التداخلية في العلوم الإسلامية:علم التفسير
-من الظواهر الثقافية والفكرية التي تستوقف الدارس والباحث والمتابع لمسار التراث العربي الإسلامي في تطوره التاريخي ، هو ذلك التداخل القائم بين العلوم التي نشأت في هذه التراث... حيث إن العلاقة التداخلية والتكاملية كانت هي السمة البارزة والغالبة على جميع العلوم التي نشأت في هذا التراث ، وتطورت في أحضان الثقافة العربية الإسلامية......[1].

علم أصول الفقه وعلم فقه النص:
إن علم أصول الفقه،هو من العلوم التي حملت في مباحثها، كثيرا من العلوم خاصة: علوم اللغة، وعلوم المنطق، وعلم الدلالة... .فهو علم يمكن نعته بعلم النص،لأنه يشتغل على النص ، ومسدد للمعنى في النص.وهو كذلك علم يهتم بدلالة النص، واستمداد المعنى اللغوي والشرعي، من هذا النص ... ولان هذا العلم أراد له مؤسسه الإمام الشافعي ت204ه أن يكون علما ضابطا للفهم، وضابطا للاستدلال، ومسددا للاستنباط وهاديا إلى معرفة الحكم الشرعي . لان موضوع هذا العلم هو الاستدلال على الأحكام الشرعية ،والأساس في الاستدلال على الأحكام الشرعية هو فهم النص، وهذه القاعدة تكاد تشكل منطلقا منهجيا عاما عند جميع الأصوليين بمختلف مدارسهم، ومنازعهم ومناهجهم ، بحيث لا ينضبط الاستدلال على الأحكام الشرعية ،إلا بالتمكن من اللغة العربية، كما صرح بذلك اغلب علماء الأصول، وعلماء اللغة . إذ صرح الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات أن" الشريعة عربية وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة حق الفهم لأنهما سيان في النمط ...."[2] ..
على هذا الاعتبار فان علماء الأصول، كانوا من أوائل من احتضن البحوث والدراسات الدلالية واللغوية، خاصة ما كان من قبيل الدراسات حول الألفاظ في علاقتها بالمعاني ،وهي دراسةات انصبت على جميع المستويات المتعلقة بصناعة المعنى ، .بحيث لا نجد أثرا أصوليا، اوكتابا من المصنفات الأصولية ، إلا واشتغل على المعنى....فلا ادل على ذلك أن ينعت علم أصول الفقه بعلم صناعة المعنى..
- التداخلية في علم أصول الفقه
من ابرز العلوم التي جسدت هذا التداخل،علم أصول الفقه،وعلم الكلام ،وعلم التفسير، وعلم النحو...
فهذه العلوم، تعد من ابرز العلوم التي جسدت مبدأ التداخل القائم بين العلوم التي نشأت في الحضارة العربية الإسلامية.....
فعلم أصول الفقه يتأسس في الجزء الأكبر على اللغة ،لان المعرفة باللغة العربية شرط في معرفة كلام العرب ، الذي هو المدخل لفهم النص القرءاني ،قال ابن قتيبة الدينوري في كتابه تأويل مشكل القرءان :" وإنما يعرف فضل القران من كثر نظره واتساع علمه، وفهم مذاهب العرب وافتنانها في الأساليب ". [3].
والناظر في كتاب المعتمد لأبي الحسين البصري وهو من الكتب الأمهات، يلاحظ مدى حضور اللغة في كتب الأصول ، بل إنها نتشكل ثلث الكتاب بكامله.....
ومما يدل على مدى هذا الترابط الوثيق ببين علم أصول الفقه وعلم اللغة،هذا التعريف الذي اختاره الإمام القرافي في الفروق لعلم أصول الفقه، ونصه:"فان علم أصول الفقه،يهتم بقواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية ،وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، نحو الأمر للوجوب،والنهي للتحريم..."[4]..
ومما قرره الأصوليون و اللغويون، أن سبب الخطأ في تفسير القرءان الكريم ، وعدم تمثل المعنى المحمول في النص القرءاني ،وعدم إدراك معاني الوحي ، وعدم تمثل القصد إنما يرجع إلى ضعف الاهتمام باللغة العربية ،والقصور في علومها، والضعف عن امتلاك ناصيتها......

التداخلية في علم التفسير :
إن هذا العلم هو الأخر جسد مبدأ التداخل القائم بين العلوم التي كانت خاصرة في التراث العربي الإسلامي ،ويظهر هذا التداخل في التعريفات التي أعطيت لعلم التفسير، وهي تعريفات تراهن، وتقر على مبدأ التداخلية القائمة بين علم التفسير وغيره من العلوم التي نشأت لغاية خدمة هذا العلم ...
.فقد ذكر أبو حيان الأندلسي ت745ه في مقدمة تفسيره البحران علم التفسير ":": علمٌ يُبحثُ فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ، ومدلولاتها ، وأحكامِها الإفرازية والتركيبيَّةِ ، ومعانيها التي تُحمل ُ عليها حالَ التركيبِ ، وتتمان ذلك..[5].
وعلى هذا التعريف سار كثير من المفسرين،حيث كانوا ا يراهنون على أن عملية التفسير لكتاب الله ، لا تستوي في مستوياتها ومكوناتها، وعناصرها ،إلا باجتماع والتحام ،مجموعة من العلوم التي لها صلة مباشرة بصناعة المعنى .واستمداد الدلالة من النص...

ومن ثم كان علم التفسير من العلوم الجامعة لعدد من العلوم ، من لغة وبلاغة، وتصريف، وعلم القراءات ،وعلم الدلالة، وعلم أصول الفقه، وعلم أصول التفسير...بحيث اجتمع في هذا العلم-علم التفسير- من العلوم ما تفرق في غيره...[6] وهو ما يفسر، لنا أن عددا من المفسرين كانوا يشتغلون على اللغة والبلاغة ،وعلى علم أصول الفقه...

[1] -يراجع : منهجية التكامل المعرفي:مقدمات في المنهجية الإسلامية للدكتور حسن ملكاوي.منشوران المعهد العالمي للفكر الإسلامي: "2012.

[2] -الموافقات :48/115.

[3] -تأويل مشكل القرءان لابن قتيبة:52

[4] -الفروق للقرافي:1/22

[5] -البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي:1/22

[6] -قال ابن عطية في مقدمة تفسيره :" إن كتاب الله لا يفسر إلا بتصريف مجموعة من العلوم فيه..."المحرر الوجيز :1/5.