بسم الله الرحمن الرحيم



* ما الفرق بين الحمد و الشكر ؟

فيه نقاش مشهور في كتب أهل العلم، خاصة أول كتب التفسير.


* لكن المراد هنا الإشارة إلى مسألة فرعية في أشهر الأقوال في التفريق بينهما"1"، تحت إحدى جهتي التفريق فيه."2"


* والمسألة هي:ما متعلق كل من الحمد والشكر من هذه الثلاثة:القلب واللسان والأركان ؟

الجواب: القائلون بالتفريق بينهما هنا يذكرون أن الشكر يتعلق بالثلاثة، ويذكرون أن الحمد يتعلق باللسان، لكنهم يختلفون بعد ذلك؛ هل يتعلق الحمد باللسان وحده أم باللسان والقلب ؟


1- القول الأول: باللسان وحده.

قاله الزمخشري في الكشاف1/52
والنسفي في تفسيره1/29
وابن جزي في التسهيل1/31،63
وابن كثير في تفسيره1/128
والتفتازاني في شرح التلويح1/4
والمارديني في الأنجم الزاهرات
ونظام الدين النيسابوري في الغرائب1/93
والبقاعي في نظم الدرر6/146
والسخاوي في الغاية1/59
والسيوطي في معترك الأقران2/146
وزكريا الأنصاري"الغرر البهية"1/5
وغيرهم."3"



* في منهاح البراعة شرح نهج البلاغة1/294: (هكذا فرق جماعة بينهما...، إلا أن تخصيص مورد الحمد باللسان يشكل بقوله سبحانه:وإن من شيء إلا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم.
اللهم إلا أن يراد باللسان الأعم من لسان الحال ولسان المقال).



2- القول الثاني: الحمد يكون باللسان وبالقلب أيضا.

قاله ابن تيمية في الفتاوى11/134
وابن القيم في مدارج السالكين2/237 وعدة الصابرين ص124[وأقره عليه المرداوي في التحبير وغيره]
وابن رجب في جزء تفسير سورة الفاتحة.
وابن ناصر الدين الدمشقي في تفسير:لقد من الله على المؤمنين،وغيرهم.


* ويشهد للحمد بالقلب ما جاء في التثر والشعر من إطلاق الحمد فيما لايظهر من سياقه حصول نطق،ونحو قولهم:حمدت لفلان كذا،وظاهرها أنه قد يدخل في الحمد ما يكون من جنس الرضا وإن لم يكن فيه تلفظ بعبارة الحمد.


وفي شعر المعري:

بها مدام كذوب التبر تمزجه * للشاربين وجوه كالدنانير

بيض لوابس ديباج حمدت لها * سود الإماء وشعري الصنانير



*قال المحقق ابن رجب في"تفسير سورة الفاتحة":(التحقيق أن الحمد: هو ارتضاء صفات المحمود الحسنة والإخبار عنها باللسان، فهو إذا: الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة لها والرضا بها).

وانظر:تفسير أبي السعود1/12




- القول الثالث: أن الحمد يكون بالثلاثة.

قاله الرازي في تفسيره1/197.

وهو مقتضى قول من سوى بين تعريف الحمد والشكر مطلقا"4" والقول بالتسوية بينهما خارج بحثنا هنا.



* وفي التعريفات للجرجاني ص93 جعل للحمد خمسة أنواع؛
حمد قولي
حمد فعلي
حمد حالي
حمد لغوي[وهو باللسان وحده]
حمد عرفي[ويعم اللسان والجوارح أيضا]. "5"

وقال ص128:(لافرق بين الشكر اللغوي والحمد العرفي).



ولعلي لاحقا إن شاء الله أزيد الموضوع توثيقا ونقاشا.

والله أعلم والحمدلله


-----------------------------------

"1" وهو القول بأن الفرق بينهما هو من حيث العموم والخصوص الوجهي؛ الحمد أعم من جهة وأخص من جهة أخرى، والشكر بعكسه.

"2" جهتا التفريق هما: ما الذي يؤدى به كل منهما[=متعلقهما]، وما الذي يقع عليه كل منهما[=سببهما].

"3" وفي الدر المصون للسمين الحلبي2/36:(الحمد...يكون باللسان وحده، دون عمل الجوارح...،[و]الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح).

وتبعه بنصه ابن عادل في اللباب

فتأمل تعبيره فإنه مشكل؛فإنه جعل الحصر في اللسان في مقابلة عمل الجوارح فحسب،وهذا يحتمل أن القلب غير داخل في الكلام على التفريق هنا لا أنه منفي في الحمد بكلامه هذا[لأنه صرح باللسان(وحده)، لكنه لم يقابله إلا بعمل الجواح]، وقد يرد مثله على إطلاقات من سمينا في القول الأول،ولكنه خلاف الأصل فظاهر كلامهم أن الحصر في اللسان دون القلب مقصود وأنهم لايرون الحمد إلا باللسان فحسب. والله أعلم

"4" تنبيه:ينسب بعض أهل العلم إلى إمام المفسرين الطبري التسوية بينهما مطلقا، وليس كلامه في تفسيره1/137 صريحا في هذا، بل يحتمل كلامه جواز استعمال أحدهما مكان الآخر أحيانا لا مطلقا،ولعله لذلك عبر ب<قد>:(الحمد قد ينطق به في موضع الشكر،وأن الشكر قد يوضع موضع الحمد). وانظر:بهجة الأريب لابن التركماني ص12 والله أعلم

والتسوية بين معنيي الحمد والشكر موجود في كلام طبري آخر؛وهو أبو معشر الطبري في كتاب"عيون المسائل في القرآن" ص13.
[لكن هذا التفسير هو نفسه كتاب"تنزيه القرآن"للقاضي عبدالجبار المعتزلي،ومسألتنا نفسها فيه في صفحة9]


"5" وزاد عليه الكفوي في الكليات:الحمد الذاتي.