بلاغة الإشارة
بين النظرية والتطبيق

للدكتور
سعيد أحمد جمعة


أستاذ البلاغة والنقد المساعد في كلية اللغة العربية
فرع جامعة الأزهر بالمنوفية
















بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
الحمد لله الذي وهب إبراهيم "علي الكبر" إسماعيل وإسحاق ، إن ربي لسميع الدعاء ,وأصلي
وأسلم علي المبعوث بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ولو كره الكافرون .


أما بعد
فإن الأصل المعتمد في البيان عن المراد هو اللفظ , والبلاغة العربية ما قامت إلا علي الكلام ، وآلة ذلك اللسان ؛ ولذا كان كل نبي مبلغاً رسالة ربه – في المقام الأول – بلسانه ،
ليتم البيان ، ويكتمل الإفهام ؛ فلا يكون عذر لمعتذر ...
يقول الله تعالى : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) (إبراهيم:4)
[ فمدار الأمر على البيان والتبيين,وعلى الإفهام والتفهيم,وكلما كان اللسان أبين كان أحمد ](1)
ولما كان سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام ذا عقدة في لسانه فصار لا يكاد يبين عن مراد الله – سبحانه – دعا ربه قائلاً : ( وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي) (طـه:28,27)
فكانت الإجابة من رب العالمين : ( قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ) (طـه:36) .
وإذا كان اللفظ المنطوق قد حاز هذا القدر من الأهمية في البيان , فمما لا شك فيه أن هناك وسائل بيانية أخرى يعمد إليه البلغاء ، ولها من القدر والأهمية ما يقارب قدر اللفظ، أو تساويه
وذلك كالبيان بالإشارة ، والبيان بالخط ، وبالعقد ، وبالحال .
والذي يقلب في البيان العربي كله , نثره وشعره ، يلحظ ذلك جيدا ً، وعلي رأس هذا البيان حديث النبي – صلي الله عليه وسلم –
حيث يلحظ حرص الرواة علي نقل ألفاظه وإشاراته وأحواله ..
تري الراوي مثلاً يقول :
قال رسول الله – صلي الله عليه وسلم – كذا – وأشار بإصبعيه ، أو أشار إلي الأرض ، أو وأشار إلي جهة كذا...... إلخ .
وهذه النصوص التي حرص الرواة علي نقلها ليست من العبث , كما أنها ليست من النوافل في عالم البيان ، بل إن لها دوراً فاعلاً في الدلالة وبلاغتها قد لا يقل عن دور الكلمة ، لذلك نقلها الرواة كما هي .
ولأجل كل هذا :
يحاول هذا البحث الكشف عن بلاغة الإشارة في اللغة وبخاصة في بيان النبي – صلي الله عليه وسلم - .......
وهل يمكن الاكتفاء بها في البيان أو أنها تحتاج إلي وقوف اللفظ بجوارها ؟
وفي أي الأساليب تكثر ؟ وفي أي الأغراض تبرز ؟
وهل من الممكن اصطناع بلاغة للإشارة , خاصة بها ؟
هذا – وقد اختط البحث لنفسه منهجاً ذا شقين :
الأول : منهج نظري نقدي يقف عل الإشارة عند علماء البلاغة وكيفية تناولهم لها .
والآخر : منهج تحليلي موجز يصطفي من حديث – النبي صلي الله عليه وسلم – بعضاً منها
ليبين فيها قدرة الإشارة علي حمل المعاني البلاغية كالتشبيه والحذف والتعريف والطباق وغير ذلك .
ومن خلال المنهجين يحاول البحث الخلوص إلى هذه الدلالة – دلالة الإشارة – وأثرها في البلاغة العربية .
ولعلها تكون لبنة في بنيانها الشامخ .

أما خطة البحث :
فتبدأ بمقدمة تكشف عن موضوع البحث , ومنهجه ،وخطته .
ثم تمهيد أعرض فيه لمعني الإشارة في اللغة العربية ، ثم في القرآن الكريم .
من خلال عدة آيات قرآنية .
ثم فصلين ........ في الفصل الأول الإشارة في تراث العلماء وفيه مبحثان .
المبحث الأول : دلالة الإشارة عند الجاحظ – وفيها :
1- مصادر الدلالة عند الجاحظ .
2- توافق اللفظ والإِشارة .
3- موقف الجاحظ من هذه الدلالة .
4- الإشارة أبعد بلاغاً من الصوت .
5- هل الإشارة عيٌ ؟
أما المبحث الثاني في الفصل الأول فهو : الإشارة بعد الجاحظ وفيها :
1- الإشارة عند قدامة بن جعفر .
2- الإشارة عند ابن رشيق وأبي هلال.
3- الإشارة عند ابن حجة الحموي .
4- الإشارة عند ابن أبي الإصبع .
5- ثم وقفة علي ما سبق .
الفصل الثاني : بلاغة الإشارة في بيان النبي صلي الله عليه وسلم – في حديث مسلم وفيه :
1- التوكيد بالإشارة.
2- التعريف بالإشارة .
3- دلالة الإشارة علي المحذوف .
4- الاختصاص بالإشارة .
5- دلالة الإشارة علي التشبيه .
6- إخراج المعنوي في صورة المحسوس من خلال الإشارة .
7- الطباق بالإشارة .
ثم خاتمة – أوضح فيها بعضا مما كشف عنه البحث وبعضا من الوصايا , ثم الهوامش .

والله الهادي إلي سواء الصراط .
















التمهيد
مفهوم الإشارة في اللغة العربية:

أصل الإشارة من قولهم : شار العسل يشوره شورا وشيارا وشيارة ومشارا ومشارة :
استخرجه من الوقبة واجتناه .
قال أبو عبيد : شرت العسل واشترته : اجتنته ، وأخذته من موضعه ( 2 ) .
وقالوا : شار الدابة يشورها شورا : إذا عرضها لتباع ( 3 ) .
والشارة عند العرب والشورة : الهيئة واللباس ( 4 ) .
ومنه الحديث " أن رجلا أتاه وعليه شارة حسنة " ( 5 ) .
واستنادا إلي استعمال العرب يلاحظ أن أصول مادة " شار " تدل علي عدة معان منها :
[ عرض الشيء , وإظهاره , والإيماء إليه ]
ولهذا قالوا : رجل حسن الشارة حلو الإشارة ,وفلان صير شير : حسن الصورة والشارة( 6)
ولما كان اللباس والهيئة عرَضَين يعرف الإنسان بهما.
قالوا : الشوار والشارة : اللباس والهيئة . قال زهير : من البسيط :
مقورة تتبارى لا شوار لها إلا القطوع علي الأكوار والورك ( 7 ) .
وتتطور مادة " شور " التي تحمل في ثناياها معني إبداء الشيء وإظهاره وعرضه , من دلالة ظاهرية سطحية ، تستند إلي هيئة الشيء إلي دلالة باطنه عميقة تعتمد علي ما في غور النفس ؛ فتعبر عنها ، وتحكي مضامينها عن طريق الإشارة .
جاء في حديث إسلام عمرو بن العاص : " فدخل أبو هريرة فتشايره الناس " أي : اشتهروه بأبصارهم , كأنه من الشارة وهي الهيئة " اللباس ( 8 ) .
وترتقي الإشارة من البصر إلي الإصبع التي تحكي بإشارتها , وتعبر بحركتها فأسموها :
" المشيرة " قالوا :. وأومأ إليه بالمشيرة أي : بالإصبع السبابة ( 9 ) .
-------





وتكتسب الإشارة آلية الكلام منذ عهود الإنسانية الأولي ، أو ربما كانت مصاحبة له , وبناء عليه يظهر مصطلح الإشارة الذي يدل علي الكلام , قالت العرب : أشار الرجل يشير إشارة إذا أومأ بيديه ( 10 ) .
والإيماءة تدل علي معني من أمر ونهي أو سواهما مما يقتضيه المقام .
وفي الحديث:" أنه – صلي الله عليه وسلم – كان يشير في الصلاة " أي: يوميء باليد والرأس ,
يعني : يأمر وينهي بالإشارة ( 11) .
-------
ثم تتطور دلالة الإشارة حيث تقترن بالكلام ، ويطلق علي الكلام إشارة , ولذلك سمّت العرب الخطبة( مشوارا ) ولقد جاء عنهم " إياك والخطب فإنها مشوار كثير العثار " (12) .

وتلتصق كثير من الدلالات بالأصابع فالعرب تقول : " ما فارقتك شبرا ولا فترا ولا عتبا ولا رتبا ولا بصما ، - والبصم ما بين الخنصر والبنصر , والعامة تستخدمه الآن في إقرار الأمي علي العقد .
أما العتب والرتب فما بين الوسط والسبابة .
والفتر ما بين السبابة والإبهام .
والشبر ما بين الإبهام والخنصر .
والفوت بين كل إصبعين طولا ( 13) .
وفي حديث النبي – صلي الله عليه وسلم – للرجل الذي كان يشير في الدعاء : أحّد أحّد .... أراد أن إشارته كلها مختلفة فما كان منها في ذكر التوحيد والتشهد فإنه كان يشير بالمسبحة وحدها , وما كان في غير ذلك كان يشير بكفة كلها ليكون بين الإشارتين فرق .
ومنه : إذا تحدث اتصل بها أي : وصل حديثه بإشارته تؤكده ) (14) .
وهذا الالتصاق بين الإشارة والمعاني له أصول قديمة يذكرها ابن جني فيقول في حديثة عن أصل اللغة وأن منها ما نشأ من المواضعة :
" فكأنهم جاءوا إلي واحد من بني آدم فأومئوا إليه ، وقالوا : إنسان , إنسان , إنسان ، فأي وقت سمع هذا اللفظ علم أن المراد به هذا الضرب من المخلوق .
وإن أرادوا سمة عينة ، أو يده ، أشاروا إلي ذلك , فقالوا : يد ، عين ، رأس ..... " ( 15 )
وهذا يعني أن للإشارة صلة بالفطرة الإنسانية .

ولا يكاد الإنسان يستغني عنها ، لأنها إن لم تكن وسيلة بيان فهي معينة عليه ، ومنبهة إليه ، يقول شمس الحق العظيم أبادي [ دأب الوعاظ ، والقصاصون أنهم يحركون أيديهم يميناً وشمالاً ينبهون السامعين علي الاستماع ..... ] ( 16 ).
وقد لحظ شراح الحديث النبوي هذا الأمر فجعلوا له باباً خاصاً فتراهم يقولون مثلاً " باب الإشارة في الخطبة ... وباب الرجل يشير بيده ... وباب رفع اليدين علي المنبر ...الخ .
كل ذلك دليل ساطع علي مكانة الإشارة في البيان العربي .

------------------------
الإشارة في بيان القرآن الكريم
لم يرد ذكر للفظ الإشارة في القرآن الكريم إلا في موضع واحد ،في سورة مريم .
وذلك قوله تعالي : ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً) (مريم:29)
وكان الداعي إلي الإشارة هو التزام الأمر الصادر إليها من قبل ، وذلك قوله تعالي (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيّاً) (مريم:26) .
وقد ظن أهلها أنها تستهزئ بهم .
يقول القرطبي : " التزمت مريم –ما أمرت به من ترك الكلام ، ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت بـ (إني نذرت للرحمن صوما ) وإنما ورد أنها أشارت .
فيقوي بهذا القول من قال : إن أمرها بـ " قولي " إنما أريد به الإشارة ، ويروي أنها لما أشارت إلي الطفل قالوا : استخفافها بنا أشد علينا من زناها ، ثم قالوا لها علي جهة التقرير : ( كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) " ( 17 ) .
ففهمهم الاستهزاء من إشارتها دليل علي أن للإشارة دلالات تفهم منها ، ولذلك يضيف القرطبي ويقول : " الإشارة بمنزلة الكلام ؛ وُتفهم ما يُفهم القول ، وكيف لا ، وقد أخبر الله تعالي عن مريم فقال : " فأشارت إليه " ؟ وفهم منها القوم مقصودها وغرضها ، فقالوا : " كيف نكلم ....إلخ "( 18) .
وقد ورد ذكر للإشارة في سورة آل عمران ,لكنها جاءت في صوره الرمز وذلك قوله تعالى
لزكريا : ( قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) (آل عمران:41)
فقوله " إلا رمزا " أي : " إلا إشارة بيد أو رأس أو غيرهما "( 19) .
وأصل الرمز الحركة . يقال : ارتمز إذا تحرك .
ومنه قيل للبحر : الراموز ثم اختلفوا في المراد بالرمز ههنا علي أقوال :
الأول : أنه عبارة عن الإشارة كيف كانت ؛ باليد , أو الرأس , أو الحاجب , أو العين , أو الشفة .
والثاني : أنه عبارة عن تحريك الشفتين باللفظ من غير نطق , وصوت .
قالوا : وحمل الرمز على هذا المعنى أولى ؛ لأن الإشارة بالشفتين يمكن وقوعها بحيث تكون حركات الشفتين وقت الرمز مطابقة لحركاتها عند النطق فيكون الاستدلال بتلك الحركات على المعاني الذهنية أسهل .
الثالث : وهو انه كان يمكنه أن يتكلم بالكلام , وأما رفع الصوت بالكلام فكان ممنوعاً منه .
فإن قيل : الرمز ليس من جنس الكلام , فكيف استثني منه ؟
قلنا : لما أدى ما هو مقصود من الكلام سمي كلاماً, ويجوز أيضاً أن يكون استثناءً منقطعاً , فاما إن حملنا الرمز على الكلام الخفي فإن الإشكال زائل ] ( 20)
وقد ذهب القرطبي – –على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام حيث يقول : [ في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام , وذلك موجود في كثير من نصوص السنة , وآكد الإشارات ما حكم به النبي – – في أمر السوداء حين قال لها : وأين الله ؟
فأشارت برأسها إلى السماء .
فقال : إعتقها ؛ فإنها مؤمنة .
فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة , الذي يحرز الدم والمال , وتُستحق به الجنة , وينجى به من النار , وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك , فيجب أن تكون الإشالاة عاملة في سائر الديانة , وهو قول عامة الفقهاء ] (21)

ولقد تحدث القرآم الكريم عن الإشارة , وذكرها بلفظ الوحي , وذلك كما جاء في قوله تعالى : ( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) (مريم:11) .
يقول الزمخشري – – [ أوحى : أشار , ويشهد له : إلا رمزا ](22) .
[ ولا يجوز أن يكون المراد من قوله " أوحى إليهم " الكلام ؛ لأن الكلام كان ممتنعاً عليه , فكان المراد غير الكلام , وهو أن يعرّفهم ذلك إما بالإشارة , أو برمز مخصوص , أو بكتابة ؛ لأن كل ذلك يفهم منه المراد ....
واعلم أن الأشبه بالآية هو الإشارة لقوله تعالى: ( قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً ) (آل عمران:41) . والرمز لا يكون كناية للكلام ]( 23) .
وعليه , فإن الإشارة في القرآن الكريم قد وردت تحت عدة أسماء :
الأول :لفظها الصريح , كما في : ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً)
الثاني : الرمز , كما في قوله تعالى : ( قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزاً)
الثالث : الوحي , كما في قوله تعالى:( فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن ْسَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً) (مريم:11) .
وهذا الأخير هو ما نبه عليه قدامة بن جعفر في الكتاب المنسوب إليه – نقد النثر -, حيث عقد باباً بعنوان : باب من الوحي , وقال فيه : [ وأما الوحي فإنه الإبانة عما في النفس بغير المشافهة , على أي معنى وقعت : من إيماء , ورسالة , وإشارة , ومكاتبة .
ولذلك قال الله تعالى : ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) (الشورى:51) .
وهو على وجوه كثيرة , فمنه الإشارة باليد , والغمز بالحاجب , والإيماض بالعين , كما قال الشاعر :
وتوحي إليك باللحاظ سلامها ** مخافة واش حاضر ورقيب (24) .
فالوحي هنا هو الإشارة بالعين , وهذا يفتح الباب أمام الإشارة فلا يجعلها مقصورة على حركة اليد بل يندرج تحتها ألوان كثيرة من التعابير بأي جزء من أجزاء الجسد .
وهذا ينقلنا إلى البحث في تراث علمائنا عن هذه الدلالة , وكيف عبروا عنها , وهل لفظ [ الإشارة ] عندهم يحمل دلالة الحركة ؟ لنر .







الفصل الأول
الإشارة في تراث العلماء

----------------------------






المبحث الأول : دلالة الإشارة عند الجاحظ ت/ 255 هـ

يُعد الجاحظ أول من لفت الأنظار إلى هذا النوع من البيان , وحدّ حدوده , وفصل أنواعه , وقال فيه ما لم يُسبق إليه .
والعجيب في الأمر أن علماء البيان بعد الجاحظ أعرضوا عن هذه الدلالة , وانحرفوا بها عن طريقها الذي رسمه , والأعجب منه أن بعضهم عاب على المتكلم أن يستصحب مع اللفظ إشارة باليد , أو بغيرها , وظنوا أن في ذلك عجزاً وعياً عن البيان , وتقصيراً عن امتلاك اللفظ الحامل للمراد , مع أنه شيء مركوز في الفطرة , ولذلك يقول الجاحظ : [ زعمت الأوائل أن الإنسان إنما قيل له : العالم الصغير , سليل العالم الكبير ؛ لأنه يصور بيده كل صورة , ويحكي بفمه كل حكاية ] (25 ) .
فتصوير المعاني باليد فطرة فطر الله الناس عليها , عند إرادة التعبير عما في النفس , ولا يمكن أن تكون الفطرة عجزاً , بل هي عون للفظ , وموافقة له , بل لا بد من صحبتها حتى لا يلتبس الأمر عند المتلقي .


توافق اللفظ والإشارة :
يرى الجاحظ أن الإشارة منها الصواب , ومنها الخطأ , وأن ذلك مرجعه إلى توافق الإشارة مع اللفظ , أو تعارضها معه .
فإذا وافقت الإشارة اللفظ صارت صحيحة , وتم للمراد أركانه , وصار المعنى بليغاً , ووصل إلى القلب في صورة بهية .
أما إذا خالفت الإشارة اللفظ , فإن المعنى يكتنفه الغموض , ويلتبس على المتلقي المراد , ويأتيه المتكلم من الباب الخطأ , فيقع في اضطراب , ويظل المعنى مطموراً ؛ لأن صاحبه لم يحسن إخراجه , والإعراب عنه ؛ لما بين اللفظ والإشارة من تنافر , وذاك عيب أي عيب ؟!
والجاحظ يقول : [ إن المعاني مستورة خفية , وبعيدة وحشية , ومحجوبة مكنونة , وإنما تحيا تلك المعاني في ذكرهم لها , وإخبارهم عنها , واستعمالهم إياها .
وهذه الخصال هي التي تقربها من الفهم , وتجليها للعقل , وتجعل الخفي منها ظاهراً , والغائب شاهداً , والبعيد قريباً ....
وعلى قدر وضوح الدلالة , وصواب الإشارة – الحظ هذا – وحسن الاختصار , ودقة المدخل يكون إظهار المعنى .... ] ( 26 ) .
ولقد نقل الجاحظ – – عن [ اسحق بن حسان بن قومة أنه قال : لم يفسر البلاغة تفسير ابن المقفع أحد قط .
سئل : ما البلاغة ؟
قال : اسم جامع لمعانٍ تجري في وجوه كثيرة , فمنها ما يكون في السكوت , ومنها ما يكون في الاستماع , ومنها ما يكون في الإشارة , ومنها ما يكون في الحديث ] ( 27 ) .
وهذا نص صريح في أن البلاغة تكون في الإشارة كما هي في الكلام .
وهذا البحث لا ينكر أن الأصل في البيان هو اللفظ , ولكنه ينبه على الوسائل الأخرى , ومن أعلاها الإشارة , فهي وإن لم تكن تستقل - غالباً - بالدلالة , فهي عون للفظ في البيان , وإذا توارى اللفظ لسبب أو لآخر برزت هي لتنوب عنه ,لأنها رديفته ,وتالية له في تصوير المراد .
يقول الجاحظ : [ والإشارة واللفظ شريكان , ونعم العون هي له , ونعم الترجمان هي عنه , وما أكثر ما تنوب عن اللفظ , وما تُغني عن الخط .....ولولا الإشارة لم يتفاهم الناس معنى خاص الخاص , ولجهلوا هذا الباب ألبتة] ( 28).

أعضاء الإشارة :
يقول الجاحظ : [ فأما الإشارة فباليد , وبالرأس , وبالعين , وبالحاجب , والمنكب ..
وإذا تباعد الشخصان فبالثوب , وبالسيف ] ( 29) .
لكن التراث حمل لنا أمثلة كثيرة كانت العناية فيها بإشارة العين , ولعل السر في ذلك أن العين هي أسرع الأعضاء حركة , والأكثر دلالة , حتى نقل ابن حزم " " في كتابه ( طوق الحمامة ) ما تعارف عليه الناس في بيئة من إشارات العين , وعقد لذلك باباً اسمه :
باب الإشارة بالعين .
قال فيه : ثم يتلو التعريض بالقبول - إذا وقع القبول والموافقة - الإشارة بلحظ العين , وإنه ليقوم في هذا المعنى المقام المحمود , ويبلغ المبلغ العجيب , ويقطع به ويتواصل , ويوعد ويهدد, ويقبض ويبسط , ويؤمر وينهى , وتضرب به الوعود , وينبه على الرقيب , ويضحك ويحزن , ويسأل ويجاب , ويمنع ويعطى .
ولكل واحد من هذه المعاني ضرب من هيئة اللحظ, لا يوقف على تحديده إلا بالرؤية ..وأنا واصف ما تيسر من هذه المعاني :
فالإشارة بمؤخر العين الواحدة : نهي عن الأمر .
وتفتيرها : إعلام بالقبول .
وإدامة نظرها : دليل على التوجع والأسف .
وكسر نظرها : آية الفرح .
والإشارة إلى إطباقها : دليل على التهديد .
وقلب الحدقة إلى جهة ما , ثم صرفها بسرعة : تنبيه على مشار إليه .
والإشارة الخلفية بمؤخر العين : سؤال .
وقلب الحدقة من وسط العين إلى المؤق بسرعة : شاهد المنع .
وترعيد الحدقتين من وسط العينين : نهي عام .

وسائر ذلك لايدرك إلا بالمشاهدة .
ثم يقول : والحواس الأربع أبواب إلى القلب ...والعين أبلغها ] ( 30)
ونيابة العين عن اللفظ أمر ثابت لاشك فيه , ولعل السبب في تواري اللفظ, وبروز الإشارة هو الخوف من النطق , أو عجز المبين عن الكلام , أو غير ذلك من الأسباب , وانظر مثلاً إلى قول الشاعر :
أشارت بطرف العين خيفة أهلها إشارة مذعور ولم تتكلم
فأيقنت أن الطرف قد قال مرحباً وأهلاً وسهلاً بالحبيب المتيم
وقال آخر :
العين تبدي الذي في نفس صاحبها وتعرف عيني ما به الوحي يرجع
وقال ثالث :
العين تبدي الذي في نفس صاحبها من المحبة أو بغضاً إذا كانا
والعين تنـطق والأفواه صـامتة حتى ترى من ضمير القلب تبيانا
إن كل هذه الشواهد دامغة على أن هناك للحواس لغة معروفة بين الناس , ولذلك تسمع من يقول " لغة العيون , ولغة الأيدي , ولغة الحواجب , ولغة الشفاه .... إلخ
وهذه اللغات تعارف عليها الناس , وإن لم يكن لها قواعد , أو مفردات , ولكن يبقى الأهم وهو أنها لغة مفهومة .

الإشارة أبعد بلاغا ً من الصوت:
لا شك أن مدى الصوت - مهما كانت قوة صاحبه – مدى محدود , ولو أن رجلا وقف ليحدث آخر عن بعد لما فهم منه شيئاً, وهنا يبرز دور الإشارة ؛ لأنها تصل حيث لا يصل الصوت , وتحمل المراد حيث يعجز اللفظ عن حمله .
ولقد جاء في الأمثال العربية قولهم : " رفع عقيرته " وهو مثل يضرب لمن صاح صياحاً شديداً حتى أسمع القاصي والداني , وهذا المثل لا صوت فيه , لكن فيه الحركة .
ومورد هذا المثل : أن رجلاً قطعت رجله فبلغ به الألم مبلغة فرفعها على يديه , وأخذ يصيح حتى أسمع الجميع .
والعرب حين أرادت أن تعبر عن هذا الأمر تركت الصوت الذي صاح به الرجل ؛ لأنه مهما علا فلن يصل إلى تصوير شدة الألم الذي أحاط به , ولكنهم التقطوا هذه الحركة التي فعلها الرجل , وهي رفع القدم المقطوع , وجعلوها مضرباً للمثل في شدة رفع الصوت .
وحكمة العرب جعلتها تفطن إلى أن رفع العقيرة أبلغ في تصوير علو الصوت من غيره , فكان التعبير هنا بالإشارة بدلاً من اللفظ , ولذلك يقول الجاحظ :
[ ومبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت , فهذا أيضاً باب تتقدم فيه الإشارة الصوت , والصوت هو آلة اللفظ , وهو الجوهر الذي يقوم به , وبه يوجد التأليف , ولن تكون حركات اللسان لفظاً ولا كلاماً موزوناً, ولا منثوراً إلا بظهور الصوت , ولا تكون الحروف كلاماً إلا بالتقطيع والتأليف ]( 32) .
لكن مع هذا يقرر الجاحظ أن الإشارة من تمام اللفظ حيث يقول : [ وحسن الإشارة باليد والرأس من تمام حسن البيان باللسان مع الذي يكون مع الإشارة من الدل والشكل , والتفتل والتثني , واستدعاء الشهوة , وغير ذلك من الأمور ] (33)
ولعل ذلك كان سبباً في عدم وصف الإشارة بالبلاغة عند العلماء ؛ لأنها لا تستقل بالبيان لمن يستطيع الكلام , أو أن يكون في لغة غير لغة العرب [كما قيل للهندي : ما البلاغة ؟
قال : وضوح الدلالة , وانتهاز الفرصة , وحسن الإشارة ] ( 34) .

هل الإشارة عند الكلام عيّ :
يرى البعض أن الإشارة مع الكلام دليل العي , والعجز عن امتلاك اللفظ المعبر , وأن البليغ هو الذي يمتلك ناصية البيان , فإذا حرك يده , أو التفت بوجهه, أو غمز بعينه , أو نحو ذلك فإنما عجز عن اللفظ فاستدعى غيره ليفصح به عن مكنون صدره , وكان بعضهم يفاخر بأنه عند بيانه لا يحرك من جسده ساكناً , ولا يشغل سامعه بغير لفظه , ولذلك عدوا الإشارة عيباً وخروجاً عن دائرة البيان العالي .
أما البلاغة التامة عندهم فهي أنْ تحمّل اللفظ كل ما تريد , وأنت ساكن الجوارح ...[ قال أبو الأشعث : لقيت صحيفة هندية فإذا فيها : أول البلاغة اجتماع آلة البلاغة , وذلك أن يكون الخطيب رابط الجأش , ساكن الجوارح , قليل اللحظ متخيراًً اللفظ ...
وكان أبو شمر إذا نازع لم يحرك يديه , ولا منكبيه , ولم يقلب عينيه , ولم يحرك رأسه حتى كأن كلامه إنما يخرج من صدع صخرة .
وكان يقضي على صاحب الإشارة بالافتقار إلى ذلك , وبالعجز عن بلوغ إرادته , وكان يقول : ليس من المنطق أن نستعين عليه بغيره ....حتى كلّمه إبراهيم بن سيار النظام عند أيوب بن جعفر , فاضطره بالحجة , وبالزيادة في المسألة حتى حرك يديه , وحل حبوته , وحبا إليه حتى أخذ بيديه ] ( 35 )

وهكذا دلل الجاحظ على خطأ من ظن أن الإشارة عيّ , وأنها عجز عن الكلام , كما بين بعد ذلك أن من أكابر البلغاء من كان يُشير عند بيانه .. قال ثمامة بن الأشرس : كان جعفر بن يحيى أنطق الناس , قد جمع الهدوء والتمهل , والجزالة والحلاوة , وإفهاماً يغنيه عن الإعادة , ولو كان في الأرض ناطق يستغني بمنطقه عن الإشارة لاستغنى جعفر عن الإشارة , كما استغنى عن الإعادة ]( 36)
ويقول الجاحظ أيضاً عن ثمامة بن الأشرس
[ وما علمت أنه كان في زمانه قروي , ولا بلدي كان بلغ من حسن الإفهام مع قلة الحروف ’ ولا من سهولة المخرج مع السلامة عن التكلف ما كان بلغه , وكان لفظه في وزن إشارته , ومعناه في طبقة لفظه , ولم يكن لفظه إلى سمعك بأسرع من معناه إلى قلبك ]( 37) .

ولعل كل هذا تبيان على أن الإشارة ليست عياً, ولا نقصاً في المبين , بل هي من أدواته التي لا يستغني عنها , وإذا كان هؤلاء الذين استشهد بهم الجاحظ قد أشاروا عند بيانهم , فحسبنا أ ن رسول الله " " كثيراً ما أشار عند بيانه , وسيأتي تفصيل ذلك لاحقا.ً
ومع أن الجاحظ قد فصل هذا التفصيل , وأعطى الإشارة حقها في عالم البيان , وجعلها إحدى وسائله , بل هي النائبة عن اللفظ , والكاشفة عن مقداره , والمؤكدة له , والمعربة عن المعاني الخاصة , أو خاصة الخاصة ...
أقول : على الرغم من هذا كله إلا أن اغلب من جاء بعده من علماء البيان وضعوا عنها هذا القدر , وجردوها من هذه المكانة , وأعادوها إلى اللفظ لتدور في فلكه , وصار مستقى دلالة الإشارة مأخوذاً من اللفظ , فتاهت الدلالة وانمحت معالمها , ولم نعد نفرق بينها وبين غيرها من الدلالات .
وأول من يلقانا على هذا الدرب صاحب أول أثر نقدي علمي مشهور : قدامة بن جعفر .






المبحث الثاني : الإشارة بعد الجاحظ :


أولاً : الإشارة عند قدامة بن جعفر ت 327 هـ :

لقد تحدث قدامه عن ائتلاف اللفظ والمعني ,وجعل من هذه الأنواع الإشارة ، ثم عرفها فقال :
[ الإشارة : أن يكون اللفظ القليل مشتملاً علي معاني كثيرة بإيماء إليها ، أو لمحة تدل عليها ,
كما قال بعضهم ، وقد وصف البلاغة فقال : [ هي لمحة دالة ] ( 38 ) وهذا التعريف يحوي ما يلي :
أولاً : أن مصدر الدلالة اللفظ وليس الإشارة - كما يري -.
ثانياً : أن دلالة هذا اللفظ القليل على المعنى دلالة اشتمال , أعني : أنها دلالة مفهومة, وليست منطوقة .
ثالثاً أن الإشارة تقوم بمساعدة اللفظ في تكوين الدلالة , لكنه عند استشهاده عمد إلى اللفظ ليأخذ منه دلالة الإشارة , وابتعد عن الحركة والإيحاء , ويقول مستشهداً على الإشارة :
فإن تهلك شنوءة أو تبدل فسيري إن في غسان خالا
لعزهم عززت وإن يذلوا فذلـهم أنالــك ما أنـالا
ثم قال : [ فينبه هذا الشعر على أن ألفاظه مع قصرها قد أشير بها إلى معان طوال , فمن ذلك : " تهلك أو تبدل "... ومنه قوله : " إن في غسان خالا " ..... ومنه ما تحته معان كثيرة , وشرح , وهو قوله " أنالك ما أنالا " . ] (39)
وقدامة بهذا التعليق يبعد عن دور الإشارة الحقيقية في تكوين المعنى , بل إن الشعر الذي استشهد به لا إشارة فيه , ولا ما يدل عليها من قريب أو بعيد , اللهم إلا إذا عددنا الكناية والرمز من قبيل الإشارة .
وظل قدامة - -يتابع شواهده , وجميعها تدور في فلك الإيجاز , أو الكناية , أو التمثيل , ولعل الذي دفع به إلى هذا العدول أنه معني ببيان دروب المعاني الشعرية , من حيث مساواتها مع اللفظ أو زيادتها عليه .
فلقد جعل الإشارة نوعاً من أنواع ائتلاف اللفظ مع المعنى ,وهذا الائتلاف قد يكون اللفظ فيه مساويا , أو زائداً عليه , كما هو الحال في باب الإشارة , وهذا يعني أنها عنده قسيم للمساواة .
ًومع أنه عند التعريف جعل مصدر ومستقى هذه الزيادة من الإشارة والإيماء واللمحة الدالة , إلا أنه عند الشرح , والتفصيل أعرض عن هذه اللمحة , وذاك الإيماء , وحصر شواهده في اللفظ, مما أحدث بعده لبساً ففُهمت الإشارة مرة على أنها نتاج الحركة , ومرة أخرى على أنها نتاج اللفظ .



*


دلالة الإشارة عند ابن رشيق : ت 456 هـ
عقد ابن رشيق القيرواني في كتابة العمدة بابا كبيرا للإشارة بدأ بإبراز جمال هذه الدلالة فقال :
[ والإشارة من غرائب الشعر وملحه، وبلاغة عجيبة، تدل علي بعد المرمي , وفرط المقدرة ،
وليس يأتي بها إلا الشاعر المبرز ، والحاذق الماهر ، وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة ، واختصار وتلويح يعرف مجملا ، ومعناه بعيد من ظاهر لفظه فمن ذلك قول زهير
فإني لو لقيتك واتجهنا لكان لكل منكرة كفاء
فقد أشار له بقبح ما كان يصنع لو لقيه , وهذا عند قدامة أفضل بيت في الإشارة ] ( 40 ).
ولا يخفى عليك ما في هذا الكلام من إغراب وبعد عن دلالة الإشارة الحقيقية , حتى بيت الشعر الذي استشهد به .
وكأن دلالة الإشارة هي كل ما يحمله الكلام من معان , سواء جاء في صورة كناية , أو تشبيه , أو استعارة ....
وهذا بلا شك عجيب , لأن كل دلالة في علم البلاغة لها مصطلح متفق عليه , أما أن أجعل هذه الدلالات كلها دلالات إشارية فهذا بعيد .
والأصل : أن دلالة الإشارة تستقى من حركة اليد , أو العين , أو الرأس , أو سائر الجسد سواء صاحبت اللفظ , أم جاءت وحدها , وأنا هنا أتحث عن دلالة الإشارة في علم البلاغة , لأن هناك في علم أصول الفقه مفهوماً آخر لدلالة الإشارة .
وأعود إلى ابن رشيق حيث يقول عن البيت السابق : [ فقد أشار له بقبح ما كان يصنع لو لقيه ]
ثم حكم على هذا البيت بأنه أفضل بيت في الإشارة , مع أن ابن قدامة لم يعلق على هذا البيت بقليل , ولا بكثير .
وفي بيت آخر يقول الشاعر فيه :
جعلت يدي وشاحاً له وبعض الفوارس لا يعتنق
يقول ابن رشيق : [ وهذا النوع من الشعر هو الوحي عندهم ...] (41)
لقد جعل ابن رشيق كل ما يستعذبه من الشعر , وكل ما لطف , ودق في المعنى , جعله من باب الإشارة ؛ ولأجل هذا فتح الباب لكل ألوان البيان .
فهذه إشارة على معنى التشبيه , ويمثل لها بقول الشاعر :
جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط
وهذه إشارة على معنى الاستفهام ,ويمثل لها بقول الله تعالى( الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ)(القارعة ا:2)
وهذه إشارة على معنى التعريض كقوله تعالى: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) (الدخان:49).,
وإشارة على معنى الكناية , وإشارة على معنى التمثيل , وإشارة على معنى الرمز , وأخرى على معنى اللحن .....إلخ
وغير ذلك كثير مما يعني أن دلالة الإشارة قد تاهت , وأصبح كل معنى مفهوم معنىً إشارياً!!
ثم يعود ابن رشيق لينتصر للدلالة الحقيقية للإشارة فيعرض رأي من يزعم أن الإشارة حشو , ويستدلون على ذلك بقول أبي نواس :
قال إبراهيم بالمـــا ل كذا غرباً وشرقاً
فزعموا أن قوله [ كذا ] حشو, وعجز عن اللفظ الدال على الإشارة .
ثم ينتصر لأبي نواس , ولدلالة الإشارة , فيقول : [ ولم يأت بها أبو نواس حشواً , ولكن شطارة , وإن شئت قلت : بياناً وتثقيفاً , كما قال رسول الله لعبد الله بن عمرو بن العاص : " وكيف بك إذا بقيت في حثالة الناس , قد مرجت عهودهم وأماناتهم , واختلفوا ...وكانوا هكذا .. ؟ وشبك بين أصابع يديه " .
ولا أحد أفصح من رسول الله - - , ولا أبعد كلاماً منه من الحشو , والتكلف ]( 42 ) .
وهذا الكلام يناقض كلامه السابق , فهو هنا يحدد مستقى الدلالة , ويبرز أهمية الحركة في تكوين المعنى , بل إنه بعد ذلك ذكر من لطائف هذه الدلالة ما لا يكاد اللفظ يقوم به , ومن ذلك : [ أن معاوية - - أقام الخطباء لبيعة ولده يزيد , فقام رجل من ذي الكلاع فقال :
هذا أمير المؤمنين ...............وأشار بيده إلى معاوية .
فإن مات فهذا ...................وأشار إلى يزيد .
فمن أبى فهذا ....................وأشار إلى السيف .
ثم قال :
معـاويـة الخلـيفة لا نماري +++ فإن يهلك فسائسنا يزيـد
فمن غلـب الشقاء عليه جهلاً +++ تحـكم في مفارقه الحديد (43)
فابن رشيق بهذا لا يترك مجالاً لأحد أن يتهمه بالانتقاص من دلالة الإشارة , أو تغييبها داخل الدلالات الأخرى .
لكن ... أين هذا مما قاله أولاً ؟ أليس هذا عجيباً ؟
ولو أنك أردت أن تبرز ما في الإشارة من دلالات في البيتين السابقين لوجدت اللفظ منك يطول ؛ لأن الشاعر أراد أن يبرهن على أحقية سيدنا معاوية , وولده يزيد بالخلافة , وكان لزاماً عليه أن يذكر صفات كل واحد منهما التي تؤهله لهذا المنصب , ولما كان هذا يطول دعاك أن تنظر بإشارته بيده إلى معاوية ليتحقق لديك بما لا يدع مجالاً للشك في أحقيتهما للخلافة .
ألا ترى أن إشارته بيده جمعت من المعاني ما لا حد له ؟
فإن اقتنعت بذلك فاعلم أن هذا هو سر الجمال , ولب الإبداع وموطن الفن في هذه الإشارة , فهي لا تذكر لك المعنى , بل تضع عينك عليه لتراه , وفرق بين الأمرين كبير .
ثم يتابع ابن رشيق كلامه في هذه الدلالة , وكأنه يريد منك ألا تلتفت إلى كلامه الأول ؛ لأن الإشارة عنده لها قدرة فائقة على تصوير المعنى , بل وتستطيع أن تستقل بالدلالة , ومن ذلك ما حكاه عن أبي نواس , حيث يقول :
[ وقد جاء أبو نواس بإشارات أخر لم تجر العادة بمثلها , وذلك أن الأمير بن زبيدة قال له مرة : هل تصنع شعراً لا قافية له ؟ قال : نعم , وصنع من فوره ارتجالاً :
ولقد قلت للمليحة قولي من بعيد لمن يحبك ....." إشارة : قبلة "
فأشارت بمعصم ثم قالت من بعيد خلاف قولي ..... " إشارة : لا , لا "
فتنفست ساعة ثم إني قلت للبغل عند ذلك ......." إشارة : امش "
فتعجب جميع من حضر المجلس من اهتدائه,وحسن تأتيه, وأعطاه الأمين صلة شريفة ]( 44)
فلا شك أن صنيع أبي نواس في غاية الإبداع والبيان , حتى أكاد أزعم أن اللفظ لا يقوم مقام الإشارة هنا , من أين لنا بلفظ يعبر عن صوت القبلة , وكم من أصوات لا بيان لها ؟
ومن كل ما سبق عند ابن رشيق يتبين لنا أنه في بداية كلامه خلط بين دلالة الإشارة , ودلالة الصور البيانية , حتى التبس الأمر على القارئ .. , ثم في آخر كلامه حرر الدلالة , واستشهد عليها بشواهد تبرهن على أثر الحركة المشاهدة في المعنى .


**


الإشارة عند عبد القاهر ت 471
الناظر في كتابي عبد القاهر لا يلحظ عناية بهذا النوع من البيان : لأنه - -كان مشغولاً بقضية الإعجاز القرآني ،وأنها في نظم الكلام ، وهذا الهم شغله عن التعريج علي
وسائل البيان الأخرى ، إلا بعض اللفتات القصيرة , وذلك مثل تعليقه علي ما لحق البيان من الضيم : لأن البعض [ لا يري معني أكثر مما يري للإشارة بالرأس والعين . وما يجده للخط والعقد ] .(45)
وكذا قوله لمن أعرض عن الشعر بسبب وزنه أن ينظر إلي ما فيه من [ حسن تمثيل ، واستعارة ، وإلي التلويح والإشارة ، وإلي صنعة تعمد إلي معني الخسيس فتشرفه ... ] (46 ) وكذا كلامه عن المزية ، وأنها من حيز المعاني حيث يقول : [ وينبغي أن تأخذ الآن في تفصيل أمر المزية وبيان الجهات التي منها تعرض ، وأنه لمرام صعب ، ومطلب عسير ، ولولا أنه علي ذلك لما وجدت الناس بين منكر من أصله , متخيل له علي غير وجهه ومعتقد أنه باب لا تقوي عليه العبارة.ولا يملك فيه إلا الإشارة ] ( 47 ) .
ولقد سار الإمام - - علي هذا الضرب . يبين دقائق البيان ، ووجوه الإعجاز في نظم الكلام ، وهذه الغاية جعلته لايعتني إلا بها .
وهذا يعني إن الإمام , مع أنه أقر ، وذكر الإشارة في كلامه ، لكنه شغل عنها بغايته التي عقد كتابيه - الدلائل والإسرار - عليها , وهي بيان وجه الإعجاز في القرآن الكريم .

الإشارة عند ابن أبي الإصبع ( تـ 654 هـ )

عقد ابن أبي الإصبع بابا للإشارة ونقل نقلا عن غيره ، ولكنه زاد في هذه الدلالة زيادات جليلة جعلته يمثل مرحلة من مراحل تطور دلالة الإشارة .
فلقد نقل عن [ هند بن أبي هالة في وصف رسول الله أنه" كان يشير بكفه كلها , وإذا تعجب قلبها , وإذا حدث اتصل بها فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى " .
فوصفه ببلاغة اليد , كما وصفه ببلاغة اللسان , يعني أنه يشير بيده في الموضع الذي تكون فيه الإشارة أولى من العبارة , وهذا حذق لمواضع المخاطبات ] ( 48 ) .
ثم راح ابن أبي الإصبع يشرح هذا , فقال : [ يشير بكفه كلها . أي : يُفهم بها المخاطب كل ما أراده بسهولة , فإن الإشارة ببعض الكف تصعب , وبكل الكف تسهل .
فأعلمنا هذا الوصف أنه كان سهل الإشارة كما كان سهل العبارة .
" فإذا تعجب بها قلبها"
يعني : أنه أتى بها على وجهها إذا كان المعنى الذي يشير إليه على وجهه ليس فيه ما يستغرب فيعجب منه , فإن الشيء المعجب إنما يكون معجباً لكونه غير معهود .
فكأن الأمر فيه قد قُلب لمخالفته المعهود ، فلذلك يجعل قلب يده في وقت الإشارة إشارة إلى أن هذا الأمر قد جاء على خلاف المعهود , ولذلك تعجب منه .
وقوله : " وإذا تحدث اتصل بها "
يعني : اتصل حديثه بها , فيكون المعنى متصلاً , والمفهوم بالعبارة والإشارة متلاحماً , آخذ بعضه بحجز بعض .
وقوله : " فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى "
يعني : أنه عند انتهاء إشارته يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى , مشيراً إلى أنه ختم إشارته , ومعناه , ولذلك عطف هذه الجملة بالفاء , ولم يأت بها معطوفةً بالواو , كما أتى بما قبلها من الجمل , لكونها آخر إشارته .
والواو لكونها غير مقتضية للترتيب يجوز أن يكون المتأخر بها متقدماً ولا كذلك الفاء , إذ لا بد أن يكون المعطوف بها متأخراً ؛ لكونها موضوعة للتعقيب .
وأما اقتصاره على باطن الإبهام دون ظاهرها "
فمعناه : أنه جعل آخر الإشارة متصلاً بأول العبارة اتصالاً متلائماً كملاءمة باطن الكف التي ضرب بها باطن الإبهام التي ضرب عليها , وهذا أيضاً من بلاغة الواصف . ( 49)
وهذا الكلام كلام نفيس لأنه يضع أصولاً لقواعد هذه الدلالة وهذه الأصول لابد من تعليمها حتى يستطيع كل مبين أن يخرج مراده ويختار له ما يناسبه من ألوان البيان لفظا كان أو إشارة ...
ومع أن هذا الكلام صريح في قدره الإشارة علي حمل المعاني ، وتكوين الدلالات ، إلا أن العجيب أن ابن أبي الإصبع حين اسشهد أعرض عن كلامه ، وأتي بشواهد بعيدة عما قال ...
شواهد كل ما فيها أن اللفظ القليل يحمل المعاني الكثير ، وهذا أشبه بالانفصام بين القاعدة والمثال ، وهو ما وقع فيه الكثيرون.
ولعل السبب في ذلك ، أن علماء البلاغة حين يكتبون في العلم يأتون في كلامهم وقواعدهم الجديد ، وحاول كل منهم أن يضيف إلي كلام السابقين شيئا فإذا جاءوا إلي التمثيل أخذوا من السابقين شواهدهم وسطورها، ولذلك تجد أغلب الشعر المستشهد به في دلالة الإشارات واحدا ، إلا ما نذر .


الإشارة عند ابن حجة الحموي:
لقد إضاف ابن حجة الحموي إلى هذه الدلالة إضافة ينبغي ذكرها هنا , حيث قال : [ هذا النوع " أعني الإشارة " مما فرعه قدامة من ائتلاف اللفظ مع المعنى , وشرح ذلك فقال : هو أن يكون اللفظ القليل مشتملاً على المعنى الكثير , بإيحاء ولمحة تدل عليه , كما قيل في صفة البلاغة : هي لمحة دالة .
وتلخيص ذلك : أنه إشارة المتكلم إلى المعاني الكثيرة بلفظ يشبه لقلته واختصاره إشارة اليد , فإن المشير بيده يشير دفعة واحدة إلى أشياء لو عبر عنها بلفظ لاحتاج إلى ألفاظ كثيرة .
ولابد في الإشارة من اعتبار صحة الدلالة , وحسن البيان مع الاختصار ؛ لأن المشير بيده إن لم يفهم المتلقي معنى إشارته فإشارته معدودة من العبث , وكان النبي سهل الإشارة كما كان سهل العبارة , وهذا ضرب من البلاغة يمتدح به ] ( 50)
وفي كلام ابن حجة تنبيهات ينبغي الوقوف عليها , فهي مرحلة من مراحل تطور هذه الدلالة , ومنها :
أولاً : أن دلالة الإشارة مع كونها من اللفظ لكنها سميت كذلك تشبيهاً بحركة اليد التي تفهم منها معان كثيرة دفعة واحدة , فكذلك اللفظ إذا فهم منه معان كثيرة دفعة واحدة كان فيه دلالة إشارة كما يقول .
ثانياً : يشترط ابن حجة صحة هذه الدلالات حتى لا يدعي كل أحد أن في اللفظ دلالة كذا , واللفظ لا يحتملها .
يقول :[ فلابد في الإشارة من اعتبار الصحة , وحسن البيان مع الاختصار ] ( 51) .
ثالثاً : أن من الإشارة ما يوصف بالسهولة , ومنها ما يوصف بالتعقيد , وسهولة الإشارة تعني : وصول المراد إلى القلب دون وسائط .
ومع كل هذا إلا أنك تراه يقول : [ والإشارة قسمان : قسم للسان , وقسم لليد ] (51) لكنك إن بحثت عن القسم الذي لليد فلن تجد له شاهداً في كتابه,فجميع شواهده في دلالة اللفظ القليل على المعنى الكثير,وهذا بلا شك دلالة إيجاز وليست دلالة إشارة باليد كما نص هو" " .




الإشارة عند الفقهاء:
حظيت دلالة الإشارة لدى الفقهاء بعناية فائقة , وبنوا عليها أحكاماً, حتى وإن وردت وحدها دون مصاحبة اللفظ , مما يعني إمكانية استقلالها بالدلالة , ومن ذلك ما جاء في كثير من أبواب الفقه ,يقول المهلب : [ قد تكون الإشارة في كثير من أبواب الفقه أقوى من الكلام , مثل قوله " ": بعثت أنا والساعة كهاتين ( 52) فعرّف قرب ما بينهما بمقدار زيادة الوسطى على السبابة .
وفي اجتماع العقول على أن العِيان أقوى من الخبر دليل على أن الإشارة قد تكون في بعض المواضع أقوى من الكلام ] ( 53) .
ومن الأفكار التي بنيت على الإشارة عند الفقهاء :
أنهم [ كرهوا للرجل التكلم والإمام يخطب , وإن تكلم غيره فلا ينكر عليه إلا بالإشارة ](54)
[ واشترطوا لحل الذبيحة شروطا , منهاً :
أن يقول باسم الله عند حركة يده بالذبح......فإن كان الذابح أخرس أومأ برأسه إلى السماء , وأشار إشارة تدل على التسمية , بحيث يفهم منها أنه أراد التسمية , وهذا كاف في حل ذبيحة الأخرس .
وفي حكم البدء بالسلام قالوا :
وإذا قال : السلام عليك , وأشار على محمد بدون تسميته فرد أحد الحاضرين , فإن الفرض يسقط ؛ لأن الإشارة تحتمل أن تكون لهم جميعاً , وكذا إذا قال : السلام عليك , بدون إشارة , فإنه إذا رد واحد سقط عن الباقين ؛ لأنه يصح أن يخاطب الجماعة بخطاب الواحد.....

وفي مبحث اليمين قالوا :
وإذا حلف ألا يأكل هذا وأشار إلى قمح بدون أن يذكره , فإنه يحنث إذا أكل منه على هيئته, أو أكل من دقيقه , أو خبزه , أو أي شيء يتولد منه ...

وفي كتاب النكاح قالوا :
وإذا تزوجها على ( هذا الفرس ,أو هذا الفرس ) وأشار لها إلى فرسين , وكان أحدهما أقل من الآخر حكم بمهر المثل .


وفي باب القذف قالوا :
إن القذف لا يصح إلا بالتصريح ....
قال ابن القصار : وهذا باطل , وقد نص مالك على أن شهادة الأخرس مقبولة , إذا فهمت
إشارته , وأنها تقوم مقام اللفظ بالشهادة ...] ( 55)

أما علماء الأصول , فإنهم ذكروا من أنواع الدلالات : دلالة الإشارة ؛ لكنهم لم يخرجوا بها عن التركيب ونظمه , وجعلوها ثمرة للفظ وإيماءاته , فقالوا عنها : إنها [ دلالة النظم على معنى لم يسق لأجله , لعدم قصد المتكلم له في نفسه , لكن السامع يعلمه بالتأمل في معنى النظم من غير زيادة عليه ولا نقصان ] (56)
[ وجوهر هذه الدلالة عندهم ماثل في أمرين :
أنها دلالة نظمية , وأنها دلالة غير مقصودة للمتكلم بهذا النظم .
ووجه تسمية هذه الدلالة إشارة عندهم أن المتكلم قد يفهم بإشارته , وحركته في أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ فيسمى إشارة ]( 57)

وكل ذلك كما ترى متولد عن اللفظ , ولا علاقة له بدلالة الحركة , وإن كان الأصل في اصطلاح لفظ الإشارة هو الحركة , لكنهم عند تحديد الدلالة نظروا إلى اللفظ , وأغفلوا الحركة المصاحبة له .
ولذلك يرى بعضهم أنها دلالة التزاميه تستقى من اللفظ غير الصريح , ويرى آخرون أنها تفهم من اللفظ , ولا يدل اللفظ عليها , ومن ذلك مثلاً ما يقوله الجصاص في أحكام القرآن حول قول الله تعالى : " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف " يقول : [ يؤخذ منه بطريق الإشارة : أن الفقير قد يملك بعض ما يغنيه , وليس هو الذي لا يملك البتة, فإنه لا يحسبه الجاهل به غنياً من أجل تعففه إلا إذا كان ظاهر حاله ساتراً حقيقته , وذلك لا يكون مع العدم المحض ] ( 58 ) .
[ ويؤخذ منه أيضاً بطريق الإشارة أن على الفقير ألا يظهر حاله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً , فقد جاءت الآية في معرض المدح .
ويؤخذ منه أيضاً : أن على أهل الفضل أن ينقبوا عن أولئك المتعففين , ويعينوهم على استتارهم ببذل ما يحفظ ماء الحياء في وجوههم ] ( 59) .

وكل هذه المعانى مرتشفه من اللفظ وسياقه ،لكن لا يوجد ذكر هنا لحركه أو إشارة ، مما يعني أن الأصوليين ـ أيضاً عدلوا بالإشارة عن حقيقتها ، وعمدوا إلى اللفظ وإشارته أي : دلالته .

ولم تقف أهمية هذه الدلالة عند الفقهاء والبلاغيين فقط ، بل إن الناس كانوا يتعارفون علي إشارات فيما بينهم ومن ذلك ما ذكره شمس الدين العظيم أبادي في شرحه لسنن أبي داود .
يقول : [ جاء عن ابن سيرين أنه قال :
كانوا يستأذنون الإمام - وهو علي المنبر - فلما كان زياد , وكثر ذلك بينهم ، قال : من وضع يده علي أنفه فهو إذنه ]( 60 ) .
وهذا اصطلاح بين هؤلاء فقط ، مما يعني أن الجميع كان يأوي إلي الإشارة , إن صرفه صارف عن اللفظ .




وقفه علي ما سبق.
هذا مما سطّرهُ علماؤنا عن الإشارة ، ولقد تبين لي بعض الأمور أوجزها فيما يلي :
أولاً : اتفق الجميع على أن الأصل في البيان هو اللفظ , ولم يختلفوا حول الإشارة , وكونها ضرباً من البيان أيضاً .
ثانياً : أن أول من كشف اللثام عن هذه الدلالة , وفصل غوامضها الجاحظ , ومع ذلك لم يسر خلفه الباقون بل حارت الدلالة عندهم وضوحاً وغموضاً,وإن كان لهم إضافات لا تنكر .
ثالثاً : أن للإشارة دلائل واضحة وناطقة في بيان الوحي , كما أن لها دلائل في بيان العرب قديماً شعراً ونثراً .
رابعاً : أنهم اختلفوا في وصف الإشارة بالبلاغة , فمنهم من وصفها بالبلاغة كابن المقفع , وابن حجة الحموي , وابن أبي الإصبع , ومنهم من قصر البلاغة على اللفظ.
خامساً : أن دلالة الإشارة مركوزة في فطرة الإنسان , وعليه لا يجوز وصف البليغ إذا أشار بالقصور , أو العيب , أو العي .
سادساً : لابد في الإشارة من موافقة اللفظ حتى يسهل المعنى على المتلقي , أما إذا كان اللفظ في جانب , والإشارة في جانب مغاير أدى الأمر إلى التعقيد المذموم .
سابعاً : إن حقل البيان ما زال في حاجة ماسة إلى الكشف عن وسائل البيان الأخرى غير اللفظ
ثامناً : للإشارة مقامات لا يستطيع اللفظ القيام بها , كالبيان للبعيد , وبيان الخائف , والبيان عن أمور لا لفظ لها في العربية , كما في بعض الأصوات .
تاسعاً : أن لكل حركة دلالة ينبغي تمييزها عن غيرها , وتحديد دورها في تكوين المراد .
ووددت لو تم اصطناع معجم لدلالة الإشارات في بيان السابقين , وعلى رأس ذلك بيان الوحي , ثم بيان العرب القديم .
ولقد ألمح على مثل ذلك ابن حزم حيث قال : :
الإشارة بمؤخرة العين الواحدة , تعني : النهي .
وتقصيرها : إعلام بالقبول .
وإدامة نظرها : دليل على التوجع .
وقبض اليد يعني : القوة .
وغير ذلك كثير في التراث , ومن الممكن جمعه , ووضعه في معجم يستعين به كل مبين .

الفصل الثاني
دلالة الإشارة في بيان النبي
" "
دراسة في صحيح مسلم


---------------------------------------------------------



تقديم
لا شك أن كل بيان يحمل صفات قائله , فالبيان القرآني يحمل كل كمال , وكل تنزيه وإحاطة , وكل ما يليق بالله تعالى من صفات .
وإذا كان الحكماء من البشر يملكون ناصية البيان أعلاه ، وأصفاه ، وأحلاه ، وأتقنه ، وأرقاه ، فما أبان أحد كبيان النبي- - ، فالبيان النبوي يقف على قمة البيان البشري , ولم لا وهو قبس من بيان القرآن الكريم ، بل هو الوجه الآخر لهذا البيان .
وللإشارة في بيان المعصوم صلي الله عليه وسلم مقام رفيع لا يقل عن مقام اللفظ ولقد حرص الرواة جميعاً حين سمعوا رسول الله يقول : " بلغوا عني " حرصوا علي نقل هذا البيان كاملاً غير منقوص ، بما فيه من لفظ وخط ، وإشارة ، وعقد وحال ،لأنهم يعلمون أن هذه الوسائل ليست حشوا ، أو كمّا مهملا ، بل لها دور في بناء المعني , وتكوين الدلالات , وعسى أن يكون خلف الإشارة حكم , أو تكليف , أو وصية , أو نحو ذلك من تعاليم الدين , فيغيب عن الناس فيتحملوا وزره ؛ لأجل ذلك نقلوا إلينا كل شيء .
تسمعهم يقولون : قال رسول الله " " كذا وأشار بالسبابة والوسطى , أو قال كذا وجمع بين أصابعه , أو شبك بين أصابعه .
وتراهم يقولون : خط رسول الله خطوطاً في الأرض ... ثم قال كذا ...
وهذا كله دليل قاطع , وبرهان ساطع على منزلة هذه الوسائل البيانية في حمل المراد إلى
المتلقي .
بل إنهم أطلقوا على الإشارة لفظ ( القول ) : تسمعهم يقولون : قال بأصبعه كذا ....
والأوراق القادمة تكشف بعضاً من علاقة البيان بالإشارة , وكيف تحمل حركة الجسد تشبيهاً أو توكيداً , أو غير ذلك من ألوان البلاغة , وكأن الإشارة فيها من علم المعاني والبيان والبديع .....وهذه نماذج تبين كل نوع .



التوكيد بالإشارة

لا شك أن توكيد المسند , أو المسند إليه إنما هو تقرير لكل منهما , وتحقيق لمفهومهما ؛ رغبة في [ جعله مستقراً محققاً ثابتاً بحيث لا يظن به غيره ] ( 61 ) والإشارة تقوم بهذا الدور خير قيام .
ولقد جاءت أحاديث كثيرة ترى فيها الإشارة مؤكدة للفظ , ومدعمة له , وكأن وصول المعنى إلى القلب عن طريق السمع لا يكفي , فأريد استصحاب طريق إضافي , فإذا وجد القلب أن المعنى قد وصله من طريقين مختلفين , وكل منهما يؤكد الآخر، فتح للمعنى الباب ليستقر فيه .
ولا شك أن العلماء كانوا يستعينون علي المعني الواحد بعدة طرق لفظية مثل التوكيد اللفظي والمعنوي ، وغير ذلك - لأنهم كانوا يرون في المعني فخامة تحتاج إلي هذا الحشد .
فما المانع أن تؤازر الإشارة اللفظ في المعاني الشريفة ، والمقامات العالية التي تحتاج إلي ألوان أخرى من المؤكدات سوي المؤكدات اللفظية،حتى تستقر النفوس ، ويزول ما فيها من ريب .
ومن هذا الباب ما جاء في فتح خيبر من حديث سلمة بن الأكوع .
أنه قال : لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالا ً شديداً مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فارتد عليه سيفه فقتله ، فقال أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم في ذلك ، وشكّوا فيه : رجل مات في سلاحه ، وشكوا في بعض أمره .
قال سلمة : فقفل رسول الله صلي الله عليه وسلم من خيبر ، فقلت : يا رسول الله ائذن لي أن أرجز لك، فأذن له رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال عمر بن الخطاب أعلم ما تقول ، قال ، فقلت :
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم " صدقت "
فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا
قال : قلما قضيت رَجَزي قال رسول الله " من قال هذا " ؟
قلت : قاله أخي , فقال رسول الله : " ي "
فقلت : يارسول الله ! إن ناساً ليهابون الصلاة عليه , يقولون رجل مات بسلاحه .
فقال رسول الله : " مات جاهداً مجاهداً " , وفي رواية " كذبوا , مات جاهداً مجاهداً فله أجره مرتين , وأشار بأصبعيه " ( 62 )
فقوله : مرتين , ثم يشير بإصبعيه إنما هي توكيد لفظي لأن المقام في حاجة إلى ذلك , وانظر إلى ما أصاب سيدنا سلمة بن الأكوع من غم حين رأى إعراض الصحابة عن الصلاة على
أخيه , حتى ارتاب في الأمر , ودخله ما دخله من الشك في عاقبة أخيه , ومن هنا كان من الأولى إزالة هذا الشك من عنده , ومن عند جميع الصحابة , فأكد النبي كلامه بالإشارة , لتكون الإشارة توكيداً لا يبقى معه لبس , ولا غموض في فوز أخي سلمة بالجنة , والشهادة في سبيل الله تعالى .
فالآذان ستظل تذكر كلام النبي , والعيون كذلك ستظل ترى هذه الإشارة المصاحبة للفظ لتكون بياناً توكيدياً لها .

ومن هذا الباب قول النبي :
[ تُدنى الشمس يوم القيامة من الخلق , حتى تكون منهم بمقدار ميل, قال سليم بن عامر : فوالله ما أدري ما يعني بالميل ؟ أمسافة الأرض , أم الميل الذي تكتحل به العين ؟
قال : " فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق , فمنهم من يكون إلى كعبيه , ومنهم من يكون إلى ركبتيه , ومنهم من يكون إلى حقويه , ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً "
قال : وأشار رسول الله بيده إلى فيه . ( 63 )
فقوله " ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً, يفهم منه أن العرق قد وصل إلى الفم , هذا منطوق العبارة , والذهن يتصور ذلك , لا شك , .
إذن , ما الإضافة التي أضافها رسول الله إلى المعنى بإشارته ؟ وهل قصّر اللفظ عن أداء المراد حتى تأتي الإشارة ؟
إن الإضافة التي أتت بها الإشارة , كما أفهم , هي استحضار الصورة لتشاهدها العيون , فوضعُ رسولِ الله يده على فيه نقل المعنى من عالم الغيب إلى عالم الشهادة , وهذا من أرفع صور التوكيد فالناس الآن لا يسمعون الكلام , بل يرون صورة هذا الرجل الذي ألجمه عرقه , يرونه الآن أمام عيونهم , وهو يحاول النجاة , أو التخلص من هذا العرق بعد أن وصل إلى فيه , وأخذ بخناقه , ويكاد يسد أنفاسه , هكذا ينظر السامع إلى المعنى بعد إشارة النبي .
أما اصطفاء هذا الصنف , أعني : الذي يلجمه العرق , لتصويره دون غيره ممن وصل العرق إلى كعبيه , أو ركبتيه ...الخ , فلأنه الأشد كرباً , والمقام مقام ترهيب من يوم القيامة , والسياق سياق زجر , فالشمس تدنو من الرؤوس , والكل في ضيق ووجل , فكان الأبلغ استخلاص أشد الصور نفوراً فكان من يلجمه العرق إلجاماً هو الأليق بالمقام فوقع التصوير بالإشارة عليه , لأن من رأى ليس كمن سمع .



التعريف بالإشارة

تحدث البلاغيون عن التعريف باسم الإشارة , وجعلوا لذلك أغراضاً كثيرة , منها : تمييز المشار إليه أكمل تمييز , ومنها المدح , أو الذم , أو لبيان حاله في القرب أو البعد , أو التوسط , وقد يكون التعريف باسم الإشارة غرضه التنبيه على ما سبق ذكره في الكلام ..وغير ذلك .
ولقد بين العلماء أن التعريف بالإشارة يرقى إلى مرتبة عالية في مجال وسائل التعريف , وذلك بسبب مصاحبة الإشارة الحسية للفظ المسموع .
يقول السبكي في عروس الأفراح : [ يؤتى بالمسند إليه اسم إشارة لأحد أمور :
الأول : أن يقصد تميزه لإحضاره في ذهن السامع حساً ...فالإشارة أكمل ما يكون من التمييز كقول ابن الرومي :
هذا أبو الصقر فرداً في محاسنه من نسل شيبان بين الضال والعلم (64 )
انظر إلى قوله : " لإحضاره في ذهن السامع حساً " فهذا يعني مصاحبة الحركة للفظ .
ويقول الدسوقي في حاشيته على السعد : [ والتمييز الأكمل هو ما كان بالعين والقلب , فإنه لا تمييز أكمل منه , ولا يحصل ذلك التمييز إلا باسم الإشارة ....
ودلالة اسم الإشارة على أكملية التمييز لأن معه إشارة حسية , ولا يتأتى معه اشتباه ..
واسم الإشارة إذا كان المشار إليه حاضراً محسوساً للسامع بحاسة البصر كان أقوي .]( 65 )
وكل هذا يدل على قدرة الإشارة الحسية على حمل المعاني , بل إن أسماء الإشارة لا تتخيل إلا إذا صاحبتها حركات حسية , يلفت بها المتكلم نظر السامع إلى ما يريد .

ومن هذا الباب ما رواه أبو هريرة قال : [ كنا جلوساً عند النبي فأنزلت عليه سورة الجمعة " وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ...
قال : قلت : من هم يا رسول الله ؟
فلم يراجعه حتى سأل ثلاثاً , وفينا سلمان الفارسي , فوضع رسول الله يده على سلمان , ثم قال : " لو كان الإيمان عند الثريا
لناله رجال من هؤلاء " ] ( 66 )
فقوله " لناله رجال من هؤلاء " صاحبه وضع يده على سلمان الفارسي , حتى يكون التمييز في أكمل صورة , وبخاصة أن السائل صار في شوق إلى معرفة هذه الطائفة التي تلحق بالسابقين الأولين .
ووضع اليد على سيدنا سلمان قصد به رجال من أهل فارس , وهذا يفسره رواية أبي هريرة في صحيح مسلم : " لو كان الدين عند الثريا لذهب رجال من فارس حتى يتناولوه "
وليس المقصود اختصاص أهل فارس بسبب فارسيتهم , وإنما المقصود ما يتحلون به من طاعة والتزام .
ولقد نقل ابن حجر بعضاً مما جاء في أسباب نيل هؤلاء هذه الدرجة , ومنها :
ما جاء زيادةً في إحدى الروايات " برقة قلوبهم " ,
وفي أخرى " يتبعون سنتي , ويكثرون الصلاة علي " ( 67).
وعلى هذا فالإشارة الحسية تلفت انتباه الناس إلى صفات هذه الطائفة , التي تتحلى بالإيمان , ولو كان عند الثريا .
ووضع اليد على سيدنا سلمان يعني أنه كان متحلياً بهذه الصفات فجاءت الإشارة الحسية لينظر الجميع إليه , وإلى صفاته فيكون ذلك دافعاً إلى التشبه به .

**


دلالة الإشارة على المحذوف
قد تأتي الإشارة لتدل على لفظ محذوف لكنه مراد في المعنى , وعدم التصريح بهذا اللفظ له أسباب كثيرة : مثل : الاختصار , والاحتراز عن العبث بناءً على الظاهر , أو ضيق المقام ...الخ ( 68 ) .
ولا شك أن للحذف مكانة عالية في البلاغة .
ويكفي هنا ما ذكره الإمام عبد القهر من أن الحذف [ باب رقيق المسلك لطيف المأخذ ،عجيب الأمر شبيه بالسحر , فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر , والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة ، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتم ما تكون بيانا إذا لم تبن ] ( 69 ) .
وقد يعمد المبين إلي الإيماء , وإلي المحذوف بإشارته ، وعندها تكون هذه الإشارة هي الدليل علي المحذوف فتكسبه وضوحا وبيانا قد لا يتوفران في ذكره .
ومن ذلك ما رواه سيدنا عبد الله بن عباس ، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أسجد علي سبعة أعظم . الجبهة وأشار بيده علي أنفه واليدين ، والرجلين ، وأطراف القدمين ، ولا تكفت الثياب ولا الشعر( 70 ) .
والحديث حذف منه لفظ " الأنف وإن كان أشير إليه باليد , ذلك لأن الأصل في الرأس الجبهة ، فالسجود عليها هو الفرض ويتبع ذلك الأنف .
وكان التصريح بالجبهة ، وحذف الأنف يعني أن كلا منهما ليسا علي درجة واحدة في السجود. [ قال القرطبي : هذا يدل علي أن الجبهة الأصل في السجود والأنف تبع ....وقال ابن دقيق العيد : قيل : معناه أنهما جعلا كعضو واحد ، وإلا لكانت الأعضاء ثمانية ، وقال : وفيه نظر : لأنه يلزم منه أن يكتفي بالسجود علي الأنف ، كما يكتفي بالسجود علي بعض الجبهة ..... والحق : أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة ، وإن أمكن أن يعتقد أنهما كعضو واحد فذاك في التسمية والعبارة ، لا في الحكم الذي دل عليه الأمر ] ( 71 ) .
وقد تفيد الإشارة أن الجبهة والأنف ملتصقين فهما عضو واحد كما جاء عند النسائي :
"ووضع يده علي جبهته وأمرها علي الأنف,قال : هذا واحد ]( 72 ) .
وأري أن حذف لفظ " الأنف " هنا لا يعني أنها تالية للجبهة وتابعة لها في الأهمية ، بل إن الإشارة إلي الأنف يعني كما أري أهمية السجود عليها لدرجة قد تفوق غيرها ، ولذلك وضع البخاري ( ) هذا الحديث تحت عنوان " باب السجود علي الأنف والطين " .
ذلك لأن السجود علي الأنف أقرب إلي الذل والانكسار والخشوع من غيره ، ويعلق ابن حجر علي عنوان البخاري فيقول :
" كأن البخاري يشير إلي تأكد أمر السجود علي الأنف , بأنه لم يترك مع وجود عذر الطين الذي أثر فبه ، ولا حجة فيه لمن استدل به علي جواز الاكتفاء بالأنف ، لأنه في سياقه أنه سجد علي جبهته وأرنبته، فوضح انه إنما قصد بالترجمة ما قدمناه،وهو دال علي وجوب السجود عليهما ، ولولا ذلك لصانهما عن لوث الطين " ( 73 ) .
وعليه فإن الحذف هنا لا يقل درجة عن الذكر لأن الإشارة نبهت على المحذوف ، وزادته إيضاحاً فوق اللفظ .
ومن هذا الباب أيضاً ما رواه عبد الله بن عمر قال " اشتكي سعد ابن عبادة شكوي له ، فأتي رسول الله صلي الله عليه وسلم يعوده ، مع عبد الرحمن بن عوف ، وسعد ابن أبي وقاص ، وعبد الله ابن مسعود ، فلما دخل عليه وجده في غشيه .

فقال: أقد قضي ؟ قالوا : لا يا رسول الله : فبكي ، فلما رأي القوم بكاء رسول الله صلي الله عليه وسلم بكوا ، فقال : ألا تسمعون ؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ، ولا بحزن القلب ، ولكن يعذب بهذا " وأشار إلي لسانه " أو يرحم ( 74 ) .
وأول ما يلحظ هنا : البداية بـ " ألا تسمعون " وهذا تمهيد لما سيقوله لأهميته حتى لا يتحرج أحد من البكاء ، أو يظن أن فيه معصية .
ولكن ما الفرق بين ( أن الله يعذب بهذا أو يرحم ) وبين ( إن الله يعذب باللسان أو يرحم ) ؟
الفرق أن في أحد الخبرين إشارة وفي الأخر تصريح باللفظ ، ولا شك أن في حذف اللفظ والاكتفاء بالإشارة التي تراها العين توكيداً للمعني ، وبخاصة أن في الكلام تشريعاً يترتب عليه حرام وحلال ،كما أن في حذف لفظ [ اللسان ] تهويلاً وترهيبا ًمن عواقبه , لأنه إما أن يرفع صاحبه إلى عليين , أو يهوي به إلى أسفل سافلين , وهنا ترى كلام الإمام عبد القاهر قد تمثل أمامك , وذلك قوله : " وترى ترك الذكر أفصح من الذكر ..."



الاختصاص بالإشارة
الاختصاص في البلاغة العربية له أدواته المعروفة مثل( إلا,وإنما,والعطف بلا وبل ولكن )...
ويمكن أن يضاف إلى ذلك الإشارة ؛ لأنها تصحب اللفظ فتخصص جزءه , أو نوعه , أو أفضله , أو أدناه .
ومن هذا الباب ما رواه ابن مسعود قال :
أشار النبي نحو اليمن فقال :
" ألا إن الإيمان ههنا , وأن القسوة وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل حيث يطلع قرنا الشيطان في ربيعة ومضر (75)
فالحديث يختص أهل اليمن بعلو القدر في الإيمان وسبقهم في ذلك غيرهم , ولقد كان الاختصاص بأداة بيانية واضحة تراها العيون , وهي الإشارة باليد , يقول ابن حجر : [ قوله أشار رسول الله بيده نحو اليمن فيه تعقب على من زعم أن المراد بقوله " يمان " الأنصار ,
لكون أصلهم من أهل اليمن ؛ لأن في إشارته إلى جهة اليمن ما يدل على المراد به أهلها حينئذٍ, لا الذين كان أصلهم منها ,وسبب الثناء على أهل اليمن هو إسراعهم إلى الإيمان ](76)
وهذا يعني أن الإشارة أفادت خصوصية في المراد , وهو أن الفضل الإيماني في أهل اليمن الذين كانوا في عهد رسول الله خاصة , وليس الأمر متعلقاً بمن سبقوا منهم , أو من جاءوا من بعدهم , ولذلك جاء في رواية " جاء أهل اليمن هم أرق أفئدة , الإيمان يمان , والفقه يمان , والحكمة يمانية " (77)
فالإشارة في الحديث خصصت الوقت , وليس الأمر على إطلاقه , فالفضل إذن للأنصار الذين آووا ونصروا , فهم أرق أفئدة , وأهل فقه وإيمان , ولذلك كان الاعتراض على من ظن أن اللفظ على إطلاقه فقيل [ أما ما ذكر من نسبة الإيمان إلى أهل اليمن فقد صرفوه عن ظاهره من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة ثم من المدينة ]( 78)
بل غالى البعض فقال إنه أراد بذلك مكة , ومكة من تهامة , وتهامة من أرض اليمن , أو أراد مكة والمدينة معاً...حيث جاءت الرواية بأنه قال هذا الكلام وهو في تبوك , ومكة والمدينة حينئذٍ بينه وبين اليمن , فأشار إلى ناحية اليمن , وهو يريد مكة والمدينة , فقال الإيمان يمان ونسبهما إلى اليمن لكونهما حينئذٍ من ناحية اليمن , كما قالوا الركن اليماني , وهو بمكة لكونه إلى ناحية اليمن .
لكن الأحسن - كما قال أبو عبيدة : أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانيون في الأصل , فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره ] ( 79 )
ولعل هذا القول هو الذي يفسر الجمع بين الإشارة واللفظ في رواية البخاري حيث جاء فيها :
[ الإيمان يمان ههنا ]
فقوله : " يمان " إشارة إلى أهل اليمن .
وقوله : " ههنا" أراد بها الأنصار .
وذلك لأن اسم الإشارة " هنا " يدل على القرب كما قال ابن مالك :
وبهنا أو ههنا أشر إلى داني المكان وبه الكاف صلا
أي : يشار إلى المكان القريب بـ " هنا " ويتقدمها هاء التنبيه فيقال : " ههنا " ( 80 )
وعلى هذا فالحديث مدح للأوس والخزرج , فهم الأرض التي اشتد فيها عود الإسلام , واستوى على سوقه , وبيعتي العقبة دليل ذلك .
أما ما قاله بعضهم من صرف المعنى عن ظاهره , وأنه أراد مكة فإنه يخالف الروايات الكثيرة والصريحة في أنهم أهل اليمن , نحو : أتاكم أهل اليمن , وجاءكم أهل اليمن , ثم جاءت الإشارة في روايات أخرى لتؤكد هذه الأمور , وقد اختار النووي هذا الرأي , وحسنه أبو عبيدة .


ومن هذا الباب ما رواه أبو هريرة أن رسول الله ذكر يوم الجمعة , فقال : " فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه "
وزاد قتيبة في روايته : وأشار بيده يقللها.
وفي رواية أخرى : " وقال بيده يقللها يزهدها " (81)
وهذه الإشارة استنبط منها الصحابة معنى القلة , كما نص على ذلك الراوي , مما يعني أنهم مصطلحون ضمناً على إشارات يفهمون منها معاني خاصة , ولذلك [ جاء في رواية سلمة بن علقمة ....ووضع أنمله على بطن الوسطى , أو الخنصر يزهدها .
وبين أبو مسلم الكجي أن الذي وضع أنمله هو بشر بن المفضل رواية عن سلمة بن علقمة , وكأنه فسر الإشارة بذلك , وأنها ساعة لطيفة تنتقل بين وسط النهار إلى قرب آخره , وبهذا يحصل الجمع بينه وبين قوله " يزهدها " أي : يقللها .
ولمسلم من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة [ وهي ساعة خفيفة ] .
وللطبراني في الأوسط من حديث أنس [ وهي قدر هذا ] يعني : قبضة .
قال الزبير بن المنير : الإشارة لتقليلها هو للترغيب فيها , والحض عليها ليسارة وقتها , وغزارة فضلها ...
و فائدة الإبهام لهذه الساعة , ولليلة القدر , بعث الداعي على الإكثار من الصلاة والدعاء , ولو بيَّن لاتكل الناس على ذلك , وتركوا ما عداها , فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها ] ( 82 )
ولا شك أن الاختصاص بالإشارة هنا لا يراد منه ساعة دون أخرى , ولكن يراد منه التنبيه على قلة وقت الإجابة كما فسر العلماء , حيث قالوا : أن هذه الإشارة تعني أنها يسيرة , أو تعني أنها ساعة خفيفة .
وقيل إنها ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة .
وقيل : عند الشروق .
وقيل قبل الغروب ...
وكل ذلك تفسير للإشارة بالقلة ؛ حتى يجتهد المسلم في كل وقت , لعله يدركها .









دلالة الإشارة على التشبيه
للتشبيه في البيان العربي منزلة عالية , قال عنها الإمام عبد القاهر : [ وهل تشك في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين , حتى يختصر ما بين المشرق والمغرب , ويجمع ما بين المشئم والمعرق , وهو يريك للمعاني الممثلة بالأوهام شبهاً في الأشخاص الماثلة ,والأشباح القائمة , ويُنطق لك الأخرص , ويعطيك البيان من الأعجم , ويريك الحياة في الجماد , ويريك التئام عين الأضاد , فيأتيك بالحياة والموت مجموعين , والماء والنار مجتمعين ...] ( 83)
وظهور الإشارة في دائرة البيان , وولوجها في تصاويره الكثيرة دليل على قدرة الإشارة على حمل المعاني , وأدائها على أتم وجه , ولذا يستعان بالإشارة في الصورة التشبيهية , لأن بينهما علاقة وصلة رحم فالغرض الأول من التشبيه هو البيان والإيضاح , وليس هناك أقوى من الإشارة في إبراز المعاني في صور مشاهدة محسوسة تراها العيون , وتتلمسها الأيادي .
ومن هذا ما رواه سيدنا عمار بن ياسر قال : " بعثني رسول الله في حاجة فأجنبت , فلم أجد الماء فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة , ثم أتيت النبي فذكرت ذلك له , فقال : " إنما كان يكفيك أن تقول بيدك هكذا " ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة , ثم مسح الشمال باليمين وظاهر كفيه ووجهه " (84 )
ولا شك أن صنيع سيدنا عمار إنما كان بعد سماعه قول الله تعالى : " (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (المائدة:6) لأنه لن يفعل شيئاً دون دليل , لكن الآية لم تبين كيفية التطهر , ولا مقداره .., لذلك بالغ سيدنا عمار فعم الجسد بالتراب .
وكان تعليمه من الصورة الإشارية التشبيهية , فقام النبي بتعليمه عملياً , وهو ينظر , ولو افترضنا لفظاً يقوم مقام الإشارة , لما وفى بالبيان العملي لكيفية الضرب للأرض , وعدد المرات وما الذي يبدأ به من الأعضاء ؟ , وإلى أي مدى يكون المسح ؟
وغير ذلك كثير , ولقد كانت الإشارة وافية بجميع هذه الأسئلة , فما تركت في النفس شيئاً , فالتعليم هنا تعليم بالمشاهدة , فالرسول أمره أن يتشبه بأفعاله , وعليه ففي الكلام تشبيه .
ولكن كيف نكوّن هذه الصورة التشبيهية ؟
المشبه هنا سيكون تيمم سيدنا عمار .
والمشبه به هو تيمم رسول الله .
ووجه الشبه هو الإتيان بأركان التيمم على الوجه الصحيح .
ولقد تم كل ذلك من خلال الإشارة التي دلت على المعاني الكثيرة بحركات يسيرة , ولذلك سكت اللسان , وقامت اليدان لتقول بحركاتها , وتقلباتها ليرى الجميع فيحصل المراد .

ومن باب دلالة الإشارة على التشبيه ما رواه سيدنا أبو هريرة قال : قال رسول الله :
" كافل اليتيم له أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنة
" وأشار مالك بالسبابة والوسطى . (85)
وهنا أيضاً قامت الإشارة بدور المشبه به ؛ لأنها أكمل في البيان من المشبه , ولو أردنا أن ندلل باللفظ عن هذه الصورة لقلنا : رسول الله وكافل اليتيم متجاورين في الجنة كثيراً .
فهل ترى لهذه العبارة من الرونق والبهاء والأريحية ماتجده في قوله : " أنا وهو كهاتين " ؟.
إن الإشارة جعلت الجميع ينظر إلى هذين الأصبعين ويفكر فيما فيهما من معان , كالالتصاق , ودوام الصحبة , ووحدة الدرجة , وشمول النعيم , وحسن الجوار , .... الخ .
فالإشارة هنا زادت من عمق التشبيه , ووضعت له كثيرا من الأضواء البيانية , وفتحت له الباب ليجمع كل معاني الود , والألفة والاقتران , والوحدة وغير ذلك .
ولا يخفى عليك أن الغاية من وراء كل هذا هو حث المؤمنين على كفالة الأيتام , والإحسان إليهم , واستنهاض الهمم حتى لا يبقى في الأمة يتيم غير مكفول .

وقد تحمل الإشارة معنى التمثيل الذي يأتي في أعقاب المعاني , فتزيد الصورة أنساً وألفة , بالإضافة إلى قيام الإشارة مقام الدليل على صحة التشبيه , وهذا ما يفعله التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني , ومن ذلك :
ما رواه المسور بن شداد , قال : قال رسول الله صلى الله :
" والله مالدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه , وأشار بالسبابة , في اليم فلينظر بم يرجع ؟ ( 86)
إن الصورة التشبيهية قد كملت عند قوله : ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في اليم .
ثم جاءت الحركة , حركة وضع السبابة في اليم ؛ لينظر الجميع , ويستحضر اليم وأنه جالس على شاطئه , ثم هاهو يضع أصبعه في اليم , ثم ينظر فلا يجد فيه من الماء إلا البلل .
إن هذه الإشارة أعطت التشبيه قوة , لأنها قامت بدور الدليل , والبرهان على صدق الصورة , وأن من يفعل ذلك يرجع فارغ اليد إلا من الحسرة .
أرأيت كيف تدعم الإشارة التشبيه ؟ , وكيف توضح المراد منه ؟ وكيف أكسبته الأنس والألفة كما قال الإمام عبد القاهر ( 86 ) .



إخراج المعنوي في صورة المحسوس

تحدث البلاغيون عن إخراج المعنوي في صورة المحسوس , وذلك في باب البيان عن طريق التشبيه , أو الاستعارة , أو التعبير بالمضارع , وغير ذلك .
لكن الإشارة كما أرى أقوى أثراً من كل ذلك لأن الإشارة لا تكتفي بإخراج المعنوي في صورة المحسوس , وإنما تقوم بتصويره وتجسيده , فيتحول الأمر إلى صور حية مشاهدة تراها العيون , ومن ثم يتفاعل معها المتلقي ؛ فيرسخ المعنى في القلب رسوخاً لا مزيد عليه .
وأول ما يلقانا من هذا ما رواه عبد الله بن عمر , قال : كأني أنظر إلى رسول الله يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه , وهو يمسح الدم عن وجهه, ويقول : " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " ( 88 )
فجملة " يمسح الدم عن وجهه " فهم منها المراد , لكن قيام النبي بتجسيد هذه الحركة زادت المعنى شخوصاً ؛ لأنها عمدت إلى المتلقي , ونبهت عينه إلى أن ينظر إلى المعنى وهو يتحرك أمامه .
كما أن في هذه الإشارة بعضاً من التخفيف والترويح عن الصحابة الذين ضاقوا بتعذيب الكفار لهم , فكان في هذه الصورة التي حكاها النبي تأنيساً وترويحاً عنهم من شدة ما لاقوه . فالأمر كما قال ابن حجر كان [ تطييباً لقلوب الصحابة ] ( 89)
ومن هذا الباب أيضاً ما رواه أبو هريرة قال : قال رسول الله : " إذا خرجت روح المؤمن تلقاها ملكان يصعدانها , قال حما : فذكر من طيب ريحها , وذكر المسك , قال , ويقول أهل السماء : روح طيبة جاءت من قبل الأرض , صلى الله عليك , وعلى جسد كنت تعمرينه , فينطلق به إلى ربه , ثم يقول : انطلقوا به إلى آخر الأجل ....
قال : وإن الكافر إذا خرجت روحه , ذكر حماد , وذكر من نتنها , وذكر لعناً , ويقول أهل السماء : روح خبيثة جاءت من قبل الأرض , قال فيقال : انطلقوا به إلى آخر الأجل ...
قال أبو هريرة : فرد رسول الله ريطة كانت عليه على أنفه ...( 90 )
فهذا تجسيد لهيئة من شم رائحة كريهة منتنة , حتى اضطرته إلى وضع ردائه على أنفه , مما يعني أنه استشعر هذه الرائحة , وأحس بنتنها , فأراد أن يشرك الصحابة معه في هذا الشعور , فغطى أنفه بالملاءة ليستشعروا هم الآخرون نفس الرائحة , فيكون التنفير من هذا النموذج قد وصل إلى منتهاه .

ومن هذا الباب ما رواه أبو رافع عن أبي هريرة قال : كان جريج يتعبد في صومعة , فجاءت أمه ... قال حميد : فوصف لنا أبو رافع صفة أبي هريرة لصفة رسول الله أمه حين دعته كيف جعلت كفها فوق حاجبها , ثم رفعت رأسها إليه تدعوه , فقالت ياجريج , أنا أمك كلمني , فصادفته يصلى , فقال اللهم أمي وصلاتي , فاختار صلاته , فرجعت ثم عادت في الثانية , فقالت : ياجريج أنا أمك فكلمني , قال : اللهم أمي وصلاتي , فاختار صلاته , فقالت اللهم إن هذا جريج , وهو ابني , وإني كلمته فأبى أن يكلمني , اللهم لاتمته حتى تريه وجوه المومسات .
قال : ولو دعت عليه أن يفتن لفتن ..(91)
والإشارة هنا أنها جعلت كفها فوق حاجبها , ثم رفعت رأسها إليه , وهذا التصوير يبين عدة معان :
الأول : أنها وقت طلوع الشمس , واشتداد الحر .
الثاني : أنها امرأة عجوز ضعيفة .
الثالث: أنها جاءت من بعيد , لأن هؤلاء كانوا يتخذون صوامعهم في الصحاري بعيداً عن الحضر رغبة في الخلوة .
رابعاً : أن الدافع لمجيئها دافع قوي , فلقد جاءته مرة ومرتين وكل ذلك ولم تظفر منه بالإجابة , إلا أنه لم يقدر هذه الأحوال ؛ولا شك أن هذه الدلالات مستقاة من إشارتها التي تناقلها الرواة , واحدا بعد الآخر ..وتلك لفتة لا ينبغي أن تمر دون تدبر .
أعني أن الرواة , بداية من رسول الله نقلوا إلينا حركة أم جريج , وهي تضع يدها على حاجبها , وترفع رأسها , وكأن هذه الحركة جزء من الدلالة , ولا يمكن نقل جزء من البيان , وترك جزء آخر , فلم يكن المقصود من النقل الإخبار عن أم دعت على ولدها , وإنما المقصود الإخبار عن أم هذا حالها , وتلك ظروفها , ولذلك دعت على ولدها . والفرق واضح بين الأمرين .
ووصول المعنى إلى المتلقي لابد أن يكون بالجمع بين إشارتها ولفظها , ولو أن راويا حكى كلامها , ولم يحك إشارتها وفعلها فقد قصر في النقل , وأساء في التبليغ , ولذلك انظر :
حكى النبي اللفظ والحركة .
ثم حكى أبو هريرة اللفظ والحركة .
ثم حكى أبو رافع اللفظ والحركة .
وهكذا ينبغي على كل ناقل وحاك .
ولا أبالغ إذا قلت إن كثيراً من الشعر قد ضاعت معانيه لا لشيء إلا لأن الرواة نقلوا لنا اللفظ فقط .
إن شعراءنا لم يقولوا الشعر وهم ساكنون سكون الحجارة , بل قالوه وهم يشيرون بأيديهم , أو بغيرها في مواضع كثيرة , فأين هي هذه الإشارات ؟
لقد ضاعت , كما ضاع أغلب الشعر .
وهنا يمكن القول بأن هناك تقصيراً كبيراً من رواة الشعر في نقل الحركات والإشارات, والالتفاتات التي صاحبت اللفظ فهي ذات دلالات لا ينبغي التغافل عنها .
وأرى أن هناك بلاغة غائبة عن البيان العربي , وهي تلك البلاغة الكامنة في إشارات الفصحاء , وحركات المتكلمين الذين علكنا ألفاظهم وتركنا إشاراتهم لتضيع في الهواء .




الطباق بالإشارة

الطباق عند العلماء هو [ الجمع بين المتضادين , أي بين معنيين متقابلين في الجملة ...ولو في بعض الصور , سواء كان التقابل حقيقياً , أو اعتبارياً ] ( 92)
وعلى هذا يمكن اعتبار بعض مقامات الإشارة دالة على هذا الطباق , ومثال ذلك ما ورد في حجة الوداع عن سيدنا جابر بن عبد الله , عن رسول الله , أنه قال : ...وأنتم تسألون عني , فما أنتم قائلون ؟
قالوا نشهد أنك قد بلغت , وأديت , ونصحت , فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء , وينكتها إلى الناس : " اللهم اشهد اللهم اشهد .. ثلاثاً "(93)
فرفع اليد إلى السماء , ثم نكتها إلى الناس صورة تقابلية لها دلالة ولا شك .
وهذه الإشارة المتقابلة جاءت في أعقاب قولهم : نشهد أنك قد بلغت وأديت , ونصحت .
فهل تفيد الإشارة أن السماء تشهد كذلك كما تشهدون ؟
أم أن المقصود الدعاء إلى الله بأن يسجل عليهم شهاداتهم ؟
أم أن الإشارة تعني أن الملائكة في السماء , وسكان الأرض , والجميع يشهد , فاللهم فاشهد ؟
إن هذه المعاني كلها قد تكون مرادة , لكن الشاهد هو هذه الحركة باليد أو بالأصبع , مرة إلى السماء , وأخرى إلى الناس , وأن الغرض منها تأكيد الشهادة , أو الإلحاح على الله تعالى بالشهادة عليهم .


ومن هذا الباب أيضاً ما روته السيدة عائشة رضى الله عنها , أن رسول الله كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه , أو كانت به قرحة أو جرح , قال : بإصبعه هكذا ..ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها , : " باسم الله تربة أرضنا , بريقة بعضنا , يشفي به سقيمنا , بإذن ربنا" ( 94)
وهذه الحركة عكس حركة الحديث السابق , فهنا وضع أصبعه على الأرض ثم رفعه إلى السماء , وهناك أشار أولاً إلى السماء ثم أشار إلى الناس .
وكلا الحديثين فيه دعاء :
الأول : دعاء بأن يشهد الله تعالى عليهم لاعترافهم أنه بلغ الرسالة .
والآخر : دعاء بأن يشفي الله تعالى المريض .
وهنا أتساءل : هل هناك علاقة بين الإشارات إلى السماء والأرض وبين الدعاء ؟ ربما ...
يقول القرطبي : [ وأما وضع الأصبع بالأرض فلعله لخاصية في ذلك , أو لحكمة إخفاء آثار القدرة بمباشرة الأسباب المعتادة ....
وقيل : كأنه تضرع بلسان الحال : إنك اخترعت الأصل الأول من التراب , ثم أبدعته منه من ماء مهين , فهين عليك أن تشفي من كانت هذه نشأته ] ( 95)
وقد يفهم من هذه الإشارة المتقابلة معنى التوسل , أعني : توسل العبد الذي خلق من تراب الأرض إلى الله تعالى بقبول دعائه .
لكن اللافت للنظر هو أنه أسند فعل القول إلى اليد .
واسمعه وهو يقول : " فقال بيده "
فالدعاء هنا ليس من اللسان وإنما من اليدين , فالأيدي تدعو , وتتوسل , وتطلب , كما أن اللسان يدعو , ويتوسل , ويطلب .
وأنا هنا لا أجزم بهذه الدلالات , وإنما أحاول فهم الإشارة , وعلاقتها باللفظ .



















الخاتمة
وبعد :
فلقد تناولت في هذا البحث أثر الإشارة في البلاغة العربية , ودورها في حمل المراد إلى الناس , وذلك من خلال دراسة نظرية ثم تطبيق على بعض الأحاديث الصحيحة .
وفي الشق النظري تعرضت لما أثبته علماؤنا من دور الإشارة , وعلى رأسهم الجاحظ , الذي جعلها رديفة للفظ ونائبة عنه .
ثم من جاء من بعده كقدامة بن جعفر , وابن أبي الأصبع , وابن حجة الحموي , وقد ظهر من خلال كلامهم عنايتهم بالإشارة ودلالتها , لكنهم خالفوا عند التطبيق , فنحوا بالإشارة عند التطبيق إلى ما يفهم من اللفظ .
وقد ثبت بعد هذا عن مقصود كلام الجاحظ , وعن مقصود هذا البحث , فالبحث يحاول الكشف عن دلالة الحركة المصاحبة للفظ , وأثرها في بناء المعنى .
وقد بينت أن القرآن الكريم أثبت هذه الإشارات ودلالاتها .
أما الشق التطبيقي فلقد بينت فيه إمكانية إدراج الإشارة في جميع أبواب البلاغة , وعلومها , وألقيت الضوء من خلال بعض الأحاديث على دلالة الحذف , والتوكيد , والتعريف , من خلال الإشارة .
وكذلك دلالة الإشارة على التشبيه .
ودلالة الإشارة على الطباق .
وما أردت هنا الاستقصاء , وإنما أردت فتح الباب لدراسة تراثنا العربي , وهو زاخر , شعراً ونثراً من خلال الإشارات المصاحبة له ؛ لأن ذلك سيعيد إلينا دلالات ومعاني وقعت منا في الطريق ؛ لقلة اهتمامنا بهذه الدلالة .
كما تبين من البحث أن الإشارة لا تقوى على حمل المعنى وحدها غالباً فالأصل أن تكون في صحبة اللفظ , ورديفة له .
أما إذا عجز اللسان فهي النائبة عنه .
كما تبين أن للإشارة سياقات تكثر فيها , ومنها الأساليب الخبرية .
كما ظهر من خلال البحث إمكانية الدلالة بالإشارة على علوم البلاغة المتنوعة , المعاني والبيان والبديع , وأنها لا تقتصر على لون دون لون .
وإني بعد ذلك أوصي كل من سار على الدرب أن يلتفت إلى هذه الدلالة في تراثنا العربي , ويستخرج ما وراءها من أغراض ؛ فإن في ذلك فتحاً جديداً للبلاغة العربية .
هذا , وصلى الله على سيدنا محمد , وعلى آله وصحبه وسلم .
كتبه
الراجي عفو ربه
سعيد جمعه
الرابع من شهر رمضان 1426 هـ





الهوامش

1 - البيان والتبيين للجاحظ 1/7 طبعة دار الكتب العلمية بيروت .
2- كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي . تحقيق مهدي المخزومي وإبراهيم السمرائي ط1 ج5 منشورات مؤسسة
ا الأعلمي للمطبوعات - بيروت - 1408 هـ ص 280 باب الشين والراء والواو .
وانظر لسان العرب لابن منظور طبعة دار المعارف مصر والقاموس المحيط للفيروزبادي
2 / 434 شور دار الفكر بيروت 1398 هـ .
3 - النهاية في غريب الحديث والأثر لمجد الدين ابن الأثير , تحقيق طه الزاوي ومحمود الطناحي 2/ 508 ( شور)
المكتبة العلمية بيروت .
4 - اللسان ( شور) .
5 - النهاية في غريب الحديث والأثر 2 / 508 .
6 - أساس البلاغة للزمخشري ( شور) دار صادر بيروت 1399 هـ ص 340 .
7 - زهير بن ابي سلمي الديوان شرح الإمام ثعلب الدار القومية للطباعة والنشر مصر ص 168 1384 هـ .
8 - النهاية في غريب الحديث والأثر 2 / 508 لابن الأثير
9- العين للخليل بن أحمد 6 / 281 باب الشين والراء والواو .
10- لسان العرب مادة ( شور )
11 - النهاية في غريب الحديث والثر 2/518
12 - أساس البلاغة ص 340 .
13 - لسان العرب مادة ( بصم ) .
14 - السابق ( شور )
51 - الخصائص لأبي الفتح عثمان بن جني 1/ 45 الهيئة العامة للكتاب .
16 - عون المعبود شرح سنن أبي داوود 3 / 318 شمس الحق العظيم ابادي دار الكتب العلمية بيروت
17 - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 6 / 4273 دار الغد العربي .
18 - السابق 6 / 4276 .
19 - الكشاف 1/ 361 دار التراث العربي .
20 - مفاتيح الغيب للفخر الرازي 7 / 204 دار الفكر العربي القاهرة .
21 - القرطبي 2/ 143 دار الغد العربي القاهرة .
22 - الكشاف 3 / 7 , والقرطبي 6 / 4257 .
23 - الفخر الرازي 2 / 413 دار الغد العربي القاهرة .
24 - نقد النثر المنسوب لقدامة بن جعفر ص 54 ت / طه حسين و عبد الحميد العبادي دار الكتب المصرية القاهرة 1351 هـ 1933م
25 - البيان والتبيين للجاحظ 1/ 39 دار الكتب العلمية بيروت .
26 - السابق 1 / 42
27 - السابق 1 / 64
28 - السابق 1 / 64 .
29 - السابق 1/ 43
30 - طوق الحمامة في الألفة والآلاف ت / فاروق سعد ص 105 منشورات دار مكتبة الحياة بيروت لبنان .
31 - لسان العرب ( عقر ) ط / دار الشعب .
32 - البيان والتبيين 1 / 48
33 - السابق 1/ 43- 45
34 - السابق 1/ 49 .
35 - السابق 1 / 52 .
36 - السابق 1/ 58 .
37 - السابق 1/ 61 .
38 - نقد الشعر المنسوب لقدامة بن جعفر ص 155 .
ا 39 - السابق ص 155 .
40 - العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده لابن رشيق القيرواني 1/ 302 دار الجيل .
41 - العمدة لابن رشيق ص 307 .
42 - السابق ص 309 .
43 - السابق ص 310
44 - السابق ص 310
45 - دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني ص6 أبو فهر محمود شاكر مكتبة الخاجي القاهرة .
46 - السابق ص 24 .
47 - السابق ص 65 .
48 - تحرير التحبير لابن أبي الأصبع ص 200 ت / حفني شرف المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية .
49 - السابق ص 200 - 202
50 - خزانة الأدب لابن حجة الحموي 2/ 258 شرح عصام شعيتو دار مكتبة الهلال بيروت .
51 - السابق 2/ 258 .
52 - أخرجه البخاري في كتاب الرقائق رقم 29 , ومسلم في كتاب الجمعة رقم 43 .
53 - الجامع لأحكام القرآن 6 / 4276 .
54 - الدين الخالص لمحمود خطاب السبكي 4 / 139
55 - الفقه على المذاهب الأربعة 1/ 4 دار الكتب العلمية .
56 - أصول الفقه للرضي 1/ 236 ت / أبو الوفا الأفغاني ط / دار الكتاب العربي 1372 هـ
57 - سبل الاستنباط من الكتاب والسنة لمحمود توفيق سعد ط / الأمانة 1413 هـ ص 182 .
58 - أحكام القرآن للجصاص 4 / 323 ت / محمد صادق القمحاوي دار إحياء التراث بيروت .
59 - سبل الاستنباط ص 184
60 - عون المعبود شرح سنن أبي داوود لشمس الدين العظيم أبادي 3 / 220 ط / دار الكتب العلمي بيروت .
61 - مختصر السعد على تلخيص المفتاح شروح التلخيص 1/ 368 ط / دار السرور بيروت .
62 - رواه مسلم 4588 وأبو داوود 2538 .
63 - رواه مسلم 7066 والترمذي 2421 .
64 - شروح التلخيص عروس الأفراح للسبكي 1 / 313 .
65 - حاشية الدسوقي علي شرح السعد 1/ 313 .
66 - البخاري رقم 4897 والترمذي 3310 والنسائي 9 / 460 .
67 - فتح الباري 8 / 511 .
68 - شروح التلخيص 1/ 273 , 277 .
69 - دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني ص 146 .
70 - رواه مسلم 1077 والبخاري 809 وأبو داوود والترمذي 273
71 - فتح الباري 2 / 348
72 - السابق 2/ 348
73 - السابق 2 / 348
74 - رواه البخاري 1304 , ومسلم 2102
75 - رواه البخاري 2/ 33 ومسلم 178
76 - فتح البري 6 / 406
77 - رواه مسلم 179
78 0- شرح النووي لصحيح مسلم 1/ 570 ط / دار الغد العربي.
79 - السابق1/ 570.
80 - شرح ابن عقيل ص 48 .
81 - رواه مسلم 1936 والبخاري 935
82 - فتح الباري 2/ 481 , 489
83 - رواه البخاري 345 و مسلم 796 وأبو داوود 321
84 - رواه الخاري 345 ومسلم 796 وأبو داوود 321
85 - رواه مسلم 2983
86 - رواه مسلم 2858
87 - أسرار البلاغة لعبد القاهر 101 , 102
88 - رواه البخاري 3477 ومسلم 4565
89 - فتح الباري 6 / 206
90 - رواه مسلم 7081
91 - رواه مسلم 7081
92 - شروح التلخيص , مختصر السعد 4 / 286
93 شروح التلخيص مختصر السعد 4 / 286
94 - فتح الباري 10 / 219



**