الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على النبى المصطفى ، وبعد

وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ * وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ * وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ * وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ . أقسم الله بما شاء أن يقسم به مما لا يعلم تأويله إلا الله ، ونحن إذ نؤمن به مع الراسخين فى العلم لا نملك إلا أن نستنبط ما يحتمل أن تدل عليه الألفاظ من دلالات أو نستشعر فيه بعض الإشارات .
فقوله تعالى : وَٱلطُّورِ :
أيا كان ذلك الجبل ، فلا شك أن القرآن قد نزل على سيدنا محمد ، ولو أنزل على جبل لكان ذلك الجبل خاشعا متصدعا من خشية الله ، ولا جرم أن رسول الله أعطى من القوة ما يفوق الجبال ، ومن خشية الله ما يفوق الخيال ، وصدع بما أمره به الكبير المتعال .
وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنْشُورٍ :
أيا كان هذا الكتاب ، فلا شك أننا نلمس هنا إشارة إلى كتاب الله المنزل على رسوله ، فهو أشرف الكتب ، لأن الله جعله معجزا ، وتكفل بحفظه فى صدور الذين أوتوا العلم ، وكذلك فى المنشور من الرقاق على صورة المصاحف التى جمع فيها القرآن .
وَٱلْبَيْتِ ٱلْمَعْمُورِ :
أيا كان هذا البيت ، فلا شك أن فيه إشارة إلى بيوت الله العامرة بذكره وهى المساجد ، كما فى قوله :
إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَىٰ ٱلزَّكَٰوةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ ٱللَّهَ فَعَسَىٰ أُوْلَـٰئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلْمُهْتَدِينَ .
وقوله : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ .كما هو إشارة إلى كل بيت يتلى فيه القرآن ، فكما أن الذى ليس فى جوفه شىء من القرآن كالبيت الخرب ، فإن البيت الذى يتلى فيه القرآن هو بيت معمور بذكر الله .
وَٱلسَّقْفِ ٱلْمَرْفُوعِ :
وأيا كان ذلك السقف ، فمن بديع الإشارات ، الإشارة إلى القرآن الكريم ذاته ، إذ هو سقف البيان وسقف الإعجاز الذى يرتفع فوق كل بيان ، ويسمو بإعجازه على كل مقال . وهو سقف مرفوع فى نظمه وفى معناه وفى تشريعه وفى كنوزه وفى أسراره وفى كونه لايخلق على كثرة الرد ولا تنتهى عجائبه ، إلى آخر ما يوصف به ذلك القرآن العظيم .
وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ :
وأيا كان هذا البحر ، فإنه يعطينا إشارة إلى أن هذا القرآن هو البحر الزاخر بما فيه من كنوز وآيات ، وأسرار وهدايات ، يطفو منها على السطح ما ييسر الله به الهدى لعباه ، ولا تزال الأعماق تزخر بما لا يعلمه إلا الله ، ولا تصل العقول إلى منتهاه .
ولعل فى القسم بالطور ، إشارة إلى ذلك الرسول ، الذى أنزل عليه القرآن ، فإن الله قد وصفه فى آية أخرى بأنه نور وذلك فى قوله :
قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ،فلا مانع من أحقية الرسول أن يشار إليه بالجبل فى قوله :
وَٱلطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ .
وبذلك تدور إشارات القسم كلها حول القرآن الكريم نزولا وحفظا وتلاوة وإعجازا وفيضا ، وعلى قدر المقسم به يكون المقسم عليه : إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَّا لَهُ مِن دَافِعٍ .
هذا والله أعلى وأعلم .