فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) [طه : 60]


أحسب أن الآية معجزة بالمعنى الحقيقي لا يستطيع إنس ولا جان أن يسرد القصة بمثل إيجاز الآية:
لقد اختزلت الآية ثلاثة مقاطع من القصة في ثلاث جمل:
-تولى فرعون
-جمع كيده
-أتى
والجمل نفسها ذات تركيب أولي بسيط لا تتجاوز في الرسم الكلمتين.
والفرضيات الممكنة هنا ثلاث :
1-أن نسرد الفصل من قصة موسى في أقل من ثلاث جمل، وهذا محال، لأنه يتعين حذف حلقة من القصة أو دمج متواليتين سرديتين في جملة واحدة، وهذا غير مستطاع قطعا، ومن كابر فليأت بمقترحه إن كان صادقا!
2-أن نسرد القصة في ثلاث جمل فلا يكون الناتج إلا تقليد ركيك لعبارات القرآن كأن تستبدل كلمة بمرادفها ،أو تركيبا بتركيب مواز، على منوال ما نقل عن مسيلمة الكذاب وغيره فيقولون إنا آتيناك الجماهر على وزان إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ
(وههنا حقيقة نكشف عنها:
إن كل معارضة للقرآن بآلية المحاكاة تنطوي بالضرورة على مفارقة، بل على تهافت، ذلكم لأن:
معارضة القرآن يلزم عنها الاعتقاد بأنه كلام غير معجز،
ومحاكاته يلزم عنها الوقوع تحت سلطان القرآن ورفعه إلى مستوى القدوة أو النموذج!!
فتأمل!)
3-أن نسرد القصة في أكثر من ثلاث جمل، وهذا اعتراف بإعجاز القرآن.
لكن العبرة ليست في الاختزال بل في الاختزان .
فالمساحة الضيقة من اللفظ تصبح مجالا فسيحا لاستنباط المخزون الدلالي، انظر مثلا إلى :
-القوة الدلالية للحرفين الواصلين "الفاء " و "ثم"...
(جمع الكيد) جاء فورا، فعطفت بالفاء ،وهي كاشفة عن نفسية الفرعون المتعجل المغرور المتهور الواثق من نفسه ومن ظهوره، وكاشفة عن السرعة في التدبير وإعلان حالة استنفار.
لكن الجملة بعدها جاءت موصولة ب "ثم "الدالة على التراخي ( ثُمَّ أَتَى)
لماذا؟
لأن القوم بعد جماع الكيد لا بد أنهم جلسوا للمشاورة ،ومدارسة الخطط ، وتحسب كل الممكنات، فضلا عن انتخاب أفضل فريق لمواجهة موسى ..فإذا كانت "الفاء" دلت على سرعة المبادرة فإن" ثم" دلت على الاستعداد الكافي...حتى إذا انهزم القوم لن يجدوا ما يبررون به انكسارهم: ألم يكن عندهم القسط الوافر من التحفيز (فَجَمَعَ كَيْدَهُ) والقسم الوافر من الاستعداد (ثُمَّ أَتَى)!!
-وانظر إلى قوة الجملة الوسطى: جمع كيده...

فعل "جمع" يختزل أوقاتا وأحداثا: إعلانات، وسفراء، ومبعوثين ،وحركة في طول البلاد وعرضها، وعروضا، وإغراءات، ووعودا... باختصار :
حالة استنفار قصوى.

-والمفعول به :كيد ...يختزل من جهته الأفعال السحرية ،والرغبة في إزالة الحق بالباطل، فضلا عن الإشارة إلى غموض عالم السحر والسحرة- فلا يقال الكيد إلا لما فيه خفاء-
فانظر إلى هذه الكلمة" كيد "كيف دلت على فكر وأهله ،كما دلت على نوايا وأصحابها، ودلت على خطط وتراتيبها.