فحج مع امرأتك ” متفق عليه . والإحتساب مع الزوجة في قضاء نُسكها أعظم ثواباً ، لِعظم مشقة الحج وشدة مخالطة الرجال في المناسك ، فكأنه جهاد قائمٌ بحاله . ويقاس على هذا أن الأعمال التطوعية والإحتسابية في الحج على النساء والضعفاء أجرها عظيم ومضاعف لمن أخلص فيها .

3- يُسنُّ التسبيح والتحميد قبل الإهلال بالحج :

الإهلال المقصود به رفع الصوت بالتلبية عند الإحرام ، والتلبية المشروعة التي عليها الإجماع هي : ” لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ” متفق عليه . ويستحب قول سبحان الله ، والحمد لله ، ولا إله إلا الله ، والله أكبر ، قبل رفع الصوت بالتلبية ، أو قول سبحان الله وبحمده ، استقراءاً من حاله حين إحرامه ، وفي كل عباداته . وهي من السنن المهجورة . فليحرص على العمل بها .

وهنا فائدة مهمة وهي أنه إذا جاء المسلم بالمشروع من الأذكار ، فله الزيادة عليها بما شاء لكن على إنفرادٍ مع نفسه لحديث : ” ثم ليتخيَّر من المسألة والثناء ما شاء ” أخرجه مسلم .

4- ضابط المواقيت المكانية :

كل من وصل ميقاتاً أو حاذاه ، وجب عليه الإحرام منه إن كان قاصداً للنُّسك . فالشاميُّ إذا أراد الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة ، لاجتيازه عليها ، ولا يؤخِّر حتى يأتي الجحفة التي هي ميقاته الأصلي ، فإن أخَّر لزمه دم . والعراقي إن خرج من المدينة لا يجوز له مجاوزة الميقات دون إحرام إن كان قاصداً النُّسك . ويقاس على هذا غيرهم عند كل ميقات . ومن كان بين الميقات ومكة فميقاته من حيث أنشأ الإحرام . ومن سافر غير قاصدٍ النُّسك فجاوز الميقات ثم بدا له النُّسك ، فيُحرم من حيث تجدَّد له القصد ، ولا يجب عليه الرجوع الى الميقات . ومن ليس له ميقات فيحرم إذا حاذى ميقاتاً من المواقيت الخمسة .

ومشروعية المحاذاة مختصة بمن ليس أمامه ميقات معين .فليحفظ هذا فإنه مهم .

5- تلبيد الشعر سنة مهجورة :

التلبيد جمع الشَّعر في الرأس بشيء يُلزق بعضه ببعض ، حتى لا يتشعَّث ويقمل في الإحرام . وفي الحديث : ” إني لبَّدتُ رأسي ” متفق عليه .

ولو تطيَّب قبل الإحرام بشيٍ يؤدِّي غرض التلبيد في الرأس فيجوز ، ولا يضر استدامته باللون أو الرائحة بعد إحرامه . وهذا لا ينافي الترفُّه بل من التجمل للعبادة . فلا يجوز الخلط بين التطيُّب والتلبيد ، وهذا معلوم من استقراء حاله في حَجته .

6- لبس المخيط للمرأة جائز :

فيجوز للمرأة لبس جميع ما يحرم على الرجل من الِّلباس ، لكنها لا تلبس شيئاً مسَّه طيب أو زعفران لئلا يكون سبباً في الإفتتان بها . ويجب عليها تغطية رأسها وستر شعرها إلا وجهها ، لأن إحرامها في وجهها ، فيجوز لها كشفهُ . ولو أسدلت على وجهها بثوبها فهو أفضل .



7- ضابط تحريم المخيط :

المحرم لا يلبس القميص ولا السراويل ، ويلحق بها العمائم والبرانس ، وكل ما يستر الرِّجل . وضابط المخيط : ما يلبس على الموضع الذي جُعل له ، ولو في بعض البدن ، فأما لو ارتدى بالقميص ، فلا حرج ، وهذا باتفاق العلماء .

فلا يجوز الخلط بين لبس المخيط ، وما يكون بمعناه لا بحكمه .

والمرأة تلبس المخيط كُّله والخِفاف . بلا خلاف بين العلماء .



8- الجمع بعرفة بين الظهر والعصر لا يختص بمن صلَّى مع الإمام :

فكُّل من صلَّى مع الإمام أو بمفرده أو مع رفقته فيلزمه هذا الحكم لإختصاصه بالمكان . وهذا القول صح الإجماع عليه . وهو سنة يغفل عنها العوام . ومتابعة السنة في مثل هذا الموضع أجرها عظيم عند العليم الخبير . فليتنبه لهذا .


9- لا تُقطع التلبية إلَّا عند تمام الرمي :

وهذه من السنن المهجورة لمن أحرم بالحج . فتكون التلبية حاضرة على اللِّسان والقلب ، حتى الإنتهاء من أعمال رمي الجمرات كلِّها .

وهذا معلوم من استقراء حاله في حجته .



10- لا يجب ترتيب وظائف يوم النحر :

وهي : رمي جمرة العقبة ثم نحر الهدي أو ذبحه ، ثم الحلق والتقصير ثم طواف الإفاضة . وهذه الأعمال قال بعض العلماء بوجوب ترتيبها للقادر، لكن الصحيح أن من قدَّم أو أخَّر فيها فلا فدية عليه على القول الراجح . لعموم قوله في الحج : ” افعل ولا حرج ” متفق عليه .

وختاما فإن العقل تابع للشرع كتبعية الجاهل للعالِم ، فيجب الرجوع للدليل فيما التبس على الناس ، وإطلاق الأحكام بلا دليل مزلة أقدام . فإن العبرة بنص الشرع لا بدليل العادة . كما قال الناظم :

والخُلف فيما ينتمي للشرعِ

وليس فيما ينتمي للطبعِ .

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بمعاهد القوات البرية

( منقول )