لماذا لا تَندب الحسين؟

سؤال قد يبدو غريباً! لكن قد تزول هذه الغرابة إّذا علمتَ أن مِثل هذا السؤال سؤالٌ حقيقي يطرحه بعضُ الشيعة كلما مرّت مناسبةُ عاشوراء، وجرى حوارٌ مع عامة المسلمين وخاصتهم ـ من العلماء وطلاب العلم ـ في زمنٍ تيّسرت فيه المحاورةُ والمناقشةُ من خلال وسائل التواصل الاجتماعي.
والأعجبُ من هذا: حين يستنكر بعضُ الشيعة صومَنا لعاشوراء! لأنه ـ بزعمه ـ أن الصوم ينافي ما ينبغي أن نكون عليه من الحزن لِمَقْتلِ البَضعةِ النبويةِ، السبطِ الشريفِ أبي عبدالله الحسينِ بنِ عليِ بن أبي طالب، عليه وعلى والده وآل بيته السلام والرضوان، الذي قُتِلَ شهيداً سنة إحدى وستين هجرية (61هـ)، وعلى مَنْ قتله وأعان على قتله لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وما دام السؤالُ المذكور قد طُرح؛ فليكن جوابنا عنه، وحوارُنا فيه بعلم وعدل وعقل، من خلال الأسئلة التالية:
عند المسلمين نصوصٌ صريحةٌ صحيحةٌ في الحثّ على صوم عاشوراء؛ شكراً لله على نجاة موسى، وليس فرحاً بمقتل الحسين، كما يلبِّس بعضُ الشيعة ـ هداهم الله للحق ـ فهل يتركون الصومَ الذي أمرَ به جدُّ الحسين ؛ لأن مصيبة مقتل الحسين وقعتْ في ذات اليوم؟!
وأهلُ السنةِ لا يَجِدون تعارضاً بين المناسبتين، بل يقولون: إن مِن كرامة الله تعالى لأبي عبدالله الحسين أن يكون يومُ استشهاده في يوم عاشوراء، وهو اليوم نفسه اليوم الذي نجّى اللهُ فيه موسى وغرّق فرعون؛ ليجتمع للمسلمين فيه عبادتان: عبادةُ الشكر وعبادةُ الصبر، وليقترن ذكرُ اسشتهاده بذكر أحد أولي العزم من الرسل -عليهم الصلاة والسلام- كما يجمع اللهُ في الوقت شخصًا أو نوعًا من النعمة التي تُوجب شكرًا، أو المحنة التي تُوجِب صبرًا، كما أنّ السابعَ عشر من شهر رمضان كانت فيه وقعةُ بدرٍ، وفيه كان مقتلُ عليّ ، وأبلغُ من ذلك أن يوم الاثنين في ربيع الأول مولد النبي ، وفيه هجرته، وفيه وفاته أيضاً.
والعبدُ المؤمن يُبتَلى بالحسناتِ التي تَسُرُّهُ، والسيئاتِ التي تَسُوءُه في الوقت الواحد؛ ليكون صبَّارًا شكورًا، فكيف إذا وقعَ مثلُ ذلك في وقتين متعددين من نوع واحد؟!
وهنا مِن حقّ الشيعي الباحث عن الحقيقة أن يتساءل: متى بدأ اللطمُ والشقُ المتعلقُ بمقتل الحسين؟ لن يُسعفَه التاريخُ إلا بأن هذا لم يبدأ إلا بعد سنوات كثيرة.
سؤال آخر: كلُّ الشيعة يقولون بأن عليّ بن أبي طالب أفضل من ابنه، وقد قُتل شهيداً مظلوماً، وهو خارج لصلاة الفجر في رمضان، فلماذا خُصّ الحسينُ بالندب دونه؟
ولماذا لم يَفعل أحدٌ من شيعة عليّ شيئاً من ذلك، وهو الذي قُتل قبل ابنه بنحو عشرين سنة؟
ولنرجع إلى الوراء قليلاً: مات النبيُّ ، وهو أعظمُ من أصيب المسلمون بموته، فلماذا لم يُقِم الصحابةُ عليه مأتماً وعويلاً؟ ولماذا لم يبادر العباسُ وابنُه وعليٌّ وأكابرُ آل البيت في ذلك الوقت إلى اقتراح مثل هذا، وعلى سبيل الاقتراح على الأقل؟
وحين فُجع النبيُّ بوفاة جدة الحسن والحسين، أم المؤمنين خديجة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ، وفُجع بمقتل عمّه حمزة، لماذا لم يَصنع لهم مأتماً، ويجمع الناس والنساء؛ ليُظهِروا مشاعر الحزن على هذه المصائب الجليلة؟!
الجواب باختصار: لأن الله لم يأمر ـ عند نزول المصائب ـ إلا بالصبر والاسترجاع، فقد ربّاهم القرآنُ على هذا، بل وهيأهم لمثل هذه المصائب فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾[البقرة: 155، 156].
ومن الأسئلة التي مِن حق الشيعي أن يتساءل عنها: ماذا فعل هذا اللطمُ للأجساد، والشق للثياب؟ هل أزال كدَرَ المصيبة؟ أم أعاد لنا الحسينَ وآل بيته؟ أم قضى على الظالمين لهم؟
وله أن يعيد النظرَ ويتساءل أيضاً: ونحن في عصر الاتصالات والتواصل الفضائي والتقني: ماذا نتوقع أن يقول شخصٌ يريد الدخول في الإسلام إذا رأى أمثالَ هذه المشاهد؟ فهل نظن ـ وهو يرى أطفالاً وشباباً صغاراً تسيل الدماء من رؤوسهم من آثار ضرب السيوف والسكاكين ـ هل نظن أن مثلَ هذا المشهد سيرغّبهم في الدخول للإسلام؟ على الأقل في فهم الشيعي الذي يعتقد أن مذهبه الذي عليه هو الحق وما سواه هو الباطل!
وختاماً: فقد يخفى على كثيرٍ من الشيعة، أن عدداً من أئمة السنّة نصّوا على أنّ تَقصّد الاحتفال بهذا اليوم، وإظهار الفرح فيه؛ بدعةٌ منكرة، يقال هذا ليتبين أن الخطأَ خطأٌ، والبدعةَ بدعة مهما كانت جهة صدروها.
رزقنا الله بمنّه وكرَمه لزومَ الحق الذي أنزله على نبيه وخليله محمد .





* رابط المقال على الموقع:
http://almuqbil.com/web/?action=articles_inner&show_id=1509