سأحدثكم عني أنا من منطقة اسمها شذان
كان بوسعي ان ابقى فيها واندثر دون ان احمل قلم، ربما بعض وريقات علف اربط بها القات ..

وكان بوسعي ان اقضي نحبي دون رؤية تصنع حرية وفكرة تشق مجرى عبور نحو المستقبل. كنت متخصص قبل الابتدائية وايامها في رعي حمارة جدي البيضاء مقطوعة الاذن، ألزمني جدي رعي دابته تلك رغم كل كراهيتي لذلك، كانت أمي بدوية تجلب الحطب وتبيعه من أجل توفير مصاريف دراستي، لم يكن لدي حلم لكن أمي أتقنت فن زراعة الأحلام في مخيلتي وأخذت تحرك وجداني وتدربني على ممارسة الحلم ..!!

منحتني قلم أصفر اللون أزرق الحبر، وحين أراد يوما جدي أن لا أدخل المدرسة وقفت في وجهة كلبؤة شرسة قائلة له لا ياعم عيالي لازم يدرسوا ويتعلموا ..

متأثر جدا أنا بشخصية أمي فهي ذكية رغم جهلها الابجدي والمعرفي قوية رغم أنوثتها شهمة رغم فقرها، وصبورة رغم أن الحياة حاصرتها بقسوتها من كل جانب ، كانت تمتلئ بالأمل رغم هبوب عواصف اليأس. كانت جبل يعصمني من البؤس واليأس، ظلت محتفظة ببطانية أبو نمر وراديو أبو عود قديمة وأصيلة في شنطة كبيرة وبعض قدور وحين كنت أسألها لمن ستبقيهن يا أمه ؟ أجابت حتى يعود أبوك ؟ وأين أبي قالت في الجنوب شلوه المخربين ..كانت وفيه جدا وهي تأمل عودة أب غائب لا ندري عنه شيئا أهو حي ام ميت إبان الثمانيات.

كنت صديق وفي، وفتى يعارك رغم إدراكه أنه سيخسر وينهزم كنت أقبل الخسارات والهزائم على ان اوصف بالجبن وكنت أتحمل عظ أسنان أتعارك معهم دون ان أبدي أي شعور بالألم؟ فقط يكشف الليل عن وجعي وآهاتي فتقول لي أمي مو بك ورداد انت ومن تضاربت لا أخبرها اكذب عليها أنني سقطت حين كنت اجري فيما ختم الاسنان مطبوع على كتفي كوسام شرف في معركة خاسرة.
كان مضاد عوض من أعز أصدقاء طفولتي كان وفي وكان يشبهني في الصبر وكنت أغبط فيه خطه الجميل، فقد كان خطي رديئا جدا ولازال حتى اللحظة.

في منتصف سنوات الابتدائية وقع في يدي كتاب فتحي يكن ماذا يعني انتمائي للإسلام كان هدية أهداه الأستاذ عبد القوي هادي علي من مدينة الضالع كان يؤدي خدمة الدفاع الوطني مدرسا في مدرستنا عام 1991م لرعد أخي، أخذت أقرأه أعجبتني أفكاره ، ثم كان علي ان اواجه قدري حين تخلى أبي عن مسؤوليته كنت أعمل في تبزيغ شجرة القات مقابل أجر زهيد حتى اراكم أساسيات الدراسة رسوم تسجيل وقيمة كتب ودفاتر وأقلام وزي دراسي ثم وقعت في يدي في الإعدادية مؤلفات سيد قطب هذا الدين والمستقبل لهذا الدين كانت أفكار قطب قوية وسلسة ومنهجية تحركني من الداخل وتنور عقلي بحقيقة الإسلام وقدرته وطاقته المختزنة لتحقيق العزة والكرامة ودفع مسار الأجيال نحو بناء مستقبل أجمل وفق قيم الإسلام الكريمة ، حرر سيد قطب رؤيتي من النظرة التقليدية للإسلام وفتح مداركي وفعل من ذاكرتي المعرفية ورسخ يقينا حقيقيا بكون الإسلام هو الاقدر وحده على تحقيق حياة إنسانية سوية .

كان سيد قطب سيدا للكلمة والرؤية فتق مداركي وأسس أصولي المعرفية بالإسلام وأكد لي ان التحديات ستنقهر وأن الحرية ستشرق وان بعد المخاضات الطويلة ميلادا أجمل وبعد الظلمات نور سيشق مجرى طريق العابرين ، وأن الصبر والثبات لازمة أساسية لبلوغ الغاية والهدف وأن الباطل المنتفش سيتلاشى ويتبخر ويبقى الحق والخير والعدل والإسلام بروعة تعالميه وسمو مبادئه وعظمة انسانيته.

ومنها وضع سيد قطب المعالم ولن أكون ناكرا لجميله خوفا من ان اوصف بالإرهاب والتطرف فأنا لم أرى سيد قطب سوى مفكر عملاق لم يدعو للعنف بل أسس منطلقات واضحة في مسألة الصراع مع قوى الباطل وجحافله وانتج فكرا جديدا وشق مسارا مختلفا .