بسم الله الرحمن الرحيم

هذا بحث يتكلم عن ضوابط ومشروعية الضرب في الإسلام عند الفقهاء وأهل التربية من المتقدمين والمتأخرين مع إضافة أمور لا بد منها في البحث كالواجبات والحقوق للآباء والأولاد وذكر رأي المتقدمين من كبار علماء التربية كالغزالي والقابسي وابن خلدون وابن مسكويه وذكر أهم قواعد التربية التي ذكرها المتخصصون في التربية ، وهذا البحث مقسم إلى ثلاثة مطالب :
المطلب الأول : كلام الفقهاء في الضرب :
المطلب الثاني : الضرب عند اهل التربية من المتقدمين والمعاصرين :
المطلب الثالث: ذكر ملخص لاكبر علماء التربية من المسلمين :

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ــ ـ ـ ـ ـ ـ

المطلب الأول : كلام الفقهاء في الضرب :
أدلة جواز الضرب:

الأحاديث:

· رَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مُرُوا الصِّبْيَانَ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ
وَهَذَا التَّأْدِيبُ وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ. وَهُوَ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ لِتَمْرِينِهِ عَلَى الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا لِيَأْلَفَهَا وَيَعْتَادَهَا وَلاَ يَتْرُكَهَا عِنْدَ الْبُلُوغِ،
قَال الإمام النَّوَوِيُّ: وَالاِسْتِدْلاَل بِهِ وَاضِحٌ، لأَِنَّهُ يَتَنَاوَل الصَّبِيَّ وَالصَّبِيَّةَ فِي الأَْمْرِ بِالصَّلاَةِ وَالضَّرْبِ عَلَيْهَا".قال بعض العلماء: وَقَدْ حَمَل جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - الأَْمْرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْوُجُوبِ، وَحَمَلَهُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى النَّدْبِ.
· قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَمِنْ أَمْثِلَةِ الأَْفْعَال الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمَصَالِحِ وَالْمَفَاسِدِ مَعَ رُجْحَانِ مَصَالِحِهَا عَلَى مَفَاسِدِهَا: ضَرْبُ الصِّبْيَانِ عَلَى تَرْكِ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ.
· قال في الموسوعة الفقهية الكويتية : وَمِنْ أَنْوَاعِ التَّعْذِيبِ الْمَشْرُوعِ: ضَرْبُ الأَْبِ أَوِ الأُْمِّ وَلَدَهُمَا تَأْدِيبًا، وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ، أَوِ الْمُعَلِّمِ بِإِِذْنِ الأَْبِ تَعْلِيمًا.
· قال في فتاوى النووي: - مسألة: هل له استخدام ولده وله ضربه على ذلك؟.الجواب: يجوز له ذلك فيما فيه تأديب الصبي، وتدريبُه، وحسن تربيته ونحو ذلك.
· قال محمد الأمين الشنقيطي في شرح زاد المستقنع : والشرع أذن للوالد أن يؤدب ولده، وأذن للسلطان أن يؤدب رعيته، وأذن للمعلم أن يؤدب من يعلمه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر) فشرع الضرب في التعليم، والدعوة للخير، والأصل: أن العلم يراد به الدعوة للخير؛ يتعلم الإنسان ثم يعمل.فهذا الإذن الشرعي بالتأديب والتعليم، وأيضاً صيانة الناس والرعية، كل هذا إذا كان الأصل يقتضي جوازه فإن ما يترتب عليه من ضرر مغتفرٌ شرعاً؛ لأن الأصل أن من فعل هذه الأفعال يقصد بها مصلحة المجني عليه.
· قال بعض المعاصرين : والضرب بشكل عام عقوبة يجوز استعمالها شرعاً فقد شرع الضرب في الحدود وفي التعزير وشرع ضرب الزوج لزوجته في حال النشوز وشرع ضرب الأولاد تأديباً لهم على ترك الصلاة وغير ذلك من الحالات ولكن ضرب الأولاد يحتاج إلى تفصيل وتوضيح.
الأمور التي على الولي أن يعلمها الصبي والصبية :

عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلاَدِهِمْ مَا يَلْزَمُهُمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ:

1. ، فيُؤْمَرُ بِجَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ ومَا سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وِ بِفِعْل الطَّاعَاتِ كَالصَّلاَةِ وَالطَّهَارَةِ وَالصِّيَامِ وَنَحْوِهَا مَمَا تَصِحُّ بِهِ عِبَادَتُهُ ويؤمرون بالتزام شروط الصلاة من الطهارة وستر العورة كما يؤمر بها البالغون ، فإن صلوا بغير ذلك أمروا بالإعادة وَيَجِبُ تَعْلِيمُهُمْ مَا يَضْطَرُّونَ إلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَكْفُرُ جَاحِدُهَا مِنْ إِيمَانٍ بِاَللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ ، قَال النَّوَوِيُّ : "وَيَأْمُرُهُ بسَائِرِ الْوَظَائِفِ الدِّينِيَّةِ ، وَيَأْمُرُهُ الْوَلِيُّ بِحُضُورِ الصَّلَوَاتِ فِي الْجَمَاعَةِ وَبِالسِّوَاكِ . قال ابن عابدين : الصَّبِيَّ يَنْبَغِي أَنْ يُؤْمَرَ بِجَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَيُنْهَى عَنْ جَمِيعِ الْمَنْهِيَّاتِ. ، قال اللباب : قال أبو بكر الرازي: دلَّت آية (57) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ الآية على أن من لم يبلغ وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع، وينهى عن ارتكاب القبائح، فإن الله تعالى أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات.
1. وَيُنْهَى عَنْ جَمِيعِ الْمَنْهِيَّاتِ والْمَحْظُورَاتِ وعَنِ اقْتِرَافِ الْمَحْظُورَاتِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ لِحَقِّ الْعِبَادِ ويكَفُّهُ عَنِ الْمَفَاسِدِ كُلِّهَا، وَيُعَرِّفُهُ تَحْرِيمَ الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَالْخَمْرِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْمُسْكِرِ وَالْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَشِبْهِهَا حتى الصغائر ، َكَمَا يُنْهَى عَنْ اعْتِقَادِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَإِظْهَارِهِ وَهَذَا التَّعْلِيمُ وَاجِبٌ عَلَى الأَْبِ وَسَائِرِ الأَْوْلِيَاءِ قَبْل بُلُوغِ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبِيَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا، فَوَلِيُّهُ مُكَلَّفٌ، لاَ يَحِل لَهُ تَمْكِينُهُ مِنَ الْمُحَرَّمِ، لأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ فِي الصِّغَرِ وَخُلِّيَ وَسَائِرَ شَهَوَاتِهِ وَمَا يُؤْثِرُهُ وَيَخْتَارُهُ يَصْعُبُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ الْإِقْلَاعُ فَإِنَّهُ يَعْتَادُهُ، وَيَعْسُرُ فِطَامُهُ يَلْزَمُهُ .
2. وَيُعَلِّمَهُ مَحَاسِنَ الأَْخْلاَقِ وِيزَجْرِهِ عَنْ سَيِّءِ الأَْخْلاَقِ وَقَبِيحِ الْعَادَاتِ - وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَعْصِيَةٌ - اسْتِصْلاَحًا لِيَنْشَأَ عَلَى الْكَمَال وَكَرِيمِ الْخِلاَل.
3. وَيَحْفَظَهُ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ وَلاَ يُعَوِّدَهُ التَّنَعُّمَ، وَلاَ يُحَبِّبَ إِلَيْهِ الزِّينَةَ وَأَسْبَابَ الرَّفَاهِيَةِ فَيُضَيِّعُ عُمْرَهُ فِي طَلَبِهَا إِذَا كَبِرَ وَيَهْلَكُ هَلاَكَ الأَْبَدِ .
4. وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلِّمَهُ أَيْضًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ: السِّبَاحَةِ وَالرَّمْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَنْفَعُهُ فِي كُل زَمَانٍ بِحَسَبِهِ. قَال سيدنا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: عَلِّمُوا أَوْلاَدَكُمُ السِّبَاحَةَ وَالرِّمَايَةَ، وَمُرُوهُمْ فَلْيَثِبُوا عَلَى الْخَيْل وَثْبًا.
5. وَيُعَرِّفُهُ أَنَّ بِالْبُلُوغِ يَدْخُل فِي التَّكْلِيفِ .
6. وهل يؤمرون على التمرين بالصيام ويتعودونه قبل البلوغ؟قال الشافعية والحنفية نعم إن أطاقه قال الجصاص: وَرَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بَنِيهِ بِالصَّلَاةِ إذا عقلوها وبالصوم إذا طاقوه وقال ابن عابدين : (قَوْلُهُ وَالْأَبُ يُعَزِّرُ الِابْنَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ. وَمِثْلُهَا الصَّوْمُ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وبه ابْنُ الْمَاجِشُونِ من المالكية : عِنْدَ إِطَاقَتِهِمْ لِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَبْلُغُوا.
وقال المالكية : لا يؤمرون بذلك لأنه ليس بمتكرر، وإنما يأتي مرة في العام، بخلاف الصلاة. وَقَالَ
7. وَيُؤَدَّبُ عَلَى تَرْكِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلاَةِ وَكَذَا الصَّوْمُ .وَتَأْدِيبِهِ عَلَى الإِْخْلاَل بِذَلِكَ تَعْوِيدًا لَهُ عَلَى الْخَيْرِ وَالْبَرِّ قال ابن حجر الهيتمي : وَيُضْرَبُ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وُجُوبًا مِمَّنْ ذُكِرَ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى تَرْكِهَا وَلَوْ قَضَاءً، أَوْ تَرْكِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهَا، أَوْ شَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ الظَّاهِرَةِ قال المحشي الشرواني : (قَوْلُهُ: أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ الشَّرَائِعِ إلَخْ) هَذَا مُصَرِّحٌ بِوُجُوبِ الضَّرْبِ عَلَى تَرْكِ نَحْوِ السِّوَاكِ مِنْ السُّنَنِ الْمُتَأَكِّدَةِ لَكِنْ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ عَنْ الْمُهِمَّاتِ الْمُرَادُ بِالشَّرَائِعِ مَا كَانَ فِي مَعْنَى الطَّهَارَةِ، وَالصَّلَاةِ كَالصَّوْمِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَضْرُوبُ عَلَى تَرْكِهِ وَذَكَرَ نَحْوَهُ الزَّرْكَشِيُّ اهـ، ثُمَّ رَأَيْت الشَّارِحَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ ذَكَرَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْقَمُولِيِّ الضَّرْبُ عَلَى السُّنَنِ الْمَذْكُورَةِ أَيْضًا وَأَنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ وَنَظَّرَ فِي كَلَامِ الْمُهِمَّاتِ وَنَازَعَ م ر فِي الضَّرْبِ عَلَى السُّنَنِ بِأَنَّ الْبَالِغَ لَا يُعَاقَبُ عَلَى السُّنَنِ فَالصَّبِيُّ أَوْلَى اهـ وَاعْتَمَدَ النِّزَاعَ الرَّشِيدِيُّ حَيْثُ قَالَ وَلَا يُضْرَبُ عَلَى السِّوَاكِ وَنَحْوِهِ مِنْ السُّنَنِ كَمَا نَقَلَهُ سم عَنْ الشَّارِحِ م ر اهـ وَاعْتَمَدَ شَيْخُنَا وَالْبُجَيْرِمِيُّ مَا فِي شَرْحِ الْعُبَابِ.
قال الراغب في تفصيل النشأتين :
والخامس اختلاف أحوالهم في تأديبهم وتلقينهم وتطبيعهم وتعويدهم العادات الحسنة والقبيحة، فحق الولد على الوالدين أن يؤخذ بالآداب الشرعية وأخطار الحق بباله وتعويده فعل الخير كما قال النبي : " مُروهم بالصلاة لسبع واضربوهم لعشر " ويجب أن يصان عن مجالسة الأردياء، فإنه في حال صباه كالشمع يتشكل بكل شكل يُشكل به، وأن يحسن في عينه المدح والكرامة ويقبح عنده الذم والمهانة، ويبغض إليه الحرص على المآكل والمشارب، ويعود الاقتصاد في تناولها ومخالفة الشهوة ومجانبة ذوي السخف، ويؤخذ بقلة النوم في النهار، فهو يشيب ويورث الكسل ويعود التأني في أفعاله وأقواله، ويمنع من مفاخرة الأقران ومن الضرب والشتم والعبث والاستكثار من الذهب والفضة، ويعوِّد صلة الرحم وحسن تأدية فروض الشرع. قال بعض الحكماء: " من سعادة الإنسان أن يتفق له في صباه من يعوّده تعاطي الشريعة حتى إذا بلغ الحلم وعرف وجوبها فوجدها مطابقة لما تعوده قويت بصيرته ونفذت في تعاطيها عزيمته " والسادس اختلاف من يتخصص به ويخالطه، فيأخذ طريقته فيما يتمذهب به (عن المرءِ لا تسأل وابصر قرينه) والسابع اختلاف اجتهاده في تزكية نفسه بالعلم والعمل حين استقلاله بنفسه. والفاضل التام الفضيلة من اجتمعت له هذه الأسباب المسعدة. وهو أن يكون طيب الطينة معتدل الأمزجة جارياً في أصلاب آباءٍ صالحين ذوي أمانة واستقامة، متكوناً من نطفة طيبة ومن دم طمث طيب على مقتضى الشرع، ومرتضعاً بدَرٍ طيب ومأخوذاً في صغره من قبل مربيه بالآداب الصالحة وبالصيانة عن مصاحبة الأشرار، ومتخصصاً بعد بلوغه بمذهب حق ومجهداً نفسه في تعرف الحق مسارعاً إلى الخير. فمن وُفق في هذه الأشياء تنجع فيه الخيرات من جميع الجهات كما قال الله تعالى: (لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) . ويكون جديراً أن يعد ممن وصفه الله تعالى بقوله: (وأنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) . والرذل التام الرذيلة هو من يكون بعكس هذا في الأمور التي ذكرناها.
ويقول ابن قيم الجوزية: "من أهمل تعليم ولده ما ينفعه وتركه سدى فقد أساء إليه غاية الإساءة، وأكثر الأولاد إنما جاء فسادهم من قبل الآباء وإهمالهم لهم وترك تعليمهم"
.قال المناوي في فيض القدير : وفيه وجوب تأديب الأولاد وأنه حق لازم وكما أن للأب على ابنه حقا فللابن على أبيه كذلك بل وصية الله تعالى للآباء أبنائهم سابقة في التنزيل على وصية الأولاد بآبائهم فمن أهمل تعليم ولده وليدا ما ينفعه فقد أساء إليه وأكثر عقوق الأولاد آخرا بسبب الاهمال أولا ومن ثم قال بعضهم لأبيه: أضعتني وليدا فأضعتك شيخا
حكم هذا التعليم :

َقِيل هَذَا التَّعْلِيمُ مُسْتَحَبٌّ، وَنَقَل الرَّافِعِيُّ عَنِ الأَْئِمَّةِ وُجُوبَهُ عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ، قال بعض العلماء: وَقَدْ حَمَل جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - الأَْمْرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْوُجُوبِ،وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَدَلِيل وُجُوبِ تَعْلِيمِ الصَّغِيرِ:
· قَوْل اللَّهِ عَزَّ وَجَل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا
· قَال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةَ: مَعْنَاهُ عَلِّمُوهُمْ مَا يَنْجُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ " وَهَذَا ظَاهِرٌ "
· وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ : الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِيأَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: ((وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ)) (قال النووي : فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الصِّبْيَانَ يُوَقَّوْنَ مَا يُوَقَّاهُ الْكِبَارُ وَتُمْنَعُ مِنْ تَعَاطِيهِ وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ.
· قال ابن حجر في الفتح : جَوَازُ إِدْخَالِ الْأَطْفَالِ الْمَسَاجِدَ وَتَأْدِيبِهِمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ وَمَنْعِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ وَمِنْ تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُكَلَّفِينَ لِيَتَدَرَّبُوا بِذَلِكَ
· قال بدر الدين العيني في عمدة القاري شرح البخاري: وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي أَن يتَجَنَّب الْأَطْفَال مَا يتَجَنَّب الْكِبَار من الْمُحرمَات. وَفِيه: أَن الْأَطْفَال إِذا نهوا عَن الشَّيْء يجب أَن يعرفوا لأي شَيْء نهوا عَنهُ ليكونوا على علم إِذا جَاءَهُم أَوَان التَّكْلِيف. وَفِيه: أَن لأولياء الصغار المعاتبة عَلَيْهِم والحول بَينهم وَبَين مَا حرم الله على عباده، أَلا يرى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم استخرج التَّمْر من الصَّدَقَة من فَم الْحسن وَهُوَ طِفْل لَا تلْزمهُ الْفَرَائِض وَلم تجر عَلَيْهِ الأقلام؟ فَبَان بذلك أَن الْوَاجِب على ولي الطِّفْل وَالْمَعْتُوه، إِذا رَآهُ يتَنَاوَل خمرًا يشْربهَا، أَو لحم خِنْزِير يَأْكُلهُ، أَو مَالا لغيره يتلفه، أَن يمنعهُ من فعله ويحول بَينه وَبَين ذَلِك.
· وَقال علي القاري في مرقاة المفاتيح : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْآبَاءِ نَهْيُ الْأَوْلَادِ عَمَّا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ اهـ وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يَحْرُمُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ إِلْبَاسُ الصَّبِيِّ الْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْإِحْيَاءِ عِنْدَ ذِكْرِ وَرَعِ الْمُتَّقِينَ،فأمر بضربهم على ترك الواجب الشرعي الذي هو الصلاة، فضربهم على الكذب والظلم أولى، وهذا مما لا يعلم بين العلماء فيه نزاع أن الصبي يؤذى على ما يفعله من القبائح وما يتركه من الأمور التي يحتاج إليها في مصلحته.
· قال في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح:
- (وَعَنْهُ) أَيْ: عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا أَيْ: آدَمِيًّا لِأَنَّهُ رُبَّمَا ضَرَبَ مَرْكُوبَهُ (قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، خُصَّا بِالذِّكْرِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمَا، وَلِكَثْرَةِ وُقُوعِ ضَرْبِ هَذَيْنِ وَالِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، وَضَرْبُهُمَا وَإِنْ جَازَ بِشَرْطِهِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ. قَالُوا بِخِلَافِ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الْأَوْلَى تَأْدِيبُهُ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ ضَرْبَهُ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُنْدَبِ الْعَفْوُ بِخِلَافِ ضَرْبِ هَذَيْنِ، فَإِنَّهُ لِحَظِّ النَّفْسِ غَالِبًا فَنُدِبَ الْعَفْوُ عَنْهُمَا مُخَالَفَةً لِهَوَاهَا وَكَظْمًا لِغَيْظِهَا.
قواعد ذكرها الفقهاء في الضرب والتعليم :

قواعد الضرب:

1) َأْدِيبُ الصَّغِيرِ إِنَّمَا يَبْدَأُ بِالْقَوْل، ثُمَّ بِالْوَعِيدِ، ثُمَّ بِالتَّعْنِيفِ، ثُمَّ بِالضَّرْبِ إن لم تُجْدِ الطرقُ قبله ، وَهَذَا التَّرْتِيبُ تَلْزَمُ مُرَاعَاتُهُ، فَلاَ يَرْقَى إِلَى مَرْتَبَةٍ إِذَا كَانَ مَا قَبْلَهَا يَفِي بِالْغَرَضِ، وَهُوَ الإِْصْلاَحُ، وَفِي ذَلِكَ يَقُول الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: وَمَهْمَا حَصَل التَّأْدِيبُ بِالأَْخَفِّ مِنَ الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال، لَمْ يُعْدَل إِلَى الأَْغْلَظِ، إِذْ هُوَ مَفْسَدَةٌ لاَ فَائِدَةَ فِيهِ، لِحُصُول الْغَرَضِ بِمَا دُوْنَهُ.قال بعض المعاصرين : وقد ذكر القرآن الكريم التدرج بالعقوبات في معالجته للخلافات الزوجية وكذلك معالجة الطفل ،
وقال مواهب الجليل في شرح مختصر خليل : وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُؤَدَّبُ فِيهِ عَلَى تَرْكِهَا ـ ـ أما الْعُقُوبَةُ فَبَعْدَ الْعَشْرِ وَكَرِهَ فُضَيْلٌ وَسُفْيَانُ أَنْ يُضْرَبَ وَقَالَا أَرْشِهِ عَلَيْهَا، وَهَذَا أَحْسَنُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ، أَوْ لَمْ يَفْعَلْ بَعْدَ أَنْ أُرْشِيَ ضُرِبَ عَلَيْهَا.
2) التَّأْدِيبِ يَكُونُ بِالْوَعِيدِ وَالتَّقْرِيعِ لَا بِالشَّتْمِ ، قال ابن عرفة : وَعَلَيْهِ أَنْ يَزْجُرَ الْمُتَخَاذِلَ فِي حِفْظِهِ بِالْوَعِيدِ وَالتَّقْرِيعِ لَا بِالشَّتْمِ كَقَوْلِ بَعْضِ الْمُعَلِّمِينَ لِلصَّبِيِّ يَا قِرْدُ يَا عِفْرِيتُ فَإِنْ لَمْ يُفِدْ الْقَوْلُ انْتَقَلَ لِلضَّرْبِ قال بعض المعاصرين : وقد اتفق المربون على الابتعاد عن الكلام الجارح، والتوبيخ الذي ينتقص من شخصية الطفل، أو يسبب له ردود أفعال سيئة، واتفقوا أيضاً على أن يكون كل ذلك بين المربي والتلميذ، وليس أمام أحد من الناسوومما يدل على النهي عن السباب قول الرسول "ليس المؤمن بالطعان، ولا باللعان، ولا بالفاحش، ولا بالبذيء". قال مصطفى السباعي : · الابن يتأثر بالأب أكثر، والبنت تتأثر بالأم أكثر، والأمهات الجاهلات طريقهن في التربية: الشتيمة والدعاء بالموت والهلاك، والآباء الجاهلون طريقهم في التربية: الضرب والاحتقار.وقال بعض المعاصرين : ومن أبرز الوسائل السلبية؛ والسباب، واللوم. وكل منها وسيلة سهلة الاستخدام، سيئة الأثر، مهما أعطت من أثر سريع، يظهر أنه إيجابي." قال بعض المعاصرين : بعد إجراء دراسة شملت 110 أسرة أمريكية، تضم أطفالا تتفاوت أعمارهم ما بين ثلاثة وخمسة أعوام، أعلن معهد العلوم النفسية في أتلانتا أن هناك دلائل قطعية على وجود علاقة بين شخصية الطفل المشاغب، الكثير الحركة، وبين الأم العصبية التي تصرخ دائما، وتهدد بأعلى صوتها حين تغضب، ... وتشير نتائج الدراسة أيضا إلى أن الأم التي تعبر عن غضبها بالصراخ، وباستخدام ألفاظ بذيئة أو سيئة، أمام طفلها تدفع بهذا الطفل إلى التحول إلى طفل من هذا النوع المشاغب

3) وكذلك لا يكون التأديب بالدعاء عليه فقد أخرج مسلم وغيره عن رسول الله قال: لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم .قال في جامع العلوم والحكم : فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ دُعَاءَ الْغَضْبَانِ قَدْ يُجَابُ إِذَا صَادَفَ سَاعَةَ إِجَابَةٍ، وَأَنَّهُ يُنْهَى عَنِ الدُّعَاءِ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَالِهِ فِي الْغَضَبِ.قال القسطلاني : وإذا كان عرّضه باللعنة لذلك ووقعت الإجابة وإبعاده من رحمة الله كان ذلك أعظم من قتله لأن القتل تفويت الحياة الفانية قطعًا والإبعاد من رحمة الله أعظم ضررًا بما لا يحصى.
قال الشرواني في حواشي التحفة : وَيُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى وَلَدِهِ، أَوْ نَفْسِهِ، أَوْ مَالِهِ قَالَ الرَّشِيدِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّعَاءِ الدُّعَاءُ بِنَحْوِ الْمَوْتِ وَأَنَّ مَحَلَّ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ كَالتَّأْدِيبِ وَنَحْوِهِ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ بِلَا حَاجَةٍ لَا يَجُوزُ عَلَى الْوَلَدِ وَالْخَادِمِ فَمَا فِي حَاشِيَةِ الشَّيْخِ
4) يُشْتَرَطُ فِي الضَّرْبِ عِنْدَ مَشْرُوعِيَّةِ اللُّجُوءِ إِلَيْهِ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ تَحْقِيقُهُ لِلْمَصْلَحَةِ الْمَرْجُوَّةِ مِنْهُ،قال العز بن عبد السلام : فَإِنْ قِيل: إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ لاَ يُصْلِحُهُ إِلاَّ الضَّرْبُ الْمُبَرِّحُ، فَهَل يَجُوزُ ضَرْبُهُ تَحْصِيلاً لِمَصْلَحَةِ تَأْدِيبِهِ؟ قُلْنَا: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ ، بَل لاَ يَجُوزُ أَنْ يَضْرِبَهُ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، لأَِنَّ الضَّرْبَ الَّذِي لاَ يُبْرِّحُ مَفْسَدَةٌ، وَإِنَّمَا جَازَ لِكَوْنِهِ وَسِيلَةً إِلَى مَصْلَحَةِ التَّأْدِيبِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُل التَّأْدِيبُ بِهِ، سَقَطَ الضَّرْبُ الْخَفِيفُ كَمَا يَسْقُطُ الضَّرْبُ الشَّدِيدُ، لأَِنَّ الْوَسَائِل تَسْقُطُ بِسُقُوطِ الْمَقَاصِدِ". فالضَّرْبُ يَكُونُ مُؤْلِمًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ إِنْ ظَنَّ إِفَادَتَهُ وَإِلاَّ فَلاَ. قال ابْنُ حَجَرٍالهيتمي : أَيْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَوْ لَمْ يُفِدْ إلَّا بِمُبَرِّحٍ تَرَكَهُ وِفَاقًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ " . وكذلك قال الحنفية .
5) إن لَمْ يُفِدْ الْقَوْلُ والوعظ والتذكير والتحذير انْتَقَلَ إلَى الضَّرْبِ.
ويشترط في الضرب شروط :
1) الأول : كونه غيرَ مبرِّحٍ وَلاَ شَاقٍّ وَلَا مُمْرِضٍ، قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ: ضرباً رفيقاً غير عنيف لأنه للتأديب لا للعقوبة.
2) التَّأْدِيب والضرب مَشْرُوطٌ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ فلا يجوز الضرب الذي يؤدي للضرر والتلف فلا بد أن يَتَوَقَّى فِيهِ الْوَجْهَ وَالْمَوَاضِعَ الْمُهْلِكَةَ ويكون فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي يُؤْمَنُ عَلَيْهِمُ التَّلَفُ مِنْ ضَرْبِهَا ضَرْبَ إيلَامٍ فَقَطْ دُونَ تَأْثِيرٍ فِي الْعُضْوِ قال الرسول : «إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه» قال محمد بن رشد: ولا يضرب بعض الضرب، معناه: ولا يضرب بعض الضرب الذي يضربه كثير من الناس فيتعدى في الضرب، يريد: أنه لا يضرب إلا ضربا خفيفا.
3) ان تكون عدد الضربات بعدد ما أجازه الفقهاء
وفي عدد الضربات الجائزة أقوال :
أ. القول الأول: ولاَ يُجَاوِزُ ثَلاَثًا فلَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَ بِضَرْبِهِ الثَّلاَثَ
عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وكذلك عند جماعة من المالكية كابن عرفة وأشهب ومن الشافعية ابن سريج وجماعة من الحنابلة :
ففي كتب الأحناف : قال في مراقي الفلاح : ولا يزيد على ثلاث ضربات
وفي كتب المالكية : َقال ابْنُ عَرَفَةَ : الضَّرْبِ مِنْ وَاحِدٍ إلَى ثَلَاثَةٍ . قَالَ أَشْهَبُ: إنْ زَادَ الْمُؤَدِّبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْوَاطٍ اُقْتُصَّ مِنْهُ.
ومن الشافعية ابن سريج : و قال ابْنِ سُرَيْجٍ من الشافعية : لَا يَضْرِبُ فَوْقَ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ
· الأدلة التي استدلوا عليها :
· ، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمِرْدَاسٍ الْمُعَلِّمِ: إِيَّاكَ أَنْ تَضْرِبَ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَإِنَّكَ إِذَا ضَرَبْتَ فَوْقَ الثَّلاَثِ اقْتَصَّ اللَّهُ مِنْكَ[1]
· أَخْذًا مِنْ حَدِيثِ «غَطِّ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ابْتِدَاءِ الْوَحْي
· .وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ بِسَنَدٍ ضَعِيفِ «نَهَى أَنْ يَضْرِبُ الْمُؤَدِّبُ فَوْقَ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ» ، قال في كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي وهو من الحنابلة : اعْلَم أَن الضَّرْب على أضْرب:
· فَمِنْهُ ضرب على ترك أدب، كضرب الْوَلَد على تعلم الْقُرْآن والعربية وَالْعلم الزَّائِد على قدر الْوَاجِب، وَقد كَانَ ابْن عمر يضْرب وَلَده على اللّحن.
وَضرب الْوَلَد على ترك الصَّلَاة إِذا بلغ تسع سِنِين، وعَلى ترك أَسبَاب المعاش،
· فَهَذَا تَأْدِيب يَنْبَغِي أَن يتلطف فِيهِ ويقتنع بِالسَّوْطِ الْوَاحِد والسوطين.
ب. القول الثاني: يَكُونَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وإن كثير
الشافعية وهو المعتمد عند المالكية نص عليه الدسوقي والحطاب الرعيني من المالكية في مواهب الجليل وغيره
ففي كتب الشافعية : قال في الشرواني : قَوْلُهُ: ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَإِنْ كَثُرَ فَالْمُعْتَمَدُ أَنْه يَكُونَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُبَرِّحٍ َعلَى الْمُعْتَمَدِ
في كتب المالكية : قَال الشَّيْخُ الدُّسُوقِيُّ: وَلاَ يُحَدُّ بِعَدَدٍ كَثَلاَثَةِ أَسْوَاطٍ بَل يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ حَال الصِّبْيَانِ. قال في مواهب الجليل في شرح مختصر خليل : فَإِنْ لَمْ يُفِدْ الْقَوْلُ انْتَقَلَ لِلضَّرْبِ، وَالضَّرْبُ بِالسَّوْطِ مِنْ وَاحِدٍ إلَى ثَلَاثَةٍ ضَرْبَ إيلَامٍ فَقَطْ دُونَ تَأْثِيرٍ فِي الْعُضْوِ فَإِنْ لَمْ يُفِدْ زَادَ إلَى عَشْرٍ " قَالَ وَمَنْ نَاهَزَ الْحُلُمَ وَغَلَظَ حَلْقُهُ، وَلَمْ تَرْدَعْهُ الْعَشَرَةُ فَلَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ عَلَيْهَا. قال الحطاب الرعيني: (قُلْتُ:) الصَّوَابُ اعْتِبَارُ حَالِ الصِّبْيَانِ شَاهَدْتُ بَعْضَ مُعَلِّمِينَا الصَّالِحِينَ يَضْرِبُ الصَّبِيَّ فَوْقَ الْعِشْرِينَ وَأَزْيَدَ وَكَانَ مُعَلِّمُنَا يَضْرِبُ مَنْ عَظُمَ جُرْمُهُ بِالْعَصَا فِي سَطْحِ أَسْفَلِ رِجْلَيْهِ الْعِشْرِينَ وَأَكْثَرَ انْتَهَى. وَقَالَ الْجُزُولِيُّ يَضْرِبُونَ ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ عَلَى الظَّهْرِ مِنْ فَوْقِ الثَّوْبِ وَيَضْرِبُ تَحْتَ الْقَدَمِ عُرْيَانًا، وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَإِنْ زَادَ عَلَيْهَا كَانَ قِصَاصًا فَإِنْ نَشَأَ عَنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فَإِنْ كَانَ بِوَجْهٍ جَائِزٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَزِمَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُضْرَبُونَ عَلَى الصَّلَاةِ ثَلَاثَةَ أَسْوَاطٍ وَعَلَى الْأَلْوَاحِ خَمْسَةً وَعَلَى السَّبِّ سَبْعَةً وَعَلَى الْهَرَبِ عَشَرَةً وَيَكُونُ ذَلِكَ بِسَوْطٍ لَيِّنٍ انْتَهَى. زَادَ الشَّيْخُ يُوسُفُ بْنُ عُمَرَ فَإِنْ زَادَ اُقْتُصَّ مِنْهُ
القول الثالث: لا ينبغي الزيادة على عشر ضربات، لقوله : "لا يجلد فوق عشر جلدات، إلاَّ في حدٍ من حدود الله" رواه البخاري ومسلم وغيرهما، واللفظ للبخاري.
4) وقَيَّدُ الحنفية الضرب بأن يكون باليد لا بالعصا حيث قالوا : جَوَازَ ضَرْبِ الْوَلَدِ حَيْثُ لَزِمَ ضَرْبُهُ بِأَنْ يَكُونَ بِالْيَدِ فَقَطْ، لاَ بِغَيْرِهَا كَالْعَصَا وَالسَّوْطِ فَلاَ يَضْرِبُهُ الْوَلِيُّ والمعلم بِغَيْرِهَا مِنْ سَوْطٍ أَوْ عَصًا سواء كان على الصلاة أو غيرها قال ابن عابدين : (قَوْلُهُ: بِيَدٍ) أَيْ وَلَا يُجَاوِزُ الثَّلَاثَ، وَكَذَلِكَ الْمُعَلِّمُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَهَا «قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِمِرْدَاسٍ الْمُعَلِّمِ إيَّاكَ أَنْ تَضْرِبَ فَوْقَ الثَّلَاثِ، فَإِنَّك إذَا ضَرَبْت فَوْقَ الثَّلَاثِ اقْتَصَّ اللَّهُ مِنْك» ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُضْرَبُ بِالْعَصَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: لَا بِخَشَبَةٍ) أَيْ عَصًا، وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ بِيَدٍ أَنْ يُرَادَ بِالْخَشَبَةِ مَا هُوَ الْأَعَمُّ مِنْهَا وَمِنْ السَّوْطِ: (قَوْلُهُ: لِحَدِيثِ إلَخْ) اسْتِدْلَالٌ عَلَى الضَّرْبِ الْمُطْلَقِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا بِخَشَبَةٍ فَلِأَنَّ الضَّرْبَ بِهَا وَرَدَ فِي جِنَايَةِ الْمُكَلَّفِ. قال في مراقي الفلاح : وتضرب عليها بيد لا بخشبة ولا يزيد على ثلاث ضربات قال الطحطاوي : اعترض بأن الدليل أعم من المدعى وأجيب بأنه خص الضرب بغير الخشبة لقرينة وهو أن الضرب بها إنما ورد في جناية صدرت من مكلف ولا جناية من الصغير وقد ورد في بعض الآثار ما يدل عليه".
وقالت الْمَالِكِيَّة والشافعية يجوز بِغَيْرِ الْيَدِ
5) وقيد الشافعية الضرب بما إذا لم يترتب على ضربه ضياعه وهربه قالوا : ثُمَّ مَحَلُّ مَا ذَكَرَ مِنْ وُجُوبِ الضَّرْبِ مَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ هَرَبُهُ وَضَيَاعُهُ ، فَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ تَرَكَهُ.
6) نص الأحناف أنه لا يجوز ضرب الولد قبل أن يعقل عند بكائه قال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق : في مبحث جواز ضرب الزوج لزوجته : ويَنْبَغِي أَنْ يُلْحَقُ بِهِ مَا إذَا ضَرَبَتْ الْوَلَدَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ عِنْدَ بُكَائِهِ؛ لِأَنَّ ضَرْبَ الدَّابَّةِ إذَا كَانَ مَمْنُوعًا فَهَذَا أَوْلَى
سِنُّ (وجوبِ) التعليمِ على الولي للصبي للصلاة ونحوها :

وقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّ وُجُوبَ تَعْلِيمِ الصِّغَارِ يَبْدَأُ بَعْدَ اسْتِكْمَال سَبْعِ سِنِينَ، لِحَدِيثِ: مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: الظَّاهِرُ أَنَّ الْوُجُوبَ بَعْدَ اسْتِكْمَال السَّبْعِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْمَرَ بِجَمِيعِ الْمَأْمُورَاتِ وَيُنْهَى عَنْ جَمِيعِ الْمَنْهِيَّاتِ. وَقَال زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ نَقْلاً عَنِ النَّوَوِيِّ: يَجِبُ عَلَى الآْبَاءِ وَالأُْمَّهَاتِ تَعْلِيمُ أَوْلاَدِهِمُ الطَّهَارَةَ وَالصَّلاَةَ وَالشَّرَائِعَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ.

سن الضرب على الصلاة وما يتبعها :

قالت الحنفية والحنابلة بعد العشر أي في أول الحادية عشرة وقالت المالكية وجماعة من الشافعية عند الدخول في العشر أي في أثناء العشر وتفصيل ذلك :
وأنه قَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وُجُوبَ الأَْمْرِ بِهَا يَكُونُ بَعْدَ اسْتِكْمَال السَّبْعِ وَالأَْمْرَ بِالضَّرْبِ يَكُونُ بَعْدَ الْعَشْرِ بِأَنْ يَكُونَ الأَْمْرُ فِي أَوَّل الثَّامِنَةِ وَبِالضَّرْبِ فِي أَوَّل الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ الأَْمْرُ عِنْدَ الدُّخُول فِي السَّبْعِ وَالضَّرْبُ عِنْدَ الدُّخُول فِي الْعَشْرِ

واما الشافعية: فمنهم من قال في أثناء العشرولو في أول العشر ومنهم من قال بعد العشر قَال الرملي والخطيب الشِّرْبِينِيُّ والباجوري وعلي الشبراملسي وَصَحَّحَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْريِ : قالوا : وَيَنْبَغِي اعْتِمَادُهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مَظِنَّةُ الْبُلُوغِ. وَأَمَّا الأَْمْرُ بِهَا فَلاَ يَكُونُ إِلاَّ بَعْدَ تَمَامِ السَّبْعِ.
وقال ابن حجر : "عليها لعشر" أي بعد العشر لما صح من قوله : "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر
جواز الضرب قبل العشر:

نص كثير من العلماء على جواز الضرب للصبي والصبية قبل العشر إذا كان للتأديب لا للصلاة وقليل منهم نص على جواز الضرب للصلاة قبل ذلك :
· .قال في الدر المختار: وَفِي الْقُنْيَةِ: لَهُ إكْرَاهُ طِفْلِهِ عَلَى تَعَلُّمِ قُرْآنٍ وَأَدَبٍ وَعِلْمٍ لِفَرِيضَتِهِ عَلَى الْوَالِدَيْنِ .
· قال ابن عابدين : وَهَلْ يُضْرَبُ تَعْزِيرًا بِمُجَرَّدِ عَقْلِهِ أَوْ إذَا بَلَغَ عَشْرًا كَمَا فِي ضَرْبِهِ عَلَى الصَّلَاةِ؟ لَمْ أَرَهُ، نَعَمْ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْقُنْيَةِ: مُرَاهِقٌ شَتَمَ عَالِمًا فَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ. اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَاهَقَةَ غَيْرُ قَيْدٍ تَأَمَّلْ.
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي : ضرب الصغار وهم في سنٍ مبكرة، بحيث يكون الضرب قبل أن يكون عندهم نوع من التمييز؛ هذا لا يجوز، ولذلك جعل الشرع الضرب بعد التمييز، وإنما يكون الضرب إذا أخطأ الصبي أو الصبية وكان عندهما شيء من التمييز؛ لأن الصبيان يختلفون، يقول بعض العلماء: ربما ميز الصبي وهو في الخمس سنوات، وقد يميز وهو ابن ست سنوات، وهذا يرجع إلى قوة الذكاء وعلى حسب طبيعة الصّبي وقد يتأخر تمييزه إلى العاشرة؛ ولذلك إذا كنت تفهم أنه ميّز، وأنه لا بد من زجره، وأنه مسترسل في هذا السوء، أو في هذا الخطأ، فحينئذٍ يضرب الإنسان بقدر، وإنما هو اجتهاد ومرده إلى الوالد والوالدة، فليتق الله كلٌ منهما في هذه الطريقة.

قال بعض المعاصرين : والصحيح أنه لايُضرب الأبناءُ قبل العشرِ , وذلك في الصلاة فقط , وهو تأديب للصغار على الصلاة , بل قد وَرَد في بعض طرق الحديث ((وأدّبوهم عليها لعشر )) ، أمّا التأديب لغير الصلاة فجائز دون العشر و فوقها ، وقد ورَدَ أنَّ النبي (ص) ضرب الحسن عند ما أخذ تمرةً من تمر الصدقة وقال له (كِخْ كِخْ )قال ابن حجر فتح الباري ج3/ص355 (عن أبي هريرة قال كنا عند رسول الله وهو يقسم تمرا من تمر الصدقة والحسن في حجره أخرجه أحمد قوله فجعلها في فيه زاد أبو مسلم الكجي من طريق الربيع بن مسلم عن محمد بن زياد فلم يفطن له النبي حتى قام ولعابه يسيل فضرب النبي شدقه وفي رواية معمر فلما فرغ حمله على عاتقه فسال لعابه فرفع رأسه فإذا تمرة في فيه قوله كخ بفتح الكاف وكسرها وسكون المعجمة مثقلا ومخففا وبكسر الخاء منونة وغير منونة) [2].وقال أيضاً بعد حديث أبي هريرة (وفي الحديث ــ جواز إدخال الأطفال المساجد وتأديبهم بما ينفعهم ومنعهم مما يضرهم ومن تناول المحرمات وإن كانوا غير مكلفين ليتدربوا بذلك) الخلاصة : أن الصبي يضرب للتأديب قبل بلوغ العشر وبعدها , أمّا التأديب بالضرب للصلاة فلا يجوز إلا بعد العشر , وهو ضرب رياضة وتأديب , لأنه لم يكلّف بعد.
و قال بعض المعاصرين :
الظاهر أن هذا المفهوم غير معتبر (أي مفهوم أي أنه قبل العشر لا يجوز الضرب)، وذلك أن أمره بضربه إذا بلغ العشر من أجل أن الغالب فيمن دون العشر عدم العصيان وعدم المخالفة لأمر الوالدين ، بل الغالب على الابن في هذه السن تقليد والديه ، وذلك لكثرة خلطة الابن لوالده في هذه الفترة وعدم اختلاطه بالأجانب ، فإذا بلغ سن العاشرة فما دونها بدأ في مخالطة الأجانب فتأثر بأخلاقهم وتعلم منهم ، فلربما يكتسب من هذه الخلطة أخلاقا سيئة ، فأمر الشارع بتأديبه بالضرب حينئذ ، ثم إن هذا المفهوم معارض بعموم النصوص الكثيرة الآمرة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحسن تأديب الأبناء ورعايتهم من دون تفرقة بين بين السن العاشرة وما قبلها
في كتب الأحناف : (وَالْأَبُ يُعَزِّرُ الِابْنَ عَلَيْهِ) وَقَدَّمْنَا أَنَّ لِلْوَلِيِّ ضَرْبَ ابْنِ سَبْعٍ عَلَى الصَّلَاةِ
أهمية تعليم الأولاد في الصغر :

· فالطِّفْل كَمَا قَال الْغَزَالِيُّ أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ، وَقَلْبُهُ الطَّاهِرُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ سَاذَجَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ كُل نَقْشٍ وَصُورَةٍ، وَهُوَ قَابِلٌ لِكُل نَقْشٍ، وَقَابِلٌ لِكُل مَا يُمَال بِهِ إِلَيْهِ، فَإِنْ عُوِّدَ الْخَيْرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيْهِ، وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ، يُشَارِكُهُ فِي ثَوَابِهِ أَبَوَاهُ وَكُل مُعَلِّمٍ لَهُ وَمُؤَدِّبٍ، وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهْمِل إِهْمَال الْبَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ، وَكَانَ الْوِزْرُ فِي رَقَبَةِ الْقَيِّمِ عَلَيْهِ وَالْوَالِي لَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَال: مَا نَحَل وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَل مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ، وَقَال ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَدِّبِ ابْنَكَ فَإِنَّكَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ: مَاذَا أَدَّبْتَهُ، وَمَاذَا عَلَّمْتَهُ؟ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ بِرِّكَ وَطَوَاعِيَتِهِ لَكَ. بَل ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَسْأَل الْوَالِدَ عَنْ وَلَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَبْل أَنْ يَسْأَل الْوَلَدَ عَنْ وَالِدِهِ.
· قَال الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ:. وَمَهْمَا كَانَ الأَْبُ يَصُونُ وَلَدَهُ مِنْ نَارِ الدُّنْيَا فَيَنْبَغِي أَنْ يَصُونَهُ مِنْ نَارِ الآْخِرَةِ، وَهُوَ أَوْلَى،
الحقوق والواجبات على الصبي [3]:

· أ - حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى:
· أَمَّا الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ كَالصَّلاَةِ، فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ إِلاَّ أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِأَدَائِهَا فِي سِنِّ السَّابِعَةِ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا فِي سِنِّ الْعَاشِرَةِ
· وَأَمَّا الْعَقَائِدُ كَالإِْيمَانِ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَصِحُّ مِنَ الصَّبِيِّ، فَيُعْتَبَرُ إِيمَانُهُ؛ لأَِنَّهُ خَيْرٌ مَحْضٌ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فَقَالُوا: إِنَّ إِسْلاَمَهُ لاَ يَصِحُّ حَتَّى يَبْلُغَ؛ لِحَدِيثِ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ وَمِنْهَا عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ. . .
· وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِحُقُوقِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَحَدِّ السَّرِقَةِ وَغَيْرِهِ، فَإِنَّهَا لاَ تُقَامُ عَلَى الصَّبِيِّ، وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ.
· ب - حُقُوقُ الْعِبَادِ:
· 21 - أَمَّا الْمَالِيَّةُ مِنْهَا كَضَمَانِ الْمُتْلَفَاتِ وَأُجْرَةِ الأَْجِيرِ وَنَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَالأَْقَارِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّهَا تَجِبُ فِي مَالِهِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا هُوَ الْمَال، وَأَدَاؤُهُ يَحْتَمِل النِّيَابَةَ، فَيَصِحُّ لِلصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ أَدَاؤُهُ، فَإِنْ لَمْ يُؤَدِّهِ أَدَّاهُ وَلِيُّهُ.
· وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عُقُوبَةُ الْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ فِعْل الصَّبِيِّ لاَ يُوصَفُ بِالتَّقْصِيرِ، فَلاَ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْعُقُوبَةِ لِقُصُورِ مَعْنَى الْجِنَايَةِ فِي فِعْلِهِ، وَلَكِنْ تَجِبُ فِي فِعْلِهِ الدِّيَةُ؛ لأَِنَّهَا وَجَبَتْ لِعِصْمَةِ الْمَحَل، وَالصِّبَا لاَ يَنْفِي عِصْمَةَ الْمَحَل؛ وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ وُجُوبِهَا الْمَال، وَأَدَاؤُهُ قَابِلٌ لِلنِّيَابَةِ، وَوُجُوبُ الدِّيَةِ فِي مَالِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَى عَاقِلَتِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
· وَخَالَفَ الشَّافِعِيَّةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ فِي الْجِنَايَاتِ عَمْدٌ، فَتَغْلُظُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ، وَيُحْرَمُ إِرْثَ مَنْ قَتَلَهُ.
· أَمَّا تَصَرُّفَاتُهُ الْمَالِيَّةُ، فَفِيهَا تَفْصِيلٌ عَلَى النَّحْوِ الآْتِي: أ - مَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهِ الْبُلُوغُ:
· - التَّكْلِيفُ بِالْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ يُشْتَرَطُ لَهُ الْبُلُوغُ، وَلاَ تَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْبَالِغِ لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبُرَ. . . الْحَدِيثَ، وَذَلِكَ كَالصَّلاَةِ (3) وَالصَّوْمِ (4) وَالْحَجِّ (5) عَلَى أَنَّ فِي الزَّكَاةِ خِلاَفًا. وَمَعَ هَذَا يَنْبَغِي لِوَلِيِّ الصَّغِيرِ أَنْ يُجَنِّبَهُ الْمُحَرَّمَاتِ، وَأَنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا لِيَعْتَادَهَا، لِقَوْل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاَةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ. (1)وَمَعَ هَذَا إِذَا أَدَّاهَا الصَّغِيرُ، أَوْ فَعَل الْمُسْتَحَبَّاتِ تَصِحُّ مِنْهُ، وَيُؤْجَرُ عَلَيْهَا.
· وَلاَ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَالْحُدُودُ، كَحَدِّ السَّرِقَةِ (2) وَحَدِّ الْقَذْفِ (3) وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يُؤَدَّبَ.
· مَا يَجُوزُ فِيهِ التَّأْدِيبُ لِغَيْرِ الْحَاكِمِ.

المطلب الثاني : الضرب عند اهل التربية من المتقدمين والمعاصرين :
يتفق المعلمون على وجوب معاقبة المخطئ وردعه عند تكرار خطئه، ولكنهم يختلفون في مسألة العقاب البدني للتلميذ، وفي هذا ثلاثة أقوال لعلماء التربية :
القول الأول : يمنعون مطلقا ضرب الأولاد ويقولون : نرى عدم السماح للمعلم بمعاقبة الولد بدنياً مطلقاً.

ويستدلون بأن:

أ- هذا الأسلوب غير مجد،ويؤدي إلى حدوث أمراض نفسية لدى الطالب، وتجعل الطالب يتخوف من العلم لأدنى سبب،وكذلك هذا الأسلوب يدعو الطالب إلى الكذب للفرار من عقاب المعلم.

ب- ويستدلون بالأحاديث : مثل قول السيدة عائشة --: ما ضرب رسول الله - - أحداً قط بيده ولا أمره، ولا خادماً إلا أن يجاهد في سبيل الله» . رواه مسلم.
وعن أنس -- قال: خدمت رسول الله - -
عشر سنين، فما قال لي قط: أف، ولا قال لشيء فعلته: لم فعلته، ولا لشيء
لم أفعله: ألا فعلت كذا. متفق عليه.
وقال - - أيضاً: «إن الرفق لا يكون في شيء إلا
زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه» رواه مسلم.
وأجاب موسى لاشين عن هذه الأدلة بقوله : كثيراً ما كان رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يفعل ذلك، يترفع عما يتوهَّمُ منه شبهة ظلم، لهذا لم يضرب بيده – صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - امرأة ولا صبياً ولا خادماً مهما استدعى الأمر التأديب، مع أنَّ الضرب للتأديب جائز،
وقال ملا علي القاري فيي مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح :

5818 - وَعَنْهَا، قَالَتْ «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمُ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ
- - شَيْئًا أَيْ: آدَمِيًّا لِأَنَّهُ رُبَّمَا ضَرَبَ مَرْكُوبَهُ (قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، خُصَّا بِالذِّكْرِ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمَا، وَلِكَثْرَةِ وُقُوعِ ضَرْبِ هَذَيْنِ وَالِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، وَضَرْبُهُمَا وَإِنْ جَازَ بِشَرْطِهِ فَالْأَوْلَى تَرْكُهُ. قَالُوا بِخِلَافِ الْوَلَدِ، فَإِنَّ الْأَوْلَى تَأْدِيبُهُ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ ضَرْبَهُ لِمَصْلَحَةٍ تَعُودُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُنْدَبِ الْعَفْوُ بِخِلَافِ ضَرْبِ هَذَيْنِ، فَإِنَّهُ لِحَظِّ النَّفْسِ غَالِبًا فَنُدِبَ الْعَفْوُ عَنْهُمَا مُخَالَفَةً لِهَوَاهَا وَكَظْمًا لِغَيْظِهَا.



القول الثاني :يقولون لا بد من الضرب بإطلاق

يستدلون عليه : بأن إلغاء العقاب البدني بتاتاً له عواقب وخيمة:

· منها أن الطالب لا يأبه للمعلم، ولا يضع له اعتباراً، وبالتالي لن يلقي اهتماماً للعلم أي (للمادة الدراسية)

· وعملية إلغاء العقاب البدني ينشئ لنا جيلاً مستهتراً بالقيم والمثل والعلم.

القول الثالث : وهو رأي المحققين من علماء التربية وهو الذي تؤيده الأدلة الشرعية وكلام الفقهاء والمحدثين :

أن الضرب آخر الدواء فهو كالملح للطعام، إذا وضع في الطعام بكمية كبيرة فسد الطعام، وإن وضع بكمية قليلة فإنه يصلح الطعام، فالضرب لا يلجأ إليه إلا بعد استنفاد جميع وسائل التأديب ،فمن الخطأ الفادح التوجه للعقاب البدني مباشرة ومن الخطأ ترك الضرب مطلقا مع كل الأولاد لأن بعض الصغار لا ينفعهم الكلام والنصح ولا ينفعهم إلا الضرب، ولا يستقيم حالهم ولا يصلح أمرهم إلا بالعقوبة أو الخوف منها فلو أنهم تركوا بدون ضرب؛ لضيّعوا الأخلاق والآداب والواجبات والدروس ، ، فلابد من ضربهم ليعتادوا النظام، ويقوموا بما ينبغي أن يقوموا به، وإلا لصارت الأمور فوضى فمن فوائده ردع المعاقب عن العودة لسبب العقاب وقد شاهدنا نتائج إلغاء الضرب في المدارس أنه قد أثر على العملية التعليمية تأثيراً سلبياً إلى أن أصبح الطلاب يضربون المدرس والأب والأم وصفحات الحوادث في الصحف تسجل مثل هذه الوقائع فالوسائل البديلة للضرب لم تؤت ثمارها بل ازداد الأولاد عقوقا وإجراما ، ومن المشاهد أن الولد الذي يتسامح معه والداه يستمر في إزعاجهما، والعقاب يصحح السلوك والأخلاق فإن ضرب الولد يكون في بعض الأحيان أمرا مهما وتركه فيه مفسدة أكبر من مفسدة الضرب وهذا أمر واضح، وإن حصول بعض التجاوزات من بعض المعلمين بضرب الطالب ضرباً مبرحاً نتج عنه ضرر ـ لا يعني إلغاء الضرب نهائياً، لأن الذي فعله هذا المعلم قد خالف فيه القواعد المبيحة للضرب فمن المتفق عليه بين الفقهاء أنه لا يجوز التأديب بقصد الإتلاف ولا يجوز الضرب المبرج ، ومن وقع منه ذلك من المعلمين فإنه يتحمل المسؤولية ، فعقوبة الضرب في المدارس وفي التأديب بشكلٍ عام مهمة ، لأهميتها في إصلاح النفوس وتقول " رشا عاشور" مدرسة علم نفس بكلية الآداب جامعة القاهرة (( الأبحاث في مجال تربية الطفل تؤكد أنه يمكن استخدام العقاب كوسيلة لمنع سلوكيات الأبناء المرفوضة مثل العدوانية أي أن الأب يكون على حق إذا ضرب طفله ،ومعاقبته لمنعه من التصرفات الخطيرة مثل اللعب في أسلاك الكهرباء أو مفاتيح الغاز ونفس الحال يحق للمعلم معاقبة التلميذ الذي يعبث في المرافق أو أدوات التدريس الخاصة بالمدرسة أو ينتهكنظام الفصل"
فإذا كان الضرب بضوابطه الشرعية فلا يصلح إنكاره وتقبيحه إذا لم ينفع الرفق واللين، والرحمة؛ فإن التربية بالحكمة هي وضع الشيء في موضعه بإحكامٍ وإتقانٍ، بدون زيادة ولا نقصان؛ فإن المربِّي كالطبيب في معالجته للمرض والمرضى، فمن المرض ما يحتاج إلى حمية المريض عن بعض المأكولات، ومن المرض ما يحتاج إلى بعض الأدوية اليسيرة، ومن المرض ما يحتاج إلى كيٍّ بالنار عند الحاجة، ومن المرض ما يحتاج إلى عملية جراحية للمريض، إذا لم ينفع في علاجه غيرها، فتستخدم عند الحاجة إليها، بشرط الالتزام بالشروط والضوابط الشرعية التي ذكرت من قبل وستذكر مفصلة بعد قليل
ومما يؤيده مع ما سبق من الأدلة مجيء نصوص من الكتاب والسنة في التأديب بالقوة عند الحاجة ومن أهمها قول النبي: «مروا الصبي بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» ) وحسنه الأرناؤوط في تعليقه على المسند، 11/ 284.
قال في التوضح الذي شرحه الإمام السعد في التلويح:
(وَإِنَّمَا الضَّرْبُ لِلتَّأْدِيبِ) جَوَابُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: كَيْفَ يُضْرَبُ، وَالضَّرْبُ عُقُوبَةٌ، وَالصَّبِيُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا الضَّرْبَ لِلتَّأْدِيبِ، وَالصَّبِيُّ أَهْلٌ لِلتَّأْدِيبِ".
قال ملا حويش :
هذا على أن الإنسان قد يقسو أحيانا على شخص لمنفعته وأي منفعة أكبر من الهداية إلى الله، هذا والأمور بمقاصدها والأعمال بالنيات ، هذا وكون الرفق أكثر تأثيرا على الإطلاق غير مسلم لأن المقامات متفاوته يدلك على هذا إرشاده تعالى لنبيه صلّى الله عليه وسلم في دعاء قومه فمرة يقول له (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وتارة (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) وقال لقمان ضرب الوالد ولده كالسماد للزرع، وقد أجاز الشارع ضرب الولد للتعليم ولكفه عن المساويء، حتى ان اليتيم الذي أرضى الله به يجوز ضربه لهذه الغابة، لأن المنهي عنه الضرب عبثا أو عدوانا
وقال ابن خفاجه الأندلسي:
نبه وليدك من صباه بزجره ... فلربما أغضى هناك ذكاؤه
وانهره حتى تستهل دموعه ... في وجنتيه وتلتظي أحشاؤه
فالسيف لا يذكو لكفك ناره ... حتى يسيل بصفحتيه دماؤه
وقال أبو تمام:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من رحم
الضوابط الشرعية والتربوية للضرب :

الضرب مقيد بقيود وقد تكلم علماء المسلمين على موضوع الضرب وإباحة الضرب، وأحاطوه بشروط بالغة في الدقة؛ لأنه إذا لم تراع هذه الشروط خرج الضرب عن موضعه التربوي:
1) الشرط الأول : أن يكون ضرباً غير مبرح لأنه ليس من أهداف الضرب تشويه الطفل ، ولا يجوز أن يكون الضرب كثيرا متكررا لرجحان مفسدته حينئذ وضياع مصلحته لما يسببه الضرب المتكرر من بلادة الحس، وما يؤدي إليه من آثار نفسيه سيئة ، وليس الهدف من الضرب إهانة كرامته، ولا التحقير من شأنه، وإنما هو وسيلة بنَّاءة لا هدامة، هدفها الإصلاح وليس الإفساد فلا يجوز للأب أن يضرب أولاده ضرباً مبرحاً لأن النبي إنما أمر بضربهم لتأديبهم وتقويمهم لا لتعذيبهم وإيذائهم فالضرب المبرح غير جائز شرعا مع ما يسببه ذلك للأولاد من أذى نفسي ومعنوي قد يطول أثره ، قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي :
يقول بعض الحكماء: إن الإغراق في الضرب يجعل عند الصبي شيء من الجنون؛ لأنه لا يستطيع أن يركز، قد تكون عنده شهوة قوية وقد يكون عنده فضول، وقد يكون عنده شيء من التوجه النفسي الذي لا يُحسن فهمه، فينظر على أنه مجرم وأنه عاصٍ، فيعاقبُ فيصبح في تيه، يرى شدة العقوبة، ويرى نفسه تبعثه لا شعورياً إلى الشيء، فيصبح في تيه، وقد يتولد عنده شيء من النفاق بحيث إذا وجدت العقوبة امتنع، وإذا زالت العقوبة فعل، فالأمر يحتاج إلى شيءٍ من بعد النظر، يحتاج إلى شيءٍ من تقوى الله، ويحتاج إلى شيءٍ من الأخذ بالأسباب،" و قال بعض المعاصرين : القاعدة تقول أن العقاب الشديد في الصغر يسبب اهتزاز الشخصية في الكبر، وعدم النضج الانفعالي لذا سينعكس هذا على أسلوبه في معاملة الأخرين فيعاملهم بعنف شديد
2) الشرط الثاني : أن لا يضرب في مكان مهلك أو متلف كالرأس والمذاكير، والبطن، أو ما شابه ذلك ، أو يكسر عضوا أو يشوه الخلقة ، أو يكوي بالنار فهذا كله حرام ،
قال - "لا يعذب بالنار إلاَّ رب النار"وأن يتقي الوجه في الضرب. قال الرسول : «إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه») وذلك لأن الوجه هو أشرف الأعضاء في جسم الإنسان، وهو مكان التكريم، فالضرب على الوجه يبعث على الكراهية وحب الانتقام ، ولما فيه من محاسن الصورة و أعضاء خطيرة قد تتأذى للطفها وحساسيتها وفيه فقد يؤدي الضرب عليه إلى التشويه أو فقدان بعض الحواس فمن الخطأ ما يفعله بعض الآباء و المعلمين حين يرفسون بأرجلهم ونعالهم، وربما أصاب ذلك الرفس محلاً خطيراً أودى بحياة الطالب.
3) الشرط الثالث : أن يكون الضرب للتأديب وليس للانتقام والتشفي وإطفاء الغضب ، فيجب عدم ضرب الأولاد أثناء انفعالنا حتى لا يتحول الضرب إلى ضرب وحشي غير محسوس به من قبلنا. لأن الغضب قد يخرج صاحبه عن السيطرة على نفسه ولذلك يخطئ بعض الآباء و المعلمين عندما يضرب بعض الأبناء والطلاب وهو في حالة شدة الغضب ضرباً شديداً مبرحاً كالمنتقم لخطأ وقع فيه، فيظن الأب و المعلم أنه يؤدبه، وفي الحقيقة أنه ينتصر لنفسه ، وهل هذا إلا بدافع الغضب والانتصار للنفس وحظوظها، فالضرب ضرورة تربوية يلجأ إليها عند الاضطرار بعد استنفاد كل الوسائل ، والفشل في العلاج عن طريقها ، وعندما يضرب وهو غضبان يفرغ شحنة الانفعال التي أوجدها تصرف الطفل في قلبه، فهو من غيظه وشدة غضبه وانفعاله من تصرف الطفل يلجأ للضرب، فعليه أن يعالج نفسه لا الطفل، فهو يدمر الطفل؛ لأنه إذا ابتدأ بالضرب لا يرفع يديه حتى تنتهي الشحنة كلها! وهذا انحراف في الهدف التربوي؛ فلا يضرب الإنسان وهو غضبان. لأن هذا الأب الذي يضرب مثل هذا الضرب المبرح القاسي ليشفي غليله وغيظه لا يضربه بنية أنه يعالجه، بل يضربه بحثاً عن راحة نفسه، وقد قال النبي للرجل الذي استوصاه: (لا تغضب، قال: أوصني، قال: لا تغضب، قال: أوصني قال: لا تغضب) فكرر عليه هذه النصيحة.، وقد عقد الإمام النووي بابا في رياض الصالحين عنوانه : باب النهي عن تعذيب العَبْد والدابة والمرأة والولد بغير سبب شرعي أَوْ زائد عَلَى قدر الأدب.قَالَ الله تَعَالَى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً [النساء: 36] وأورد حديث أبي مسعود البدري رضِيَ اللَّه عنْهُ قَال: كُنْتُ أضْرِبُ غُلامَاً لِي بالسَّوطِ، فَسمِعْتُ صَوْتاً مِنْ خَلفي: "اعلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ" فَلَمْ أفْهَمْ الصَّوْتَ مِنَ الْغَضب، فَلَمَّا دنَا مِنِّي إِذَا هُو رسُولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم فَإذا هُو يَقُولُ: "اعلَمْ أَبَا مسْعُودٍ اعلَمْ أبا مسْعُودٍ" قال: فألقيت السوط من يدي, فقال: "اعلَمْ أَبَا مسْعُودٍ أنَّ اللَّه أقْدرُ علَيْكَ مِنْكَ عَلى هَذَا الغُلامِ" فَقُلْتُ: لا أضْربُ مملُوكاً بعْدَهُ أَبَداً." قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي : فإذا كان الوالد عصبياً فالأفضل أن يترك الأمر للوالدة إذا كانت حكيمةً عاقلة، إذا كان لا يأمن من نفسه أن يضرب أولاده برفق وبقدر، لكونه إذا ضرب أوجع وبالغ فيه، فحينئذٍ ينزع يديه؛ لأن مثله لا يصلح للتربية بهذا الأسلوب-أعني الضرب-، وهذا ينبه العلماء عليه في باب اتخاذ الأسباب؛ لأنه إذا كان منهياً عن ظلم ولده وضربه بالضرب المبرح الذي لا يتحمله، فلا يجوز له أن يتعاطى أسباب ذلك، فإذا غلط الولد وكل إلى أمه التربية، فيحاول أن يترك الأمر للوالدة هي التي تضرب إذا كانت حكيمة عاقلة، كذلك أيضاً الوالدة إذا كانت سيئة في أسلوب التربية، وتضرب بشدة، وتبالغ في استخدام هذا الأسلوب، هنا ينبغي على الوالد أن يتدخل، وأن يكف يدها، وأن يمنعها ويزجرها ويخوفها بالله " ،
؛ لأن الضرب شُرِعَ لحاجة، والقاعدة: أن ما شرع لحاجة يقدر بقدرها ، قال أحد الصحابة: (يا رسول الله! إن لي موالي آمرهم فيعصونني، وأنهاهم فيخالفونني، فأضربهم وأسبهم فماذا تأمرني: قال: إذا كان يوم القيامة نظر في أمرك وعصيانهم، وضربك لهم، ثم اقتص منك ومنهم، فتولى يبكي وقال: أشهدك يا رسول الله: أنهم أحرارٌ لوجه الله) و" يرى الدكتور " مصطفى عويس " أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية أن الضرب أحد وسائل التربية والتهذيب ويستدرك (( قبل أن نقر إباحته لابد أن يدرك الأب و الأم أن الضرب المقصود به هو الذي لا يترك آثارا نفسية أو جسديةفهو ليس وسيلة لتنفيس عقد الأباء في أبنائهم "فالأولاد يضربون لتأديبهم وليس لتعقيدهم ويجب ألا يزيد من مكابراتهم وعنادهم فليعلم العبد أن الله يحاسبه عن هذه الذرية التي وصفها الله بأنها ذرية ضعيفة، فهذا رجل مولى قوي ويستطيع أن يصبر ويتحمل ومع ذلك نهى النبي عن ضربه، فكيف بالأبناء والبنات الضعفاء - لابد أن يكون الهدف من ضرب الأولاد(إن لزم الأمر)علاجا لتصرفاتهم، وتأديبا لسلوكهم، لا علاجا لانفعالاتنا، وتفريغا لغضبنا؛ فنحن نضرب لنعلم لا لننتقم ، فمتى ما عادت هذه الوسيلة هدامة أو ترتب عليها فساد فقدت قيمتها ولا يلجأ إليها، فهذا أمر مهم. الضرب ضرورة تأديبية وليست انتقامية
4) الشرط الرابع : أن يستعمل معه قبل الضرب أساليب أخرى نترج فيها قبل أن ينتقل للضرب :
الأسلوب الأول :التربية بالحسنى : فمن ذلك : أسلوب الثواب والترغيب وهو الأسلوب التربوي الأجدى والأنفع مع الأولاد ؛ ومن أساليب التربية ، التربية بالثواب والتربية بالقدوة والتربية بالحكايات و التربية بالمواقف و التربية بالملاحظةوالتربية بالمناسبةو التربيةبضرب المثل الثواب، الثناء، الشكر، المحبة، والعطف، الاهتمام، كلها ترفد مصباً واحداً، وقد فطرت النفوس على حب من أحسن إليها، فطبيعة النفس البشرية تحب الثناء والشكر محبة اعتدال بدون زيادة ، لأن زيادة الثناء قد يؤدي إلى الرياء ، وجاءت كثير من النصوص تلبي هذه الحاجة الفطرية، إن الطفل يحب من يهتم به، ويعطف عليه، لأنه يريد معرفة ردود الفعل على ما يقوم به من أعمال في عقله؛ لتصبح في المستقبل علامات لسلوكه ، وتصرفاته، وكثير ممن انحرفوا بسبب فقدان هذا الاهتمام والمحبة، وآخرون يعملون أعمالاً لينالوا رضا مربيهم، والمربي يلاحظ هذا وذاك ويوجه ويساعد على التوازن، ألا نلاحظ كيف يغار الإخوة من المولود الجديد، وما ذلك إلا لشعورهم بأنه استأثر أو سوف يستأثر بالأبوين على حسابهم، ولذلك كان من هديه - - العدل بين الأبناء. ابتسامة رضىً من مرب ... أو مسحة رأس.. أو كلمة طيبة: جزاك الله خيراً، أحسنت، كل ذلك وسائل تفعل فعلها والتوسط في توزيعها، وتجديد أساليبها وطرقها شيء مطلوب، ورتابتها والإكثار منها يفقدها قوتها، .قال الشيخ مصطفى السباعي :أعن ولدك على برك بثلاثة أشياء: لطف معاملته، وجميل تنبيهه إلى زلاَّته، وحسن تنبيهه إلى واجباته واسلك في تربية ولدك طريق الترغيب قبل الترهيب ، والموعظة قبل التأنيب، والتأنيب قبل الضرب، وآخر الدواء الكي ، ويدل على رحمة الصبيان حَدِيث أنس «كَانَ رَسُول اله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم أرْحم النَّاس بِالنسَاء وَالصبيان»رَوَاهُ مُسلم بِلَفْظ «مَا رَأَيْت أحدا كَانَ أرْحم بالعيال من رَسُول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسلم» زَاد عَلّي بن عبد الْعَزِيز وَالْبَغوِيّ «وَالصبيان» .
أ- الأسلوب الثاني : النصح والإرشاد والتحذير من الفعل لأن البعض تؤثر فيه الكلمة والتوجيه فعلى المربي أن يرشد الطالب إلى الخطأ بالملاطفة أو بالإشارة وبالتوجيه والتحذير كما ثبت في الحديث عن عمر بن أبي سلمة قال: (كنت غلاماً في حجر الرسول وكانت يدي تطيش في الصحفة - تتحرك في وعاء الطعام فيأكل من عدة أماكن-فقال لي رسول الله : يا غلام سم الله وبكل بيمينك وكل مما يليك) رواه البخاري ومسلم ،قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي :
قال الحكماء: إن أفضل ما تكون التربية بالضرب والزجر إذا سبقه نذير؛ فأول ما يبتدئ الوالد والوالدة أن يأمرا الصَّبي أو الصَّبية أو ينهياهما عن الشيء، فإذا لم ينته الولد أو البنت بيّنا لهما سوء العاقبة، وقالوا له: هذا يضركما لا خير فيه؛ حتى يصبح امتناعهما عن تعقل من ذاتهما، لا يعود الولد بمجرد ما يُخطئ يُضرب، إنما أول ما يبتدئ أن يحذر الصَّبي ويقول له: لا تفعل كذا، فإذا انكف الحمد لله، فإذا فعل ثانية، يقول له: لا تفعل، هذا فيه كذا، فحينئذٍ إذا لم يمتنع من جهة أمر أبيه أو أمه، فإنه قد يمتنع من جهة الضرر الموجود في الشيء الذي يفعله فإذا لم يمتنع يقول له: لا تفعل، فإن فعلت سأضربك، فإذا قال له: إن فعلت سأضربك، ووعده أنه يضربه؛ فإنه إذا فعل يضربه ولا يتأخر؛ لأنه إذا وعده أن يضربه فجاء يريد أن يضربه فتعلق به، وقال: لا أعود فأخذته العاطفة فإن الولد سيفعل هذا ثانية، ويتكل على العاطفة، فقالوا: بمجرد أن يحذره بالضرب فإنه يضربه، فإذا ضربه أحس الابن أنه بمجرد تحذير الوالد أو الوالدة بالضرب بأنه سيقع ما وعدا به من العقوبة، لكن بعض العلماء يقول: لا ينبغي أن يبادر الوالدان بهذا الأسلوب؛ لأنه يعود الولد على اليأس والقنوط من رحمة الوالدين، بل ينبغي عليهما أن تكون عندهم مرونة، تختلف بحسب الأحوال، وما يكون من الصبي من الأخطاء، وأحوال الصبية والصبيان، فهذا صعب لا نستطيع أن نضع ضابطاً فيه؛ ولكن الأمر يرجع إلى اجتهاد الوالدين" .
، قال ملا علي القاري عند الحديث الذي فِي قِصَّةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ لَمَّا وَضَعَ التَّمْرَةَ فِي فِيهِ قَالَ لَهُ كِخْ كِخْ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي مَوْضِعِهِ" قال بدر الدين العيني في عمدة القاري شرح البخاري: وَفِيه: أَن الْأَطْفَال إِذا نهوا عَن الشَّيْء يجب أَن يعرفوا لأي شَيْء نهوا عَنهُ ليكونوا على علم إِذا جَاءَهُم أَوَان التَّكْلِيف. قال بعض المعاصرين : لا ينفع أن تظهر غضبك للطفل دون أن تشرح له الأسباب التي أدت إلى غضبك، أو تشيح عنه بوجهك، وتعرض عنه، أو تعاقبه وهو يقول لك: ماذا عملت؟ فتقول له: هكذا فقط! لا، الصواب أنك عندما تغضب من فعل أنك تعْلِمه بسبب هذا الغضب؛ لأنه لا يستطيع أن يقرأ أفكارك، ولم يصل بعد لمرحلة من النضج تؤهله لأن يفهم ما الخطأ الذي صدر منه؛ ففي هذه الحالة يجب أن يتفهم الطفل الأسباب التي أدت إلى غضب الوالدين.
ب- الأسلوب الثالث: نستخدم عقوبات أخرى غير الضرب قبله منها :
1. العبوس : أي عبوس الوجه وتقطيب الحاجبين للتعبير عن الاستياء ونظرة الغضب
2. الزجر و التوبيخ ويجوز للمربي أن يوبخ الطالب المخطئ بالكلام الهادئ أولاً ويجوز أن يعنفه بشدة.
3. عقاب الابن والطالب بغير الضرب كجلوس القرفصاء أو إيقافه مع رفع يديه أو تكليفه بواجبات منزلية أو يحرم من اللعب باللعبة التي يفضلها وهذا العقاب يسمى بالعقاب السلبي وهو أحسن أنواع العقاب المقبول وهو حرمانه من المثيرات التي يحبها الطفل ، ومثل عزل المخطئ وحيدا في غرفة خالية من ألعاب الترفيه ولكن ليست مخيفة حتى لا تسبب له أزمة نفسية أو حرمانه من التنزه أو ممارسة بعض الألعاب التي يحبها وكل ذلك بصورة مقننة
(المرحلة الأخيرة) الضرب بشروطه ولا يلجأ للضرب إلا حيث لا ينفع غيره فالضرب يكون بعد استنفاد جميع الوسائل ، فإذا لم تفلح هذه الأساليب ولم تأت بالثمرة المرجوة منها فحينئذ يجوز استعمال الضرب وسيلة من وسائل التربية وتقويم السلوك ،. فمن ضرب أولاده لتأديبهم ملتزماً بالضوابط المذكورة، فلا إثم عليه. فالأولاد الذين لا ينتفعون بالثواب ولا يحيدون عن خطئهم فيعاقبون بعقاب ملائماً للسلوك الخاطئ
فمثلا إذا كان الولد لا يقوم للصلاة إلا بالضرب بعد استيفاء جميع الوسائل السابقة فإنه يضربه ضرباً غير مبرح، ضرباً معتاداً؛ وأما الأولاد الذي تجدي فيهم الوسائل السابقة فليس للمربي أن يضربهم ويدلنا على ذلك ما قاله سبحانه في ضرب النساء واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فجعل الضرب في المرتبة الثالثة،
قال الشيخ الحجار في تعليقه على فتاوى النووي : فإفتاء المؤلف بجواز الضرب والخدمة من هذا القبيل؛ ولكن المصلحة تتفاوت على حسب الولد سنًا، وعلمًا، ومنزلة: فمنهم مَنْ تكفيه الإشارة، ومنهم من تكفيه العبارة، ومنهم من لا يأتي إلا بالعتب، ومنهم من لا ينزجر إلا بالعصا والتوبيخ.وصدق مَنْ قال:
العبد يُقرعُ بالعصا ... والحر تكفيه المقالة
وقال آخر:
تكفي اللبيبَ إشارةٌ مرموزةٌ ... وسواه يُدعى في النداء العالي
وسواهما بالزجر من قَبْلِ العصا ... ثم العصا هي رابعُ الأحوال
وقد لخص ما سبق الشيخ مصطفى السباعي قائلا :
لا تستعمل الضرب في تأديب ولدك إلا حين تخفق الموعظة والتأنيب، وليكن ضربك له ضرب تربية لا ضرب انتقام، وتجنَّب ضربه وأنت شديد الغضب منه، واحذر موطن الأذى من جسمه، وأشعره وأنت تضربه أنك لا تزال تحبُّه. وقلل ما استطعت من استعمال الضرب وسيلة للتأديب. ولأن يهابك ويحبك خير من أن يخافك ويكرهك. سبيل التربية الصحيح
اسلك في تربية ولدك طريق الترغيب قبل الترهيب، والموعظة قبل التأنيب، والتأنيب قبل الضرب، وآخر الدواء الكي.

5) الشرط الخامس في للضرب : أن يكون العقاب مساويا للذنب ويكون العقاب مناسبا للموقف أي حسب حجم الخطأ ، يروى عن النبي من حديث عبد الله بن بسر قال: (بعثتني أمي إلى رسول الله بقطف من عنب، فأكلت منه قبل أن أبلغه إياه، فلما جئت أخذ بأذني وقال: يا غدر يا غدر) يعني: ظهر له أنه أكل منه في الطريق، والحديث رواه ابن السني.الشاهد أن هذا فيه دليل على أن يفرك أذنه كعتاب خفيف على الخطأ الخفيف ، فإن كان الذنب أكبر تكون العقوبة أكبر ، وإذا لم يُجدِ معه هذا العقاب ننتقل إلى عقاب أقسى نوعاً ما.
6) الشرط السادس : أنه يجب أن يكون الثواب والعقاب بالتساوي بين كل الأولاد، لا أن يحاسب الكبير أكثر من الصغير؛ فقط لأنه أكبر سناً! ولا أن تعاقب البنت لأخطاء ترتكبها لا يُعاقَب على مثلها أخوها؛ فقط كونه ذكراً وهي أنثى قال الشيخ مصطفى السباعي : أخطر شيء على الأسرة أن يميِّز الأبوان بعض الأولاد على بعض في الحب والدلال والإغضاء عن الزلاّت، وأخطر من ذلك: أن يعلنا كرههما للواحد وحبهما للآخر، فتلك هي بذرة العداء بين الإخوة والأخوات، تثمر بعد رشدهم واستقلالهم بشؤون أنفسهم جفاء وخصومة قد ينتهيان إلى الجريمة.
ــــــــــــــــ
ومن القواعد المهمة في التعامل مع الأولاد:
1) أن لا نغلب جانب الحزم على اللين، ولا جانب اللين على الحزم، مع المحافظة على أن يكون الأصل في التعامل هو الرحمة واللين يرى الدكتور " عدلي السمري " أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة عين شمس أن الأم هي المدرسة الأولى التي يتربى فيها الأبناء حيث تغرس فيهم القيم والأخلاق النبيلة التي تكون شخصيتهم فهي يقع عليها العبء الأكبر في التربية فإذا كانت واعية ومدركة لمدى مسئوليتها وتأثيرها على الأجيال القادمة فسوف تتعامل مع أولادها بحكمة وتمسك العصا من النصف بمعنى أن لا تضربهم إلى أن يؤدي الضرب إلى عقد نفسية لديهم وأن لا تترك الحبل على الغارب كما يقولون فتتسبب بلا قصد في انحرافهم. وسطية التربية بين التدليل والقسوة
الإفراط في التدليل خطر، والإفراط في القسوة والحرمان أيضاً خطير على الطفل، الإفراط في التدليل يصنع من الطفل طاغية صغيراً، فالتعود على أن تشبع حاجاته حتى الحاجات الثانوية والتافهة خطأ، نعم هو طفل، وله احتياجاته الأساسية ولابد من شيء من التدليل والحنان وتحقيق رغباته؛ لكن بقدر متوسط، فتشبع احتياجاته الأساسية: الأكل والشرب والملابس إلى آخره، تشبع حاجاته الأساسية دون تدليل، وإلا فالطفل سوف تحوله أنت إلى طاغية صغير، ويصبح ملكاً غير متوج، والتاج ليس على رأسه إنما على رأس الأب، لكن في الحقيقة هو الآمر الناهي المتحكم في الآخرين.في الجانب الآخر: هناك إفراط في القسوة والحرمان أيضاً، وهذه في غاية الخطورة، الأب يريد أن يحول البيت إلى ثكنة عسكرية، أوامر ونواهٍ، ضابط وجندي، وكأنه في الجيش أو في الشرطة! لا يوجد تراحم أو مرونة، فموضوع الثكنة العسكرية وهذا يؤدي إلى أنه يحرم من فرصته في إثبات ذاته؛ لأن الإنسان في النظام العسكري ليس له إرادة، ولابد أن تسلب منه الإرادة حتى تسير الأمور في الحرب وفي غيرها، والأمور الإدارية والروتينية تحتم وجود ضابط وجندي، هذا يقرر والثاني ينفذ، لكن هذا الوضع في البيت سيحرم الطفل من فرصته في إثبات ذاته؛ لأنه يرى أنه يخنق نفسه ولا يحقق ذاته.الشاهد: أن تحويل البيت إلى مناخ ضابط وجندي يحرم فيه الطفل من إثبات ذاته، وتسد الطرق السوية التي يجب أن يسلكها لكي ينمو نمواً طبيعياً، فحينها ليس أمامه إلا المقاومة عن طريق المقاومة السلبية بالعناد أو التحدي، فلابد من ترك الطفل على تهيئته، وإعطائه مساحة من الحرية ومرونة وتدريب على التعاون؛ ليوجد تواصل، ويحصل التعاون بين الطرفين، ونستجيب أيضاً لطلباته المعقولة، ليس الحرمان لأجل الحرمان لا، لا بد من الطلبات المعقولة التي تجاب حتى لا يشعر بالقهر والظلم.
2) أن يتم تطبيقه عقب صدور السلوك المرفوض فورُا ،ولا ينتظر مده حتى يعاقب الطفل عليها.
3) أن يترك للطفل مساحة حرية فلا يكون الأب كالظل الذي لا يفارق الولد : قد يصل بعض الآباء إلى مستوى الوسوسة ويجعل كل همه طوال النهار هذا الطفل؛ بحجة أنه يريد أن يحسن تربيته، وإذا تكلم فإنه يعلق عليه ويوبخه، وإذا تصرف كان وراءه مثل الظل، فهذا كيف يتحمله ولده؟! فالشاهد أنه لابد من وجود مساحة حرية للطفل، وأحياناً كثيراً نتغاضى عن الأخطاء، بدون التعليق على كل خطأ والنقد لكل شيء ـ وهذا ما نص عليه الإمام الغزالي وابن مسكويه وغيرهم من قدماء علماء التربية من المسلمين وسيأتي كلامهم ـ لأنك بهذا تفقده الثقة بنفسه، فلابد من مساحة حرية للطفل تتيح لشخصيته أن تتبلور وتتكون ، فالكبت والقهر الدائم له آثاره. فسلوك الوالدين مع الطفل العنيد لابد أن يتسم بالحزم المرن المغلف بالحنان والحب والعاطفة، مع ترك مساحة حرية للطفل حتى تتكون شخصيته وينمو كما هي سنة الحياة ، فالرقابة المستمرة لا تنتهي، يحرص على التعليق على كل تصرف، والتوبيخ على كل سلوك، وهذا يؤدي إلى أنه يحرم من فرصته في إثبات ذاته؛ لأن الإنسان في النظام العسكري ليس له إرادة، ولابد أن تسلب منه الإرادة حتى تسير الأمور في الحرب وفي غيرها، والأمور الإدارية والروتينية تحتم وجود ضابط وجندي، هذا يقرر والثاني ينفذ، لكن هذا الوضع في البيت سيحرم الطفل من فرصته في إثبات ذاته؛ لأنه يرى أنه يخنق نفسه ولا يحقق ذاته.
4) أن لا تقيس تصرفاته بعلقلك أنت
الخطورة كل الخطورة أنك تقيس تصرفاته بعقلك أنت، فأنت وأنت صغير كنت ترتكب نفس الأخطاء، وهنا قاعدة مهمة بينها لنا بقوله : كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم قال ابن عاشور : وَهَذِهِ تَرْبِيَةٌ عَظِيمَةٌ، وَهِيَ أَنْ يَسْتَشْعِرَ الْإِنْسَانُ عِنْدَ مُؤَاخَذَتِهِ غَيْرَهُ أَحْوَالًا كَانَ هُوَ عَلَيْهَا تُسَاوِي أَحْوَالَ مَنْ يُؤَاخِذُهُ، كَمُؤَاخَذَةِ الْمُعَلِّمِ التِّلْمِيذَ بِسُوءٍ إِذَا لَمْ يُقَصِّرْ فِي إِعْمَالِ جُهْدِهِ. وَكَذَلِكَ هِيَ عَظِيمَة لِمَنْ يَمْتَحِنُونَ طَلَبَةَ الْعِلْمِ فَيَعْتَادُونَ التَّشْدِيدَ عَلَيْهِمْ وَتَطَلُّبَ عَثَرَاتِهِمْ، وَكَذَلِكَ وُلَاةُ الْأُمُورِ وَكِبَارُ الْمُوَظَّفِينَ فِي مُعَامَلَةِ مَنْ لِنَظَرِهِمْ مِنْ صِغَارِ الْمُوَظَّفِينَ، وَكَذَلِكَ الْآبَاءُ مَعَ أَبْنَائِهِمْ إِذَا بَلَغَتْ بِهِمُ الْحَمَاقَةُ أَنْ يَنْتَهِرُوهُمْ عَلَى اللَّعِبِ الْمُعْتَادِ أَوْ عَلَى الضَّجَرِ مِنَ الْآلَامِ.
نموذج وخطوات عملية للتربية :
نموذج للتربية : ولنا أن نرى التربية الإيجابية التي برئت من كل سلبية في حديث عمرو بن أبي سلمة قال: كنت غلاما في حجر النبي وكانت يدي تطيش في الصحفة فقال لي: "يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك" (4).
1. الخطأ السلوكي ظاهر: تطيش يد الغلام في الصحفة.2. الطفل علم بخطئه.
3. لم يضربه، لم يعنفه، لم يشتمه، لم يلمه.4. وجهه للصواب بأسلوب إيجابي مباشر يفهمه من في سنِّه.5. اختصر الخطاب إلى أقصى ما يمكن من الكلمات.
النتيجة :
1. لم يخجل أمام الآخرين (سلامة الصحة النفسية).2. لم يجرح بسبب سلوك لم يتعلمه مسبقا (العدالة في التربية).3. تقبل الغلام النصيحة (تعديل السلوك).
4. بقيت له منهجا طوال حياته، ونقلها إلينا .. (ثبات الأثر).5. لم يكرر الخطأ مرة أخرى (الاستقامة).هذه هي التربية الإيجابية، التي تركز على السلوك الذي يجب أن يتعلمه ويتدرب عليه الطفل والمراهق، لا الانصباب على الخطأ ذاته؛ حتى تتحول العلاقة بين المربي والمتربي إلى علاقة تصيد أخطاء، وخوف، وتوجس، وخجل، وانطواء، وربما إلى عدوانية. خمس خطوات للاتصال الفعال مع الأولاد؛ تحقق لنا التربية الإيجابية:
1. اربط علاقة تواصل بين عينيك وعيني ابنك؛ ولا تلتفت بوجهك عنه؛ فإن ذلك يوحي بقلة اهتمامك به.2. تواصل معه جسديا؛ من خلال لمسة حنان، وتشابك أيد، واحتضان، وتربيت على كتفيه؛ فإن ذلك يوطد العلاقة بينك وبينه، ويفتح نوافذ التواصل العاطفي معه، وأجهزة الاستقبال للرسائل التربوية الصادرة من المربي.3. علق على ما يقوله ابنك بشكل سريع مبديا تفهمك لما يقوله، من خلال حركة الرأس أو الوشوشة بنعم .. وهيه .. ونحوهما؛ مما يوحي لابنك بالطمأنينة إلى استماعك واهتمامك. 4. ابتسم باستمرار، ولا تنظر إلى الساعة، ولا تؤقت لكلامه.5. أوضح لابنك أنك تفهمه، وأعد بعض ما قال بأسلوبه هو، لتقلل من فرص حدوث الملل منه (1).
لعلنا نجد هذه الخطوات بكل وضوح في تعامل النبي مع الشباب؛ كما في الحديث المسلسل بالحب؛ كما عرف عند المحدثين؛ فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: "يَا مُعَاذُ! وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" (2). وفي رواية صحيحة في الأدب المفرد: "أن معاذ بن جبل قال للنبي : "وأنا والله أحبك".
1. تواصل معه جسديا؛ حين أخذ بيده.2. ناداه باسمه الذي يحبه.
3. أخبره بأنه يحبه، وأكد ذلك بـ (اليمين) و (إن)، و (اللام)، و (التكرار).
4. جاءت الاستجابة سريعة جدا من الشاب؛ بأن كشف عن عاطفته للمربي.
5. أعاد اسمه حين أراد تعليمه؛ لأن أجمل ما يستمع إليه الإنسان هو (اسمه).
6. علمه ما أراد من العلم، بعد أن فتح مغاليق نفسه، وقربه من قلبه.7. يلاحظ أن نسبة المادة الملقنة قليلة إزاء الجانب النفسي الذي ملأ به الرسول المربي إطار الموقف كله.
قال بعض المعاصرين : جدارة الطفل والمراهق أن يحاور:
عقدت هذا المحور نظرا لما أراه من مظاهر مجتمعية غير جيدة؛ مثل:
1. إخراج الطفل من مجالس الرجال.
2. عدم إعطاء الطفل فرصة الحديث أمام الكبار، وإسكاته أحيانا.
3. عدم استشارة المراهق؛ حتى فيما يعلم.
4. إقصاء شخصيتهما تماما في بعض البيوت، والإنابة عنهما حتى فيما يخصهما. بينما أجد أن السنة، تحث على عكس ذلك تماما؛ فمن الأمور التي ينبغي أن يحذقها الطفل والمراهق كذلك: الجرأة على طرح أفكاره، ويكون هذا بمجالسة العقلاء الكبار ليكبر عقله وينضج تفكيره؛ فمن الخطأ أن يمنع الصغير من حضور مجالس أهل الخبرة والتجربة، وقد مر عمرو بن العاص ـ ـ على حلقة من قريش فقال: "ما لكم قد طرحتم هذه الأغيلمة؟ لا تفعلوا! أوسعوا لهم في المجلس، وأسمعوهم الحديث، وأفهموهم إياه؛ فإنهم صغار قوم أوشك أن يكونوا كبار قوم، وقد كنتم صغار قوم فأنتم اليوم كبار قوم" (1). وهو ما صبَّه عروة بن الزبير في آذان أولاده حين قال لهم: "يا بنيَّ، اطلبوا العلم، فإن تكونوا صغار قوم لا يُحتاج إليكم، فعسى أن تكونوا كبار قوم آخرين لا يستغنى عنكم" (2).
معوقات الاتصال الفعال مع الأولاد (1):
1 - السباب.2 - السخرية.3 - اللوم والتوبيخ.4 - الصراخ5 - التوقع السلبي.
6 - المقارنة بالآخرين.7 - التهديد المستمر. "
ولعل من أبرز ما يحتاجه الوالدان من خصائص الاتصال الفعال مع الأولاد:
1. الهدوء في الحوار.2. الرفق في الحوار.3. تصحيح الخطأ بالحوار.4. تحين الفرص للحوار.5. قبول الحق ولو كان من صغير السن أثناء الحوار.6. المصارحة والتوجيه في الحوار.7. الاستشارة بما يناسب عمر الولد.8. توضيح المفاهيم المبهمة بالحوار معه.
9. غرس رقابة الله في نفسه بالحوار.10. مراعاة عنصر التشويق عند طرح الأسئلة الحوارية التي تشد الانتباه. سابعاً: أساليب عملية في التواصل الناجح:ابتعد عن الأوامر المباشرة:
فبدلا من أن تقول له: قم نم الآن.قل له: هل جاء وقت النوم؟ أو ما رأيك أن تنام الآن حتى تصحو مبكرا ونشيطا.
مقارنة بين أسلوبين في علاج مشكلة :
.لنأخذ مثلا (السرقة) وطرق علاجها:
الطريقة الأولى: أخذ التلميذ وضرب ضرباً شديداً حتى لا يعود لمثلها، وربما كان ذلك أمام أقرانه. ثم إذا حدثت أي سرقات في المستقبل يشيرون إليه،
ولو كان بريئاً وسمي من قبلهم سارقاً.
الطريقة التربوية في العلاج: يؤخذ الطالب ويبحث معه ومع أهله (إذا لزم الأمر) عن الأسباب الدافعة للسرقة، بتكتم ورفق. وأسباب السرقات عند الأطفال معروفة فهي إما عن حاجة أو عبث أو نكاية بزميله، أو غير ذلك، وإذا عرف السبب عولج الأمر من جذوره.
. ليست السيارة سوى مكان من أماكن كثيرة تحتوي فرصا للحوار الهادف البناء، الذي ينبغي أن تسود أجواؤه الحميمية علاقاتنا مع أولادنا؛ لنقطف ذلك نجاحا باهرا، وبرا وفيا .. حتى يأتي يوم يقول فيه الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ = 21 [سورة الطور 52/ 21].لحمة أسرية دائمة .. دنيا وأخرى بإذن الله تعالى.
المطلب الثالث : ذكر ملخص لاكبر علماء التربية من المسلمين :

رأي علماء التربية عند المسلمين :
رأي ابن سحنون في الضرب : 202هـ ومات سنة 256هـ
يورد ابن سحنون تحت هذا العنوان روايات تتضمن أقوالا للنبي تحدد مدى ما يجوز للمعلم في عقاب الصبيان وتأديبهم، منها قول النبي : "لا يضرب أحدكم أكثر من عشرة أسواط إلا في حد" وقوله : "أدب الصبي ثلاث درر فمن زاد عليه قوصص -من القصاص- يوم القيامة". وهذا يعني أن ضرب المعلم الصبي يجوز بين ثلاث درر ولا يزيد عن عشرة عند تأديبهم على اللعب والبطالة. ويكون التأديب بهدف منفعتهم لا بسبب غضب المؤدب. ويجب أن يكون التأديب على قدر الذنب دون إسراف. 5- لا يجوز للمعلم أن يضرب الصبي على رأسه أو وجهه ولا يجوز له أن يمنع من طعامه وشرابه إذا أرسل في طلبه. 16- يجب على المعلم أن يأمر الصبي بالصلاة إذا كان ابن سبع سنين ويضربه عليها إذا كان ابن عشر. وعليه أن يعلمهم الوضوء والصلاة لأنها من تمام دينهم, ويعلمهم أيضا سنن الصلاة، والابتهال إلى الله. 20- على المعلم أن يؤدب الصبيان إذا آذى بعضهم بعضا.
رأي القابسي : ولد بالقيروان سنة 324هـ "935م"

إن العقوبة مشروعة في الإسلام وجعل لنا في القصاص حياة. وقد أقر القابسي مبدأ عقاب الصبيان لكنه يترفق معهم تمشيا مع روح الإسلام التي تتسم بالرحمة والعفو. وينزل المعلم من الصبي منزلة الوالد، وطالبه بأن يكون رفيقا به عادلا في عقابه غير متشدد فيه. ومن الرفق ألا يبادر المعلم إلى العقاب إذا أخطأ الطفل وإنما ينبهه مرة بعد أخرى فإذا لم ينتصح لجأ إلى العقاب وقد نهى القابسي عن استخدام أسلوب الحرمان من الطعام والشراب في العقاب. بل طلب من المعلم أن يترفق بالصبيان فيأذن لهم بالانصراف إلى تناول الغذاء من طعام وشراب ثم يعودون. وهذا يعني أن الدراسة بالكتاب كانت تمتد إلى العصر. ونهى القابسي عن الانتقام في العقاب ولذا نهى المعلم عن ضرب الصبيان في حالة الغضب حتى لا يكون "ضرب أولاد المسلمين لراحة نفسه". وأشار القابسي إلى اتباع أسلوب الترغيب والترهيب في معاملة الصبيان فأقر الضرب كعقوبة إلا أنه اشترط لها شروطا من أهمها:
1- لا يوقع المعلم الضرب إلا على ذنب.
2- أن يكون العقاب على قدر الذنب.
3- أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث، ويستأذن ولي الأمر فيما زاد عن ذلك.
4- أن يقوم المعلم بالضرب بنفسه ولا يوكله لواحد من الصبيان.
5- أن يكون الضرب على الرجلين، ويتجنب الضرب على الوجه والرأس أو الأماكن الحساسة من الجسم.
6- أن تكون آلة الضرب هي الدرة والفلقة، ويجب أن يكون عود الدرة رطبا مأمونا. وهذه نفس الشروط تقريبا التي أشار إليها ابن سحنون من قبل.
ابن مسكويه : "320هـ-412هـ، 933م-1030م"

أكد ابن مسكويه في تربية النشء على أهمية الدين واعتبره دعامة قوية في هذه التربية لأنه حصن للشباب وغير عاصم لهم من الزلل والخطأ. وهو يرى أن تربية الصبي وتنشئته على الخلال الحميدة إنما تكون عن طريق العقل، وأن ظهور الحياء عليه دليل على بزوغ عقله وأنه أصبح يدرك القبيح والحسن ويميز بينهما. كما أنه يرى أن نفس الصبي مهيأة للإدراك والمعرفة. فهي أشبه بصفحة بيضاء ولم تنتقش بعد صورة ولا رأي لها وعزيمة تمليها من شيء إلى شيء. فإذا تفشت بصورة وقبلتها نشأت عليها واعتادتها ولهذا يرى ابن مسكويه أنه يجب أن نطبع في نفس الصبي القيم والمثل العليا والاعتزاز بالنفس والكرامة. كما يجب أن نطالب الصبي بحفظ جيد الأشعار ومحاسن الأخبار، وأن نجنبه سماع الأشعار السيئة ومرافقة أهل السوء. ويشير ابن مسكويه إلى ناحية تربوية هامة في التعامل مع الصبي وهي أن نمدحه على كل ما يظهر منه من خلق جميل وفعل حسن ونكافئه عليه وإن حدث منه مخالفة فالأولى ألا يوبخ عليها ولا يكاشف بها بل يتغافل عنها لا سيما إذا حاول إخفاءها. ذلك أنه إذا تعود على التوبيخ والمكاشفة حمله ذلك على الوقاحة وحرضه على معاودة ما كان قد استقبحه. وهان عليه سماع الملامة في ركوب القبائح التي تدعو إليها نفسه. وبالنسبة لأدب العلم والتعلم يقول ابن مسكويه إنه ينبغي أن يعود الصبي على خدمة نفسه ومعلمه وكل من كان أكبر منه. وأن يعود على طاعة والديه ومعلميه ومؤدبيه وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم. وفي تلقيه العلم من أستاذه عليه ألا يعترض ولا يسأل بل يكتفي في بداية أمره بالقبول حتى إذا بلغ في العلم شأنا يمكنه من معرفة الأسباب والعلل طالع الحكمة فوجدها موافقة لما تقدمت عادته به فاستحكم رأيه وقويت بصيرته ونفذت عزيمته.
وينبغي أن يؤذن للصبي في بعض الأوقات أن يلعب لعبا جميلا ليستريح إليه من تعب الأدب ولا يكون في لعبة ألم ولا تعب شديد وتعرض ابن مسكويه بتفصيل كبير إلى آداب الأكل والطعام. فأشار إلى عدة مبادئ هامة منها أن يوضح للنشء أن الأطعمة إنما تراد للصحة لا للذة أي أننا نأكل لنعيش ولا نعيش لنأكل. وهو مبدأ صحي وأخلاقي سليم فالأطعمة والأغذية شبيهة بالأدوية نداوي بها الجوع كما نداوي بالأدوية المرض. ومن مبادئ آداب الطعام أيضا أن يعلم الصبية إذا جلسوا مع غيرهم على مائدة الطعام ألا يبادروا إلى الطعام أولا، وألا يديموا النظر إلى أنواعه الموجودة. ولا ينبغي لهم أن يتسرعوا في الأكل أو يضخموا الكمية المتناولة. وينبغي عليهم أن يمضغوا الطعام جيدا ولا يبادروا ببلعه. ولا ينبغي للصبي أن يلطخ يده أو ثوبه بما يتناوله من طعام ألا يجعل غذاءه الرئيسي نهارا لأن ذلك يحمله على الكسل ويلجئه إلى النوم ويتبلد ذهنه وفهمه. وإنما يستوفي غذائه العشى لأن هذا أصح له وأنسب بعد عناء يومه. وينصح ابن مسكويه بمنع الصبي من الإكثار من أكل اللحم، وإن منع منه في أكثر أوقاته كان أنفع له حتى لا يتعود على الترف. أما الحلوى فيمنع منها البتة إن أمكن وإلا فليتناول القليل منها لأنها تستحيل في بدنه فتكثر انحلاله كما أنها تعوده على الشر والاستكثار من الأكل وبالنسبة إلى آداب اللباس يشير ابن مسكويه بألا يتزين الصبي بملابس النساء، ولا يلبس الخليع منها، ولا يفتخر على أقرانه بشيء من مأكله وملبسه ولا بما يملكه والده. ويجب أن يعود الصبي على التواضع وكرم المعاشرة وعدم الكذب وعدم الحلف باليمين البتة سواء كان صادقا أم كاذبا. ويجب أن يعود الصمت وقلة الكلام. ويمنع من خبيث الخلام ومن السب واللعن ولغو الكلام.
تنبيه : قد استفاد الإمام الغزالي من كتب ابن مسكويه وأخذ كثيرا منه في الإحياء
الماوردي :

4- الماوردي وآراؤه التربوية:
"364هـ-450هـ"
يروي الماوردي أن التأديب ضروري لأن النفس مجبولة على شيم مهملة وأخلاق مرسلة لا يستغنى محمودها عن التأديب والتهذيب. لأن النفس ربما جمحت عن الأفضل وهي به عارفة، ونفرت عن التأديب وهي له مستحسنة، لأنها عليه غير مطبوعة فتصير منه أنفر ولضده آثر. وقد قيل: ما أكثر من يعرف الحق ولا يطيعه. وإذا شرفت النفس كانت للآداب طالبة وفي الفضائل راغبة فإذا مازجها صارت طبعا ملائما. ويقول الماوردي إن الأدب مكتسب بالتجربة ومستحسن بالعادة. وقد روي عن النبي قوله: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
وهو يرى أن التأديب يلزم من وجهين أو جانبين. أحدهما ما يلزم الوالد لولده في صغره. والثاني ما يلزم الإنسان في نفسه عند نشأته وكبره يتناول الماوردي الكلام عن الشروط التي يجب أن تتوافر في طالب العلم ويورد تسعة شروط هي:
1- العقل الذي يدرك به حقائق الأمور.
2- الفطنة التي يتصور بها غوامض العلوم.
3- الذكاء الذي يستقر به حفظ ما تصوره وفهم ما علمه.
4- الشهوة أو الرغبة التي يدوم بها الطلب ولا يسرع إليها الملل.
5- الاكتفاء بمادة تغنيه عن تلقي الطلب.
6- الفراغ الذي يكون معه التوفر ويحصل به الاستكثار.
7- عدم القواطع "أي ما يسبب الانقطاع" المذهلة من هموم وأشغال وأمراض.
8- طول العمر واتساع المدة لينتهي بالاستكثار مراتب الكمال.
9- الظفر بعالم سمح بعلمه متأن في تعليمه.
ويقول الماوردي إن طالب العلم الذي استكمل هذه الشروط التسعة هو أسعد طالب وأنجح متعلم. . فينبغي أن يصرف للعلم حظا من زمانه. فليس كل الزمان اكتساب ولا بد للمكتسب من أوقات استراحة وأيام عطلة ومن آداب العلماء التي يذكرها الماوردي أيضا نصح من علموه والرفق بهم وتسهيل السبيل عليهم وبذل المجهود في مساعدتهم ومعونتهم.. ومن آدابهم أيضا ألا يعنفوا متعلما ولا يحقروا ناشئا ولا يستصغروا مبتدئا. فقد روي عن النبي قوله: "علموا ولا تعنفوا"، وقوله أيضا: "وقروا من تتعلمون منه ووقروا من تعلمونه". آداب رياضة النفس واستصلاحها:
الغزالي وآراؤه التربوية:

450هـ-555هـ، 1058م-1111م
الغاية من التربية هي التقرب إلى الله ، والدليل على ذلك طلب العلوم ومحاسن الأخلاق، وفي ذلك يقول: على المعلم أن ينبه المتعلم على أن الغرض من طلب العلوم هو التقرب إلى الله دون الرياسة والمباهاة.وغاية الأخلاق حب الله وحب لقائه والبعد عن الدنيا، وهو يقول: "مهما كان الأب يصون ولده من نار الدنيا فليصنه عن نار الآخرة أولى وصيانته أن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق".
تقسيم العلوم والمنهج التعليمي:
قسم الغزالي العلوم إلى أربعة أنواع:
- الأصول : وتشمل القرآن الحديث. –
الفروع: وتشمل الفقه.
- المقدمات : وتشمل ما لا غنى عنه في دراسة الأصول مثل النحو واللغة.
- المتممات : وتشمل القراءات والتفسير.
ـــــــــــــــــــــ
ومن حيث قيمة العلوم يقسمها الغزالي إلى:
- علوم مذموم قليلها وكثيرها: مثل علوم السحر والطالع والتنجيم لأنه لا يرجى نفع منها في الدنيا والآخرة.
- علوم محمود قليلها وكثيرها: وهي العلوم الدينية لأنها تطهر النفس وتقرب الإنسان من ربه.
- علوم قليلها وكثيرها مذموم : لأنها تشكك الإنسان مثل الفلسفة قد تؤدي إلى الإلحاد وهو هنا يحمل على الفلسفة التي ألف لها "تهافت الفلاسفة".
ومن حيث أهمية العلوم يقرر الغزالي أنها تقسم إلى نوعين:
- ما هو فرض عين على كل فرد وهي العلوم الدينية لأنها الأساس إلى معرفة الله وهي فرض على كل واحد.
- ما هو فرض كفاية وهي التي ليست مفروضة على كل فرد مثل علوم الحساب والطب والصناعات.
ويعتمد تقسيم علوم المنهج على نظرة الغزالي إلى أهمية العلوم. ويعتبر أن أساس معرفة العلوم يعتمد على عدة معايير أهمها:
1- مدى منفعة هذه العلوم للإنسان في حياته الدينية وتقربه من الله.
2- مدى منفعة هذه العلوم للإنسان من حيث خدمتها لعلوم الدين وهي علوم النحو واللغة.
3- مدى منفعة هذه العلوم للإنسان في حياته الدنيا مثل علم الطب والحساب والطبيعة.
4- مدى منفعة هذه العلوم للإنسان من تثقيفة واستمتاعه وتدخلها في حياته منهج الغزالي في تربية الطفل:
قال الإمام الغزالي :
· اعْلَمْ أَنَّ الطَّرِيقَ فِي رِيَاضَةِ الصِّبْيَانِ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ وَأَوْكَدِهَا والصبيان أَمَانَةٌ عِنْدَ وَالِدَيْهِ
· وَقَلْبُهُ الطَّاهِرُ جَوْهَرَةٌ نَفِيسَةٌ سَاذَجَةٌ خَالِيَةٌ عَنْ كُلِّ نَقْشٍ وَصُورَةٍ وَهُوَ قَابِلٌ لِكُلِّ مَا نُقِشَ وَمَائِلٌ إِلَى كُلِّ مَا يُمَالُ بِهِ إِلَيْهِ فَإِنْ عُوِّدَ الْخَيْرَ وَعُلِّمَهُ نَشَأَ عَلَيْهِ وَسَعِدَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وشاركه في ثوابه أبوه وَكُلُّ مُعَلِّمٍ لَهُ وَمُؤَدِّبٍ
· وَإِنْ عُوِّدَ الشَّرَّ وَأُهْمِلَ إِهْمَالَ الْبَهَائِمِ شَقِيَ وَهَلَكَ وَكَانَ الْوِزْرُ في رقبة القيم عليه والوالي له وقد قال الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً
· وَمَهْمَا كَانَ الْأَبُ يَصُونُهُ عَنْ نَارِ الدُّنْيَا فَبِأَنْ يَصُونَهُ عَنْ نَارِ الْآخِرَةِ أَوْلَى وَصِيَانَتُهُ بِأَنْ يُؤَدِّبَهُ وَيُهَذِّبَهُ وَيُعَلِّمَهُ مَحَاسِنَ الْأَخْلَاقِ وَيَحْفَظَهُ من القرناء السُّوءِ وَلَا يُعِوِّدُهُ التَّنَعُّمَ وَلَا يُحَبِّبُ إِلَيْهِ الزينة والرفاهية فَيَضِيعُ عُمْرُهُ فِي طَلَبِهَا إِذَا كَبِرَ فَيَهْلِكُ هَلَاكَ الْأَبَدِ
· بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُرَاقِبَهُ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ فَلَا يَسْتَعْمِلُ فِي حَضَانَتِهِ وَإِرْضَاعِهِ إلا امرأة متدينة تأكل الحلال فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه فإذا وقع عليه نشو الصبي انعجنت طينته من الخبيث فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث
· وَمَهْمَا رَأَى فِيهِ مَخَايِلَ التَّمْيِيزِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْسِنَ مُرَاقَبَتَهُ وَأَوَّلُ ذَلِكَ ظُهُورُ أَوَائِلِ الْحَيَاءِ فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ يَحْتَشِمُ وَيَسْتَحِي وَيَتْرُكُ بَعْضَ الْأَفْعَالِ فَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِإِشْرَاقِ نُورِ الْعَقْلِ عليه حتى يرى بعض الأشياء قبيحاً ومخالفاً للبعض فصار يستحي من شيء دون شيء وهذه هدية من الله تعالى إليه وبشارة تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب وهو مبشر بكمال العقل عند البلوغ فَالصَّبِيُّ الْمُسْتَحِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْمَلَ بَلْ يستعان على تأديبه بحيائه أو تمييزه
· وَأَوَّلُ مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ شَرَهُ الطَّعَامِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُؤَدَّبَ فِيهِ مِثْلُ أَنْ لَا يَأْخُذَ الطَّعَامَ إِلَّا بِيَمِينِهِ وَأَنْ يَقُولَ عَلَيْهِ بِسْمِ اللَّهِ عِنْدَ أَخْذِهِ وَأَنْ يَأْكُلَ مِمَّا يَلِيهِ وَأَنْ لَا يُبَادِرَ إِلَى الطَّعَامِ قبل غيره وأن لا يحدق النَّظَرِ إِلَيْهِ وَلَا إِلَى مَنْ يَأْكُلُ وَأَنْ لَا يُسْرِعَ فِي الْأَكْلِ وَأَنْ يُجِيدَ الْمَضْغَ وَأَنْ لَا يُوَالِيَ بَيْنَ اللُّقَمِ وَلَا يُلَطِّخَ يَدَهُ وَلَا ثَوْبَهُ وَأَنْ يُعَوَّدَ الْخُبْزَ الْقَفَارَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ حَتَّى لَا يَصِيرَ بِحَيْثُ يرى الأدم حتماً ويقبح عِنْدَهُ كَثْرَةُ الْأَكْلِ بِأَنْ يُشَبَّهَ كُلُّ مَنْ يُكْثِرُ الْأَكْلَ بِالْبَهَائِمِ وَبِأَنْ يُذَمَّ بَيْنَ يَدَيْهِ الصَّبِيُّ الَّذِي يُكْثِرُ الْأَكْلَ وَيُمْدَحُ عِنْدَهُ الصَّبِيُّ الْمُتَأَدِّبُ الْقَلِيلُ الْأَكْلِ وَأَنْ يُحَبَّبَ إِلَيْهِ الْإِيثَارُ بِالطَّعَامِ وَقِلَّةُ الْمُبَالَاةِ بِهِ وَالْقَنَاعَةُ بِالطَّعَامِ الْخَشِنِ أَيَّ طَعَامٍ كَانَ
· وَأَنْ يُحَبَّبَ إِلَيْهِ مِنَ الثياب البيض دون الملون والإبريسم وَيُقَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ النِّسَاءِ وَالْمُخَنَّثِينَ وَأَنَّ الرِّجَالَ يَسْتَنْكِفُونَ مِنْهُ وَيُكَرَّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ ومهما رأى على صبي ثوباً من إبريسم أو ملون فينبغي أن يستنكره ويذمه ويحفظ الصبي عَنِ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ عُوِّدُوا التَّنَعُّمَ وَالرَّفَاهِيَةَ وَلُبْسَ الثِّيَابِ الْفَاخِرَةِ وَعَنْ مُخَالَطَةِ كُلِّ مَنْ يُسْمِعُهُ مَا يُرَغِّبُهُ فِيهِ
· فَإِنَّ الصَّبِيَّ مَهْمَا أُهْمِلَ في ابتداء نشوه خَرَجَ فِي الْأَغْلَبِ رَدِيءَ الْأَخْلَاقِ كَذَّابًا حَسُودًا سروقا نماماً لحوحاً ذا فصول وَضَحِكٍ وَكِيَادٍ وَمَجَانَةٍ وَإِنَّمَا يُحْفَظُ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِحُسْنِ التَّأْدِيبِ
· ثُمَّ يَشْتَغِلُ فِي الْمَكْتَبِ فَيَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ وَأَحَادِيثَ الأخبار وَحِكَايَاتِ الْأَبْرَارِ وَأَحْوَالَهُمْ لِيَنْغَرِسَ فِي نَفْسِهِ حُبُّ الصالحين ويحفظ مِنَ الْأَشْعَارِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْعِشْقِ وَأَهْلِهِ ويحفظ من مخالطة الأدباء الذين يزعمون أن ذلك من الظرف ورقة الطبع فَإِنَّ ذَلِكَ يَغْرِسُ فِي قُلُوبِ الصِّبْيَانِ بَذْرَ الْفَسَادِ
· ثُمَّ مَهْمَا ظَهَرَ مِنَ الصَّبِيِّ خُلُقٌ جَمِيلٌ وَفِعْلٌ مَحْمُودٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُكْرَمَ عَلَيْهِ وَيُجَازَى عَلَيْهِ بِمَا يَفْرَحُ بِهِ وَيُمْدَحُ بَيْنَ أَظْهُرِ النَّاسِ فَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَغَافَلَ عَنْهُ وَلَا يَهْتِكَ سِتْرَهُ وَلَا يُكَاشِفَهُ وَلَا يُظْهِرَ له أنه يتصور أن يتجاسروا أَحَدٌ عَلَى مِثْلِهِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا سَتَرَهُ الصبي واجتهد في إخفائه فإن إظهار ذَلِكَ عَلَيْهِ رُبَّمَا يُفِيدُهُ جَسَارَةً حَتَّى لَا يُبَالِيَ بِالْمُكَاشَفَةِ فَعِنْدَ ذَلِكَ إِنْ عَادَ ثَانِيًا فينبغي أَنْ يُعَاتَبَ سِرًّا وَيُعَظَّمَ الْأَمْرُ فِيهِ وَيُقَالُ لَهُ إِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمِثْلِ هَذَا وَأَنْ يُطَّلَعَ عَلَيْكَ فِي مِثْلِ هَذَا فَتَفْتَضِحَ بَيْنَ النَّاسِ
· وَلَا تُكْثِرِ الْقَوْلَ عَلَيْهِ بِالْعِتَابِ فِي كُلِّ حِينٍ فَإِنَّهُ يَهُونُ عَلَيْهِ سَمَاعُ الْمَلَامَةِ وَرُكُوبُ الْقَبَائِحِ وَيَسْقُطُ وَقْعُ الْكَلَامِ من قلبه
· وليكن الأب حافظاً هيبة الْكَلَامِ مَعَهُ فَلَا يُوَبِّخُهُ إِلَّا أَحْيَانًا وَالْأُمُّ تُخَوِّفُهُ بِالْأَبِ وَتَزْجُرُهُ عَنِ الْقَبَائِحِ
· وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ عَنِ النَّوْمِ نَهَارًا فَإِنَّهُ يُورِثُ الْكَسَلَ وَلَا يُمْنَعَ مِنْهُ لَيْلًا وَلَكِنْ يُمْنَعُ الْفُرُشَ الوطيئة حتى تتصلب أعضاؤه ولا يسمن بدنه فلا يصبر عن التَّنَعُّمِ بَلْ يُعَوَّدُ الْخُشُونَةَ فِي الْمَفْرَشِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَطْعَمِ
· وَيَنْبَغِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ فِي خِفْيَةٍ فَإِنَّهُ لَا يُخْفِيهِ إِلَّا وهو يعتقد أنه قبيح فإذا ترك تعود فِعْلَ الْقَبِيحِ
· وَيُعَوَّدُ فِي بَعْضِ النَّهَارِ الْمَشْيَ وَالْحَرَكَةَ وَالرِّيَاضَةَ حَتَّى لَا يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْكَسَلُ
· وَيُعَوَّدُ أَنْ لَا يَكْشِفَ أَطْرَافَهُ وَلَا يُسْرِعَ المشي ولا يرخي يديه بل يضمها إلى صدره
· وَيُمْنَعُ مِنْ أَنْ يَفْتَخِرَ عَلَى أَقْرَانِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَمْلِكُهُ وَالِدَاهُ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ مَطَاعِمِهِ وملابسه أو لوحه ودواته بَلْ يُعَوَّدُ التَّوَاضُعَ وَالْإِكْرَامَ لِكُلِّ مَنْ عَاشَرَهُ وَالتَّلَطُّفَ فِي الْكَلَامِ مَعَهُمْ
· وَيُمْنَعُ مِنْ أَنْ يأخذ من الصبيان شيئاً بدا له حشمة إن كان من أولاد المحتشمين بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ الرِّفْعَةَ فِي الْإِعْطَاءِ لَا فِي الْأَخْذِ وَأَنَّ الْأَخْذَ لُؤْمٌ وَخِسَّةٌ وَدَنَاءَةٌ وإن كان من أولاد الفقراء فليعلم أن الطمع والأخذ مهانة وذلة وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ دَأْبِ الْكَلْبِ فَإِنَّهُ يُبَصْبِصُ فِي انْتِظَارِ لُقْمَةٍ وَالطَّمَعِ فِيهَا
· وَبِالْجُمْلَةِ يُقَبَّحُ إِلَى الصِّبْيَانِ حُبُّ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالطَّمَعِ فِيهِمَا وَيُحَذَّرُ مِنْهُمَا أَكْثَرُ مِمَّا يُحَذَّرُ مِنَ الْحَيَّاتِ والعقارب فإن آفة حب الذهب والفضة والطمع فيهما أَضَرُّ مِنْ آفَةِ السُّمُومِ عَلَى الصِّبْيَانِ بَلْ على الأكابر أَيْضًا
· وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّدَ أَنْ لَا يَبْصُقَ في مجلسه ولا يمتخط وَلَا يَتَثَاءَبَ بِحَضْرَةِ غَيْرِهِ وَلَا يَسْتَدْبِرَ غَيْرَهُ وَلَا يَضَعَ رِجْلًا عَلَى رِجْلٍ وَلَا يَضَعَ كَفَّهُ تَحْتَ ذَقْنِهِ وَلَا يَعْمِدَ رَأْسَهُ بِسَاعِدِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ دَلِيلُ الْكَسَلِ
· وَيُعَلَّمُ كَيْفِيَّةَ الْجُلُوسِ وَيُمْنَعُ كَثْرَةَ الْكَلَامِ وَيُبَيَّنُ لَهُ أَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى الْوَقَاحَةِ وَأَنَّهُ فِعْلُ أَبْنَاءِ اللِّئَامِ
· وَيُمْنَعُ الْيَمِينَ رَأْسًا صَادِقًا كَانَ أَوْ كَاذِبًا حتى لا يعتاد ذلك في الصغر ويمنع أن يبتديء بالكلام ويعود أن لا يتكلم إلا جواباً وبقدر السؤال وأن يحسن الِاسْتِمَاعِ مَهْمَا تَكَلَّمَ غَيْرُهُ مِمَّنْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا
· وَأَنْ يَقُومَ لِمَنْ فَوْقَهُ وَيُوَسِّعَ لَهُ الْمَكَانَ وَيَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْهِ
· وَيُمْنَعُ مِنْ لَغْوِ الْكَلَامِ وَفُحْشِهِ وَمِنَ اللَّعْنِ وَالسَّبِّ وَمِنْ مُخَالَطَةِ مَنْ يَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَسْرِي لَا مَحَالَةَ مِنْ القرناء السُّوءِ وَأَصْلُ تَأْدِيبِ الصِّبْيَانِ الْحِفْظُ مِنْ قُرَنَاءِ السوء
· وينبغي إذا ضربه المعلم أن لا يكثر الصراخ والشغب ولا يستشفع بأحد بل يصبر ويذكر له أن ذلك دأب الشجعان والرجال وأن كثرة الصراخ دأب المماليك والنسوان
· وَيَنْبَغِي أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ بَعْدَ الِانْصِرَافِ مِنِ الْكُتَّابِ أَنْ يَلْعَبَ لَعِبًا جَمِيلًا يَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ من تعب المكتب بحيث لا يتعب في اللعب فَإِنَّ مَنْعَ الصَّبِيِّ مِنَ اللَّعِبِ وَإِرْهَاقَهُ إِلَى التَّعَلُّمِ دَائِمًا يُمِيتُ قَلْبَهُ وَيُبْطِلُ ذَكَاءَهُ وَيُنَغِّصُ عَلَيْهِ الْعَيْشَ حَتَّى يَطْلُبَ الْحِيلَةَ فِي الْخَلَاصِ مِنْهُ رَأْسًا
· وَيَنْبَغِي أَنْ يُعَلَّمَ طَاعَةَ وَالِدَيْهِ ومعلمه ومؤدبه ومن هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا مِنْ قَرِيبٍ وَأَجْنَبِيٍّ وَأَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِمْ بِعَيْنِ الْجَلَالَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَأَنْ يَتْرُكَ اللَّعِبَ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
· وَمَهْمَا بَلَغَ سِنَّ التمييز فينبغي أَنْ لَا يُسَامَحَ فِي تَرْكِ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان
· ويجنب لبس الديباج والحرير والذهب وَيُعَلَّمُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ حُدُودِ الشَّرْعِ
· وَيُخَوَّفُ مِنَ السَّرِقَةِ وَأَكْلِ الْحَرَامِ وَمِنَ الخيانة والكذب والفحش وكل ما يغلب على الصبيان فإذا وقع نشوه كَذَلِكَ فِي الصِّبَا فَمَهْمَا قَارَبَ الْبُلُوغَ أَمْكَنَ أن يعرف أسرار هذه الأمور:
· فيذكر له أن الأطعمة أدوية وإنما المقصود منها أن يقوى الإنسان بها على طاعة الله وإن الدنيا كلها لا أصل لها إذ لا بقاء لها وإن الموت يقطع نعيمها وأنها دار ممر لا دار مقر وأن الآخرة دار مقر لا دار ممر وأن الموت منتظر في كل ساعة وأن الكيس العاقل من تزود من الدنيا للآخرة حتى تعظم درجته عند الله تعالى ويتسع نعيمه في الجنان فإذا كان النشو صالحاً كان هذا الكلام عند البلوغ واقعاً مؤثراُ ناجعاً يثبت في قلبه كما يثبت النقش في الحجر
· وإن وقع النشو بخلاف ذلك حتى ألف الصبي اللعب والفحش والوقاحة وشره الطعام واللباس والتزين والتفاخر نبا قبله عن قبول الحق نبوة الحائط عن التراب اليابس
· فأوائل الأمور هي التي ينبغي أن تراعى فإن الصبي بجوهره خلق قابلاً للخير والشر جميعاً وإنما أبواه يميلان به إلى أحد الجانبين قال كل مولود يولد على الْفِطْرَةِ وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يمجسانه (1) قال سهل بن عبد الله التستري كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوماً ألا تذكر الله الذي خلقك فقلت كيف أذكره قال قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرك به لسانك الله معي الله ناظر إلي الله شاهدي فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته فقال قل في كل ليلة سبعة مرات فقلت ذلك ثم أعلمته فقال قل ذلك كل ليلة إحدى عشر مرة فقلته فوقع في قلبي حلاوته فلما كان بعد سنة قال لي خالي احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة فلم أزل على ذلك سنين فوجدت لذلك حلاوة في سري ثم قال لي خالي يوماً يا سهل من كان الله معه وناظراً إليه وشاهده أيعصيه إياك والمعصية فكنت أخلو بنفسي فبعثوا بي إلى المكتب فقلت إني لأخشى أن يتفرق على همي ولكن شارطوا المعلم أني أذهب إليه ساعة فأتعلم ثم أرجع فمضيت إلى الكتاب فتعلمت القرآن وحفظته وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين وكنت أصوم الدهر وقوتي من خبز الشعير اثنتي عشرة سنة فوقعت لي مسألة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة فسألت أهلي أن يبعثوني إلى أهل البصرة لأسأل عنها فأتيت البصرة فسألت علماءها فلم يشف أحد عني شيئاً فخرجت إلى عبادان إلى رجل يعرف بأبي حبيب حمزة بن أبي عبد الله العباداني فسألته عنها فأجابني فأقمت عنده مدة أنتفع بكلامه وأتأدب بآدابه ثم رجعت إلى تستر فجعلت قوتي اقتصاداً على أن يشترى لي بدرهم من الشعير الفرق فيطحن ويخبز لي فأفطر عند السحر على أوقية كل ليلة بحنا من غير ملح ولا أدم فكان يكفيني ذلك الدرهم سنة ثم عزمت على أن أطوي ثلاث ليال ثم أفطر ليلة ثم خمساً ثم سبعاً ثم خمساً وعشرين ليلة فكنت على ذلك عشرين سنة ثم خرجت أسيح في الأرض سنين ثم رجعت إلى تستر وكنت أقوم الليل كله ما شاء الله تعالى قال أحمد فما رأيته أكل الملح حتى لقي الله تعالى
وقال الإمام الغزالي : الفصل الثاني في وجه التدريج إلى الإرشاد وترتيب درجات الاعتقاد

اعلم أن ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يقدم إلى الصبي في أول نشوه ليحفظه حفظاً ثم لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئاً فشيئاً فابتداؤه الحفظ ثم الفهم ثم الاعتقاد والإيقان والتصديق به وذلك مما يحصل في الصبي بغير برهان
فمن فضل الله سبحانه على قلب الإنسان أن شرحه في أول نشوه للإيمان من غير حاجة إلى حجة وبرهان وكيف ينكر ذلك وجميع عقائد العوام مباديها التلقين المجرد والتقليد المحض نعم يكون الاعتقاد الحاصل بمجرد التقليد غير خال عن نوع من الضعف في الابتداء على معنى أنه يقبل الإزالة بنقيضه لو ألقى إليه فلا بد من تقويته وإثباته في نفس الصبي والعامي حتى يترسخ ولا يتزلزل
وليس الطريق في تقويته وإثباته إن يعلم صنعة الجدل والكلام بل يشتغل بتلاوة القرآن وتفسيره وقراءة الحديث ومعانيه
ويشتغل بوظائف العبادات فلا يزال اعتقاده يزداد رسوخاً بما يقرع سمعه من أدلة القرآن وحججه وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها وبما يسري إليه من مشاهدة الصالحين ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيآتهم في الخضوع لله والخوف منه والاستكانة له فيكون أول التلقين كإلقاء بذر في الصدر وتكون هذه الأسباب كالسقي والتربية له حتى ينمو ذلك البذر يقوى ويرتفع شجرة طيبة راسخة أصلها ثابت وفرعها في السماء
وينبغي أن يحرس سمعه من الجدل والكلام غاية الحراسة فإن ما يشوشه الجدل أكثر مما يمهده وما يفسده أكثر مما يصلحه بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب الشجرة بالمدقة من الحديد رجاء تقويتها بأن تكثر أجزاؤها وربما يفتتها ذلك ويفسدها وهو الأغلب
والمشاهدة تكفيك في هذا بياناً فناهيك بالعيان برهاناً
قال في كتاب التربية الإسلامية أصولها ومنهجها ومعلمها

المؤلف: عاطف السيد
· وعلى الأهل والآباء أن يمتدحوا في الصبي كل ما يبدو منه من فعل جميل وخلق نبيل وسلوك حسن وأن يكرموه ويكافئوه عليه.
· وفي حالة الخطأ أو التقصير لا يجب أن يكاشف به ولا يوبخ عليه ويتغافل عنه لا سيما إذا حاول الصبي إخفاءه وستره لأنه عندئذ يكون قد أحس بخطئه ولهذا تترك له الفرصة لتقويم نفسه بنفسه؟ فإن عاد إلى ذلك وكرره أو لم يحاول إخفاءه وجب توجيهه وإرشاده بطريقة غير مباشرة.
· ولا يجب أن يستخدم التأديب أو اللوم أو التقريع أو الضرب لتأديب الصبي لأن ذلك يسبب له بلادة الحس وينمي في نفسه نزعة التمرد والعصيان.
· ويكون استخدام مثل هذه العقوبات بقدر يسير دون زيادة في الألم في حالة الضرورة وفي نهاية المطاف على طريقة العرب في العلاج والتي يحددها القول المعروف "آخر العلاج الكي"
· قال ابن خلدون : الشدة مضرة بالمتعلمين:
يكرر ابن خلدون ما أكده سابقوه من الرفق بالمتعلم لأن الشدة مضرة به، وقد بين ضرر الشدة على المتعلم وما يترتب عليه من آثار ضارة فتسلمه إلى التبلد والكذب والخبث. ويقول ابن خلدون ":"ومن أحسن مذاهب ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الأمين فقال: "يا أحمد إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه. فصير يدك عليه مبسوطة، وطاعته لك واجبة، فكن له حيث وضعك أمير المؤمنين. أقرئه القرآن وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، واخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم إذا دخلوا عليه، ورفع مجلس القواد إذا حضروا مجلسه، ولا تمر بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدة تفيده إياها، من غير أن تحزنه فتميت ذهنه ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه. وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة. أهل الحسبة ورعاية المصالح العامة والتعليم:
4- الضرب على أيدي المعلمين في المكاتب وغيرهم لمبالغتهم في ضرب الصبيان المتعلمين.
يبين ابن مسكويه أثر الدين في أخلاق الصبيان فيقول:
"والشريعة هي التي تقوم الأحداث وتعودهم الأفعال المرضية وتعد نفوسهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل والبلوغ إلى السعادة الإنسانية". "وعلى الوالدين أخذهم بها وبسائر الآداب الجميلة بضروب السياسات من الضرب إذا دعت إليه الحاجة أو التوبيخات أو الإطماع في الكرامات أو غيرها مما يميلون إليه من الراحات أو يحذرونه من العقوبات، حتى إذا تعودوا ذلك واستمروا عليه مدة من الزمان كثيرة أمكن فيهم حينئذ أن يعلموا براهين ما أخذوه تقليدا". ويقول ابن الجزار القيرواني عالم القرن الثالث الهجري "التاسع الميلادي" في كتابه سياسة الصبيان وتدبيرهم: أن يؤخذ الصبيان بالأدب منذ الصغر لأنهم أسلس قيادة وأحسن مواتاة وقبولا. فإن قال لنا قائل: قد نجد من الصبيان من يقبل الأدب قبولا سهلا، ونجد منهم من هو كثير الحياء ونجد منهم من يعني بما يعلمه ويتعلمه بجد واجتهاد ونجد من هو يمل التعليم ويبغضه، وقد نجد أيضا ذوي العناية منهم وذوي العلم من إذا مدح تعلم علما كثيرا. ومنهم من يتعلم إذا عاتبه المعلم ووبخه، ومنهم من لا يتعلم إلا للخوف من الضرب. وكذلك نجد اختلافا كثيرا ومطردا في الذين يملون التعليم ويبغضونه.
ويبدو أن ابن الجزار يأخذ في تربية الأطفال بمبدأ الطبع من التطبع أي أن طبائع الأطفال إنما تكون بتطبعهم وتربيتهم، وهذا مبدأ إسلامي سليم، ويتمشى ابن الجزار أيضا مع المبدأ الإسلامي في تربية الطفل بأن آخر العقاب الضرب بعد أن تفشل الوسائل الأخرى مثل الترغيب والترهيب.
تؤكد التربية الإسلامية على ضرورة احترام الطفل واحترام شخصيته وعدم التقليل من شأنه لصغره. كما يجب معاملته باللطف واللين، ومن الشواهد على ذلك: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا مر على الصبيان سلم عليهم، واقتدى صحابته به في ذلك. وفي حديث النبي : "ليس منا من لا يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا" وكان النبي يلاطف الأطفال ويمازحهم ليدخل السرور على قلوبهم كما كان يهش ويبش في وجوههم. ويروى أن أناسا من الأعراب قدموا على الرسول فقالوا: أتقبلون صبيانكم؟ قال: "نعم" قالوا: لكنا والله ما نقبل: قال صلى الله عليه سلم: "أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلوبكم" وقال : "من كان له صبي فليتصاب له". من الاعتبارات الإسلامية الهامة في معاملة الصبي الرفق به، وعلى المعلم أن يترفق بتلاميذه ولا يتشدد معهم. ومن حسن رعايته لهم أن يكون بهم رفيقا وعليه أن يجريهم منه مجرى بنيه. وإذا ما أخطأ الصبي منتهكا الطريق السوي راضه المعلم مبينا له السبيل التي ينبغي سلوكها وأول سبل الرياضة الإفهام والتنبيه. يقول ابن مسكويه:
"وإذا أخطأ الصبي فأولى ألا يوبخ عليه ولا يكاشف بأنه أقدم عليه بل ويتغافل عنه تغافل من لا يخطر بباله أنه قد تجاسر على مثله ولا هم به ولا سيما إن ستره الصبي واجتهد في أن يخفي ما فعله عن الناس". "فإن عاد فليوبخ عليه سرا ... ويحذر من معاودته فإنك إذا عودته التوبيخ والمكاشفة حملته على الوقاحة وحرضته على معاودة ما كان استقبحه وهان عليه سمع الملامة". "والذنب الأول الذي يرتكبه الصبي يعفى عنه والثاني يعاتب عليه عتابا غير مباشر كأن يقال له: إن فعل كذا وكذا قبيح والثالث يعاتب عتابا مباشرا. فإن عاد إلى ذلك ضرب ضربا خفيفا. فإذا استعمل المعلم هذه الطرق ولم ينته الصبي فعليه أن يتركه مدة ثم يعود إليه بنفس الطرق".
الشدة مضرة بالمتعلم:
عقد ابن خلدون فصلا في مقدمته عن الشدة على المتعلمين وأنها مضرة بهم قال فيه: "إن إرهاق الجسد في التعليم يضر بالمتعلم ولا سيما في أصاغر الولد لأن من كان مرباه بالعنف والقهر من المتعلمين ذهب نشاط نفسه ودعاء ذلك إلى الكسل وحمله على الكذب والتظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه. وربما صارت له هذه عادة وخلقا فتفسد معاني الإنسانية عنده وتكسل نفسه عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل".
ضرورة المدح والتشجيع: آخر العقاب الضرب:
إن العقوبة مشروعة في الإسلام وجعل الله لنا في القصاص حياة. وقد أقر المربون المسلمون مبدأ عقاب الصبيان، لكنهم اشترطوا الرفق بهم تمشيا مع روح الإسلام التي تتسم بالرحمة والعفو. كما أن منزلة المعلم من الصبي هي منزلة الوالد. وهو مطالب أن يكون رفيقا به عادلا في عقابه غير متشدد فيه، ومن الرفق ألا يبادر المعلم إلى العقاب إلا إذا أخطأ الطفل، وإنما ينبهه مرة بعد أخرى فإذا لم ينتصح لجأ إلى العقاب. وقد نهى المربون المسلمون عن استخدام أسلوب الحرمان من الطعام والشراب في العقاب، لما له من أثر على صحة الطفل في هذه المرحلة، ونهوا المعلم عن الانتقام في العقاب، وضرب الصبيان في حالة الغضب حتى لا يكون "ضرب أولاد المسلمين لراحة نفسه". وأشاروا إلى اتباع أسلوب الترغيب والترهيب في معاملة الصبيان. فأقروا الضرب كعقوبة إلا أنهم اشترطوا لها شروطا من أهمها:
2- لا يجوز ضرب الطلاب الذين تقدمت أعمارهم.
3- ألا يوقع المعلم الضرب إلا على ذنب وللضرورة القصوى ولا يكثر فيه.
4- أن يكون العقاب على قدر الذنب لا للتشفي.
5- أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث، ويستأذن ولي الأمر فيما زاد عن ذلك.
6- أن يقوم المعلم بالضرب بنفسه ولا يوكله لواحد من الصبيان.
7- أن يكون الضرب على الرجلين ويتجنب الضرب على الوجه والرأس أو الأماكن الحساسة من الجسم.
8- أن تكون آلة الضرب هي الدرة أو الفلقة، ويجب أن يكون عود الدرة رطبا مأمونا.
والفلقة:
كانت الدرة والفلقة من عدة المعلم يستخدمها في عقاب المقصرين من تلاميذه. ولكن الضرب بالدرة والفلقة كان لا يستخدم عادة إلا إذا فشل النصح، والتقريع بالكلام غير البذيء أو الجارح. وكان الضرب عادة بعيدا عن العنف والقسوة وفي أماكن من الجسم لا يترتب عليها إلحاق ضرر بالطفل، وعادة ما يكون الضرب على الرجلين في حدود ضربة واحدة إلى ثلاث. وأشار القابسي إلى اتباع أسلوب الترغيب والترهيب في معاملة الصبيان فأقر الضرب كعقوبة إلا أنه اشترط لها شروطا من أهمها:
1- لا يوقع المعلم الضرب إلا على ذنب.
2- أن يكون العقاب على قدر الذنب.
3- أن يكون الضرب من واحدة إلى ثلاث، ويستأذن ولي الأمر فيما زاد عن ذلك.
4- أن يقوم المعلم بالضرب بنفسه ولا يوكله لواحد من الصبيان.
5- أن يكون الضرب على الرجلين، ويتجنب الضرب على الوجه والرأس أو الأماكن الحساسة من الجسم.
6- أن تكون آلة الضرب هي الدرة والفلقة، ويجب أن يكون عود الدرة رطبا مأمونا. وهذه نفس الشروط تقريبا التي أشار إليها ابن سحنون من قبل. انتهى
ونختم هذا البحث بما قاله في في فيض القدير: - (قال الله تعالى من لم يرض بقضائي وقدري فليلتمس ربا غيري) أي ولا رب إلا الله فعلى العبد الرضى بقضائه وإحسان الظن به وشكره عليه فإن حكمته واسعة وهو بمصالح العباد أعلم وغدا يشكره العباد على البلايا إذا رأوا ثواب البلاء كما يشكر الصبي بعد البلوغ مؤدبه على ضربه وتأديبه والبلاء تأديب من الله وعنايته لعباده أتم وأوفر من عناية الآباء بأبنائهم"
قال الشاعر : أَدِّبْ بَنِيك إذَا مَا اسْتَوْجَبُوا أَدَبًا ... فَالضَّرْبُ أَنْفَعُ أَحْيَانًا مِنْ النَّدَمِ
و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات )


[1] حديث: " إياك أن تضرب فوق ثلاثة. . . ". أورده ابن عابدين في رد المحتار (1 / 235 - ط بولاق) نقلا عن أحكام الصغار للإستروشني ولم يعزه إلي أي مصدر حديثي

قال بدر الدين العيني في عمدة القاري شرح البخاري: وَفِيه: أَن الْأَطْفَال إِذا نهوا عَن الشَّيْء يجب أَن يعرفوا لأي شَيْء نهوا عَنهُ ليكونوا على علم إِذا جَاءَهُم أَوَان التَّكْلِيف. قال النووي : فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الصِّبْيَانَ يُوَقَّوْنَ مَا يُوَقَّاهُ الْكِبَارُ وَتُمْنَعُ مِنْ تَعَاطِيهِ وَهَذَا وَاجِبٌ عَلَى الْوَلِيِّ
قال ابن حجر في الفتح : جَوَازُ إِدْخَالِ الْأَطْفَالِ الْمَسَاجِدَ وَتَأْدِيبِهِمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ وَمَنْعِهِمْ مِمَّا يَضُرُّهُمْ وَمِنْ تَنَاوُلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَإِنْ كَانُوا غَيْرَ مُكَلَّفِينَ لِيَتَدَرَّبُوا بِذَلِكَ
قال ابن حجر في الفتح : وَمَا أجَاب بِهِ بن الْقَاصِّ مِنْ مُخَاطَبَةِ مَنْ لَا يُمَيِّزُ التَّحْقِيقُ فِيهِ جَوَازُ مُوَاجَهَتِهِ بِالْخِطَابِ إِذَا فُهِمَ الْخِطَابُ وَكَانَ فِي ذَلِكَ فَائِدَةً وَلَوْ بِالتَّأْنِيسِ لَهُ وَكَذَا فِي تَعْلِيمِهِ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ عِنْدَ قَصْدِ تَمْرِينِهِ عَلَيْهِ مِنَ الصِّغَرِ كَمَا فِي قِصَّةِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ لَمَّا وَضَعَ التَّمْرَةَ فِي فِيهِ قَالَ لَهُ كِخْ كِخْ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ كَمَا تَقَدَّمَ بَسْطُهُ فِي مَوْضِعِهِ
قال بدر الدين العيني في عمدة القاري شرح البخاري: وَفِيه: أَنه يَنْبَغِي أَن يتَجَنَّب الْأَطْفَال مَا يتَجَنَّب الْكِبَار من الْمُحرمَات. وَفِيه: أَن الْأَطْفَال إِذا نهوا عَن الشَّيْء يجب أَن يعرفوا لأي شَيْء نهوا عَنهُ ليكونوا على علم إِذا جَاءَهُم أَوَان التَّكْلِيف. وَفِيه: أَن لأولياء الصغار المعاتبة عَلَيْهِم والحول بَينهم وَبَين مَا حرم الله على عباده، أَلا يرى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم استخرج التَّمْر من الصَّدَقَة من فَم الْحسن وَهُوَ طِفْل لَا تلْزمهُ الْفَرَائِض وَلم تجر عَلَيْهِ الأقلام؟ فَبَان بذلك أَن الْوَاجِب على ولي الطِّفْل وَالْمَعْتُوه، إِذا رَآهُ يتَنَاوَل خمرًا يشْربهَا، أَو لحم خِنْزِير يَأْكُلهُ، أَو مَالا لغيره يتلفه، أَن يمنعهُ من فعله ويحول بَينه وَبَين ذَلِك.
وَقال علي القاري في مرقاة المفاتيح : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الْآبَاءِ نَهْيُ الْأَوْلَادِ عَمَّا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ اهـ وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يَحْرُمُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ إِلْبَاسُ الصَّبِيِّ الْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْإِحْيَاءِ عِنْدَ ذِكْرِ وَرَعِ الْمُتَّقِينَ،فأمر بضربهم على ترك الواجب الشرعي الذي هو الصلاة، فضربهم على الكذب والظلم أولى، وهذا مما لا يعلم بين العلماء فيه نزاع أن الصبي يؤذى على ما يفعله من القبائح وما يتركه من الأمور التي يحتاج إليها في مصلحته.

[3] من الموسوعة الفقهية الكويتية .