وقفاتي في حج 1435 (2)
الإهلال بالتوحيد
هكذا ذكره جابر بن عبد الله في حديثه الطويل الذي في مسلم والذي استخرج منه ابن المنذر مائة ونيفاً وخمسين فائدة
ولي هنا وقفتان:
الأولى:
فقه الصحابي حيث عبر عن هذا الاهلال بالتوحيد؟
في حين أنه قد لا يدرك ذلك بعض من يردد لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك أن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
و لا يفقه كم تصور هذه الكلمات كل أنواع التوحيد
ولا مقدار ما تطمئن النفس بها حين يوافق التلفظ بها باللسان إقرار الجنان وعمل الأركان.
والثانية: هذا الإهلال تلزمه طويلاً حتى إذا كدت تتركه عند رمي جمرة العقبة تشعر بفقد هذه الكلمات ويبدأ التكبير،فقد تمت لك النعمة بتمام وقوفك بعرفة.
اهلال بالتوحيد تلزمه طويلا وكأن تكراره إنذار وإعذار (كن مخلصا،احذر أن يشوب عملك رياء أو شرك خفي،أو أن تهوي لأسوأ من ذلك فتقع في حضيض النفاق).


إن اجتناب محظورات الإحرام لأيام معدودة توقفك أيها العبد على معنى حقيقة التجرد من متاع الدنيا لله،حتى إذا كانت الرخصة بالتحلل وجدت لها لذة ،فهي تدريب يسير ينبغي ان يكون له صدى حقيقي بعدُ في واقعك ولو بصورة ما.


يتعلم العبد كيف يحيا معنى الإتباع في العبودية ،بجميع صورها في أيام معدودة، فهو عندما امتنع عن التقصير مرة كان لله،وعندما قصر ثانية كان لله،فهو عمل واحد تركه في حال لله، وباشره في حال آخر لله.
فاعتمد منهج الإتباع في كل الأحوال فهو الأصل في التعبد.
والزم نفسك بالاستجابة والتسليم فهو مبنى العبودية.


كم من صور العبادات يشملها الحج،وأنت فيها كلها تلزم الذكر، وبكل أحوالك وسائر أوقاتك.
فأنت في طوافك بالبيت تدور ذاكرا لله،وفي سعيك ذهابا وإيابا تذكر الله،وفي وقوفك بعرفة والمشعر الحرام، وبعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى تقف طويلا تسأل الله،وفي مسيرك من مشعر لآخر... كم من الأحوال والأوقات كنت ملازما لذكر الله.
لم يقف دونك ودون الذكر حائل من مكان ولا زمان ولا حال،فمتى انقضت هذه الأيام لا تحرم نفسك طيب هذه الأذكار.
(كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكرا) ومما ذكر في تفسيرها كذكر الصغير أمه، أبه، كم يكرره، وكم يحتاج إليه،بل حاجة العبد لذكر ربه أشد فلا تحرم نفسك ذكره.


ولفتة أخرى في الذكر هي أن اللطيف يحب الذكر والدعاء من عبده، ومن تمام لطفه بعبده انه يعلمه كيف يدعوه، وكيف يكون سؤاله، وهو الغني عن عباده،ولا مجيب لهم غيره،ثم هو يحمده على سؤاله، ويثيبه عليه،فما أعظم منته وفضله سبحانه.
(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. وقنا عذاب النار) جمعٌ لأمر الدنيا والآخرة، ولن ينال العبد أحدهما أو كلاهما إلا بأمر الله، فالأمر في ذلك كله إليه.


كرر الله في سورة الحج تعظيم المشاعر والحرمات وهذا المبنى الآخر للعبودية ، والحج مشاعر وحرمات متعددة
حرمة المسلم دمه وماله وعرضه
حرمة المكان فذاك أرض الحرم
حرمة الزمان شهر حرام
ولو روعيت هذه الحرمات
لما كان ما نرى من انتهاك للحرمات، ولا تدنيس للمشاعر.
أ لا يسع من أتى حاجا أن يعظم هذه الشعائر والحرمات مدة هذه الأيام!
فإذا انقضت: إما كان حاله الثبات على هذا الأدب(والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم)
أو عاد إلى سابق أدراجه،فكان في أقل الأحوال قد كفى هذه المشاعر سوء أدرانه.



يعلمنا الحج كيف تكون مع الناس جميعا كما لو كنت وحيدا.
وهذا الحال ذاته هو حال العبد يوم يكون المحشر

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأزواجه وصحبه