إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر

الربط:

لما أخبر الله تعالى عن قوم صالح أنهم عقروا الناقة ، وأنه تعالى أهلكهم بين كيف أهلكهم وفصله ، فقال : إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة، مؤكداً إشارة إلى أن عذابهم وقع لا محالة على هذه الكيفية ، وإعلاماً بأن القدرة على عذاب من كذب من غيرهم كهي على عذابهم فلا معنى للتكذيب .
إنَّا: : إنا بما لنا من العظمة.
أَرْسَلْنَا :

الإرسال: ضد الإمساك وهو التوجيه والإنفاذ مع امتداد لأداء مقصود ما كحمل رسالة ففي الإرسال معنى التحريك والتسيير والإطلاق مع حمل أمر ومنه أرسلت فلانا حملته رسالة .
الأصل الواحد في مادة (ر، س، ل)[1] : التوجيه من المقر أو الحيز مع امتداد وتتابع ، ومنه الرِسْل : وهو ما ينزل من الضرع متتابعا ممتدا ، وأرسلت الطائر من يدي: أطلقته وامتداده بابتعاده ، ورَسِل الشعر: كان طويلا مسترسلا متسيبا متميزا من غيره وهو ممتد ، وأورد إبله أرسالا: جماعة بعد جماعة ، وأرسل الكلاب على الصيد: أطلقها وخلاها"
فالصيحة : جند من جند الله يمسكها سبحانه فإذا استحقها أحد يرسلها عليهم مع امتداد بتموجها كموجات القنابل المدمرة ، إرسالاً عظيماً مع التسليط والقهر وإنزال الضُّر والعذاب كما يدل عليه حرف (على).
عَلَيْهِمْ

فعلى كونه عذاباً بقوله : عليهم صيحة.
صَيْحَةً

· الصحية : المرة من الصوت العالي المرتفع الشديد الذي يخرج ممتدا من الجوف بالغا غاية الشدة و أقصى غايته نفاذا وارتفاعا بحيث يخرج الصائح بأقصى طاقته.

والصوت إذا علا يوجب عذابا وأعلى صوت تستطيع أن تسمع أذن الإنسان هو ما يكون الاهتزاز والذبذبة 20000 مرتبة في الثانية وما زاد على ذلك كان خارجا عن حدود تحمل الإنسان فتحول إلى عذاب .
· صاح عليه جبريل بشدة عظيمة صيحة خارقة للعادة هلكوا كلهم بها صيحة قتلتهم وجعلتهم جامدين من شدتها، مصفرين كالهشيم الجاف المكسر مع التجمع كما سيأتي ، فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم باقية ، وخَمَدوا وهَمَدوا كيَبِيس الزرع والنبات وتلاشى عندها صياحهم حين نادوا صاحبهم لعقر.
وَاحِدَةً:

الوصف بواحدة مع أن وزن صيحة يدل على المرة ؛لتحقير شأنهم لبيان أنهم لم يتحتاجوا أكثر من صيحة ، ولبيان قدرته سبحانه بأنه يهلك قبيلة كاملة بصيحة واحدة من جبريل أتت على قبيلة كاملة وهم قوم صالح أصحاب الحِجْر.

فَكَانُوا

قال جمع من المفسرين : و كانوا بمعنى : صاروا ، وتجيء ( كان ) بمعنى ( صار ) حين يراد بها كون متجدد لم يكن من قبل ولكن التحقيق ما ذكره السامرائي وابن عاشور والبقاعي[2] وملخصه :
أنها ليست كان هنا بمعنى صار تماما ؛لأنك إذا قلت في نحو قوله تعالى : وفتحت السماء فكانت أبوابا فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان فصارت أبوابا، فصارت وردة كالدهان ، فصاروا كهشيم المحتظر، لم تسد مسدها ؛ لأن صار فيها معنى التحول والصيرورة وقد يكون هذا التحول بعد مدة كأن تقول صار الطين حجرا وقد يكون في وقت قصير ، وأما كان في نحو فكانت أبوابا تفيد أنها تحولت تحولا تاما كأن هذا شأنها منذ الماضي وكأن هذا وجودها كأنها جبلة لها ، لِدَلَالَةِ (كَانَ) فِي مِثْلِ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ عَلَى رُسُوخِ مَعْنَى الْخَبَرِ فِي اسْمِهَا قال البقاعي عند هذه الآية :" فكانت أي كلها كينونة كأنها جبلة لها أبواباً "، وكذلك في فكانت هباء كأن حالتها الجديدة حاصلة قبل النظر والمشاهدة كأنها هي هكذا منذ القدم فكأنها تحولت تحولا كاملا وكانت كونا عظيما كذلك ، وهنا تفيد أنهم تحولوا تحولا تاما وصاروا كالهشيم كأنهم كانوا كذلك من زمن بعيد.
كهشيم:

الأصل الواحد:

كسر الشيء الرّخو الضعيف كالنّبات ، ومنه: هشم أنفه يهشمه إذا كسره ومنه الهاشمة وهي شجة مخصوصة ، هَشَمْتُ الفتَّ. ويقال: هَشَمَ الثَّريدَ: إذا فَتَّه وَسُمِّيَ هَاشِمٌ هَاشِمًا لِهَشْمِهِ الثَّرِيدِ فِي الْجِفَانِ.

الهشيم :

الْحَطَبِ والأغصَان والشوك الْمُتَكَسِّرِ المتهشم الْيَابِسِ و يبيس الشجر والقصب وعظيم الكلأ الذي يَبِس وبلي وتكسَّر وتحطَّم وتقطع بعد أن بلغ الغاية في الجفاف بعد أن كان ناضرا جميلا أخضر، يأخذها الذي يصنع الحظيرة كيف شاء ويزيد في تكسيرها وتهشيمها بالكسر و الرض؛ لسكنى حيواناته تكون مانعة لها من الخروج ولدرء المخاطر عنها ، تحفظها من السباع و العوادي و الريح ، فعيل بمعنى مفعول مبالغة في كونه ْمَهْشُومُا ، قال تعالى: فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ سمي بذلك لأنه يصير سريع الانكسار لأنه بلغ الْغَايَة فِي اليُبس، وإضافته إلى المحتظر لأنه يعمل منه الحظيرة



المحتظر:

الأصل الواحد: المنع عن الشيء بنحو حائط وجدار يصد عنه ، فيعتبر في الحظر قيدان المحدودية والممنوعية ، والحظيرة : شيء مستدير مانع لمن يدخل إليه فهي : المحيط المحدود الممنوع.
والمحتظر : مفتعل من الحظير على وزن محتسب ، الذي يصنع الحظيرة ويجتهد في عملها ليجعل فيه الماشية للسكنى تكون مانعة لها من الخروج ولدرء المخاطر عنها ، تحفظها من السباع و العوادي و الريح .
معنى كهشيم المحتظر:

القول الأول:

الْحَطَبِ والأغصَان والشوك الْمُتَكَسِّرِ المتهشم الْيَابِسِ و يبيس الشجر والقصب وعظيم الكلأ الذي يَبِس وبلي وتكسَّر وتحطَّم وتقطع بعد أن بلغ الغاية في الجفاف بعد أن كان ناضرا جميلا أخضر، يأخذها الذي يصنع الحظيرة كيف شاء ويزيد في تكسيرها وتهشيمها بالكسر و الرض؛ لسكنى حيواناته فعيل بمعنى مفعول مبالغة في كونه ْمَهْشُومُا ، قال تعالى: فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ سمي بذلك لأنه يصير سريع الانكسار لأنه بلغ الْغَايَة فِي اليُبس، وإضافته إلى المحتظر لأنه يعمل منه الحظيرة ، ومختصر ما سبق أنهم : كانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة بعد أن بلغ الغاية في الجفاف واليبس مكسرا قابلا للكسر.
اختاره: ابن زيد وأبو عبيدة الفراء والزجاج و القتبي الطبري البيضاوي أبو السعود و الآلوسي - القاسمي الطوسي وابن عاشور وسيد قطب و النيسابوري والطباطبائي اطفيش - التيسير والشوكاني الميرغني الأعقم التفسير الميسر والشوكاني الأعقم ، والوسيط(البحوث)[3] والواحدي في البسيط وحقي .
وجه الشبه عدة أمور :

1. اليبس والُتَكَسِّرِ والتقطع والتحطَّم والتهشم وبلوغ الغاية في الجفاف مع المهانة والحقارة بهم ، فبعد أن كانوا في غاية النضارة والنعمة والجمال والقوة والتعالي والتكبر ، صاروا يابسين مكسرين محطمين كالأعواد الجافة حين تيبس وتتحطم وتصبح هشيما ، بعد الصيحة الواحدة ! هو مشهد مفجع مفزع فإذا المتعالون المتكبرون هشيم . وهشيم مهين ، لأنه هشيم معد للحظيرة التي للدواب الذي قد تدوسه الدوابّ وتروث عليه، تحقيرا لهم و عقابا على استكبارهم على دعوة الله، ومخالفتهم أمره
2. وهو مع تكسره وجفافه يفعل به المحتظر ما شاء من التكسير والتهشيم بالكسر و الرض ، يتهشم ويتحطم كثير منه وهو يجمعه ويهيؤه لعمل الحظيرة وهذا من أسرار التعبير القرآني هشيم المحتظر دون هشيم الحظيرة .
3. وفي التجمع فوق بعض مع عدم الانتظام لِأَنَّهُمُ انْضَمُّوا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ دَاخِلِينَ بَعْضُهُمْ فِي بعض على غير انتظام ، لأن الصحية التي نزلت بهم زلزلت كيانهم ورمتهم فتساقطوا بعضهم فوق بعض ، كهشيم المحتظر يجمعه في مكان كما يفعل المحتظر يجمع الهشيم ويلقيه على الأرض في أول الصنعة ليرصفه بعد ذلك سياجاً لحظيرته فالمشبه به هو الهشيم المجموع في الأرض قبل أن يُسيّج ولذلك قال : كهشيم المحتظر ولم يقل : كهشيم الحظيرة ، لأن المقصود بالتشبيه حالته قبل أن يرصف ويصفف وقبل أن تتخذ منه الحظيرة .
، ــ " قال سيد قطب : وعلى أية حال فقد أرسلت على القوم صيحة واحدة ، ففعلت بهم ما فعلت ، مما جعلهم ( كهشيم المحتظر ) . . والمحتظر صانع الحظيرة . وهو يصنعها من أعواد جافة . فهم صاروا كالأعواد الجافة حين تيبس وتتحطم وتصبح هشيما . أو أن المحتظر يجمع لماشيته هشيما تأكله من الأعواد الجافة والعشب الناشف . وقد صار القوم كهذا الهشيم بعد الصيحة الواحدة ! وهو مشهد مفجع مفزع . يعرض ردا على التعالي والتكبر . فإذا المتعالون المتكبرون هشيم . وهشيم مهين . كهشيم المحتظر ! سيد طنطاوي: والمقصود بهذا التشبيه ، بيان عظم ما أصابهم من عقاب مبين ، جعلهم ، كالأعواد الجافة حين تتحطم وتتكسر ويجمعها الجامع ليصنع منها حضيرته
4. وهذا الذي حل بهم مناسب للصيحة المخيفة التي تجعل الإنسان يصفر من الخوف وتحطمه وتحمل الأشياء وتدفعها بقوة قال الأمثل: وإنّما كان عذابهم بالصيحة السماوية العظيمة ، فكانت صاعقة رهيبة ، أخمدت الأنفاس ، وكان انفجارا هائلا حطّم كلّ شيء في قريتهم ، فأصبحت بيوتهم وقصورهم كحظيرة المواشي ، وأجسادهم المحطّمة كالنبات اليابس المرضوض المهشّم . إنّ استيعاب هذا اللون من العذاب كان صعباً وعسيراً للأقوام السالفة ، ولكنّه يسير بالنسبة لنا ، وذلك من خلال معرفتنا لتأثير الأمواج الناتجة من الإنفجارات ، حيث أنّها تحطّم كلّ شيء يقع ضمن دائرة إشعاعاتها .
5. والصيحة مناسبة لندائهم لقاتل الناقة.
القول الثاني:

إنه يتفتت منه حالة العمل ، ويتساقط أجزاء مما يعمل به.
المراغي وحسنين مخلوف وإبراهيم القطان وأجازه أبو حيان وابن عطية
القول الثالث:

هو الذي يجعل لغنمه حظيرة من يابس الشجر والشوك يحفظهن فيها من الذئاب والسباع وما سقط من ذلك فداسته البهائم فيتحطم فهو الهشيم ، فهو ما يتفتت عند بلى الحظيرة ويتساقط أجزاؤها أولاً فأولاً ، تطؤه البهائم فيتهشم ويتحطم .
ابن عباس والواحدي والخازن الزمخشري ومقاتل والنسفي ابن جزي والنيسابوري الثعالبي و الشربيني والمظهري و الثعالبي وابن الجوزي والجلال والصابوني[4].
وتعقب هذا الآلوسي بقوله : ـ ـ وتعقب هذا بأن الأظهر عليه كهشيم الحظيرة .


القول الثالث: الجمع . البقاعي : كهشيم المحتظر أي محطمين كالشجر اليابس الذي جعله الراعي ومن في معناه ممن يجعل شيئاً يأوي إليه ويحتفظ به ويحفظ به ماشيته في وقت ما وهو حظيره أي شيء مستدير مانع في ذلك الوقت لمن يدخل إليه فهو يتهشم ويتحطم كثير منه وهو يعمله فتدوسه الغنم ثم تتحطم أولاً فأولاً ، وكل ما سقط منه شيء فداسته الغنم كان هشيماً.



[1] انظر المعجم الاشتقاقي لحسن جبل والمنار لمحمد رشيد رضا .

[2] في مواضع متفرقة ابن عاشور في البقرة أبى واستكبر وكان من الكافرين والبقاعي في سورة عم فكانت أبوابا والسامرائي في باب كان من معاني النحو .

[3] قال ابن زيد : هو الشجر البالي الذي تهشّم حتى ذرّته الريح ، والعرب تسمّي كل شيء كان رطباً فيبس هشيماً وقال ابن زيد أيضا : كانت العرب يجعلون حِظَارًا على الإبل والمواشي من يَبِيس الشوك ، فهو المراد من قوله : كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ ..قال القتبيّ : الهشيم يابس 6 النبت الذي ينهشم ، أي ينكسر، الآلوسي - كَهَشِيمِ المحتظر أي كالشجر اليابس الذي يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته في الشتاء . وفي «البحر » الهشيم ما تفتت من الشجر ، و المحتظر الذي يعمل الحظيرة فإنه يتفتت منه حالة العمل ويتساقط أجزاء مما يعمل به ، أو يكون الهشيم ما يبس من الحظيرة بطول الزمان تطؤه البهائم فيتهشم ، وتعقب هذا بأن الأظهر عليه كهشيم الحظيرة ، والحظيرة الزريبة التي تصنعها العرب . وأهل البوادي للمواشي والسكنى من الأغصان والشجر المورق والقصب من الحظر وهو المنع .قال بعض العلماء: والعرب تسمي كل شيء كان رطبا فيبس هشيما . والهشم - ههنا - يبس الشجر المتفتت الذي يجمعه المحتظر ) المبتني حظيرة . ابن عاشور :والهشيم : ما يَبِسَ وجفّ من الكلأ ومن الشجر ، وهو مشتق من الهشْم وهو الكَسْر لأن اليابس من ذلك يصير سريع الانكسار . والمراد هنا شيء خاص منه وهو ما جفّ من أغصَان العضاة والشوك وعظيم الكلأ كانوا يتخذون منه حظائر لحفظ أغنامهم من الريح والعادية ولذلك أضيف الهشيم إلى المْحتظِر وذلك بأنه يجمع الهشيم ويلقيه على الأرض ليرصفه بعد ذلك سياجاً لحظيرته فالمشبه به هو الهشيم المجموع في الأرض قبل أن يُسيّج ولذلك قال : كهشيم المحتظر ولم يقل : كهشيم الحظيرة ، لأن المقصود بالتشبيه حالته قبل أن يرصف ويصفف وقبل أن تتخذ منه الحظيرة . الطباطبائي : هشيم المحتظر الشجر اليابس ونحوه يجمعه صاحب الحظيرة لماشيته ، وقال الزجاج : "ما يبس من الورق وتكسر وتحطم ،.قال الزجاج: والهشيم ما يبسَ من الورق وتَكسَّر وتحطَّم، أي فكانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة، أي قد بلغ الغاية في الجفاف، حتى بلغ إلى أن يجمع ليوقد". والمعنى عليه : كانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة بعد أن بلغ الغاية في الجفاف


[4] قال ابن عباس : هو أن الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك دون السباع ، فما سقط من ذلك فداسته الغنم فهو الهشيم.