أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) [إبراهيم : 24 - 26]
لمعت الآيتان في ذهني وأنا استمع إلى محاضرة مسجلة من جامعة جنيف يتحدث فيها المحاضر عن بنية الجملة.. ويبدو أن الحديث كان يتجه إلى طلبة من مستوى متوسط أو أدنى، إذ كان المتحدث يقرب الكلام بأمثلة وتوضيحات غاية في التيسير... وكان المتحدث يلقي الدرس بالفرنسية ولكن بلكنة ملموسة تشي بكون اللسان الفرنسي مكتسبا عنده وغير أصيل، ولعل هذا سبب هاجس التيسير في درسه فمن الطبيعي أن يخشى ألا يفهم عنه طلبته ..
كان السؤال المبحوث فيه:
كيف نفهم جملا لم نسمعها من قبل؟
ومضى المحاضر يشرح كيف أن الجملة التي لم تسمع من قبل مفهومة إذا كانت عناصرها معروفة...
وهذه العناصر أي الكلم لا بد أن تكون مترابطة
فشبه لهم الجملة أولا بالقطار.. فالعربات المكونة للقطار متلاصقة على نحو خطي ، وكذلك الكلمات في الجملة، فإذا انفصلت العربات بعضها عن بعض لن يعود هناك قطار، وإن كانت قطعه موجودة.
ثم شرع في تحليل آخر، فبين للطلبة أن الكلمات في الجملة لا تكون دائما مترابطة خطيا، فقد تكون الكلمة الأولى مثلا مرتبطة بالكلمة التي تليها ومرتبطة بكلمة أخرى لا تجاورها...
فقال إن التشبيه بالقطار غير صحيح...وأن الصواب في أن تشبه الجملة بالشجرة!!!
وهنا استحضرت الآيتين فورا...
واستحضرت معها دروس النحو التوليدي التي تلقيناها أيام الطلب في الجامعة...وبالضبط الرسوم المشجرة التي تبين بنيات الجمل...
ولمنتحلي الإعجاز العلمي أن يقول :هذا إعجاز علمي فقد سبق القرآن تشومسكي بأربعة عشر قرنا في الإشارة إلى البنية المشجرة للجمل في اللغات الإنسانية..
على كل حال هذا بعض تفصيل:
في الآيتين تشبيهان:
تشبيه الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة
وتشبيه الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة..
فإذا نزعنا القيد الوصفي حصلنا على تشبيه مطلق الكلمة بمطلق الشجرة....فما وجه الشبه في هذا التشبيه المطلق؟
لن يكون إلا البنية التركيبية المجردة...(جذور +جذع +تفرعات ....) أي ماهية مشتركة بين كل الأشجار بقطع النظر عن طيبها وخبثها..
والكلمة في الآية تعني " الجملة "في اصطلاح أهل اللسان وهذا باتفاق المفسرين.
فتكون مطلق الجملة شبيهة بمطلق الشجرة في البناء والهيكل...
والتوليديون يرسمون مبيان الجملة على شكل مشجر، لأن هذا الشكل هووحده القادر على تمثل مكونات الجملة..غير أنهم يرسمون الشجرة مقلوبة جذعها في أعلى وفروعها في أسفل..والسبب واضح لأننا ألفنا الكتابة في الورقة نزولا لا صعودا..
مثلا جملة" التلميذ المجتهد حاضر" سيرسمونها على النحو التالي:
(أعتذر فإني لا أعرف كيف أرسم مخططا ولكن سيكون الرسم بالكلمات ونصحح خطأ اتجاه الترسيمة عند التوليديين لتكون كما خلقها الله صاعدة لا نازلة !)
في أسفل الصفحة حرف ج (اختصار جملة)
من هذا الجذع سيتفرع فرعان كبيران:
الفرع على اليمين نسميه المركب المبتدئي ( التلميذ المجتهد)
الفرع على اليسار نسميه المركب الخبري (حاضر)
نرجع إلى المركب المبتدئي فنفرعه فرعين :
نسمي الأول المركب الاسمي...(التلميذ)
ونسمي الثاني المركب الوصفي (المجتهد)
نرجع ثانية إلى فرع المركب الاسمي فنفرعه إلى غصنين :أداة التعريف + الاسم
ونفرع المركب الوصفي كذلك :أداة التعريف+صفة.
انتهينا من الفرع الكبير المبتدأ لنشرع في تفريع الخبر...وهلم جرا.
والحصيلة شجرة مرسومة شبيهة بشجرة البستان ...
التوليديون يسمون رسمهم Arborescence
والكلمة مشتقة من ARBRE وتعني شجرة.
(ونرجو من اللغويين المسلمين الذين يشتغلون بالنحو التوليدي أن يصححوا اتجاه المخطط البنيوي المشجر ليكون على غرار مخطط شجرة النسب المعروف...فهذا أشبه بالواقع وأنسب للتشبيه القرآني...)