بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اجعلنا في أحسن ما جئتنا به من الحق بإذنك .
رأب الصدع في أمر البدع .

كثر الكلام هذه الأيام في أمر البدعة والبدع وخرج بعض الشيوخ يفتون في كل أمر لم يكن موجودا أيام النبي على إنه بدعة وقد أوغل بعضهم بالتقبيح حتى صاروا هم أنفسهم بدعة على البدعة ، بمعنى أنهم هم أنفسهم لم يتبعوا هدي النبي عند حصول مثل هذه الأمور فالسنة المطهرة لم تترك لنا بابا إلا وعلمتنا كيف نتصرف تجاهه وسأعرض لبعض تصرفات النبي لاحقا .

المهم مما قالوا أنه بدعة مثلا :
قولك صدق الله العظيم ،،، بدعة .
قولك جمعة مباركة ،،، بدعة .
مصافحتك بعد صلاة الجمعة للمصلين ،،، بدعة .
تسبيحك بالسبحة ،،، بدعة .
الإحتفال بميلاد النبي والإسراء والمعراج ،،، بدعة .
التهليل وذكر الله بعد الجنازة بصوت مسموع ،،، بدعة ،
تقبيلك المصحف ،،، بدعة .
وضع يديك أثناء قيامك للصلاة في غير مكان السرة ،،، بدعة .
وغير ذلك كثير حتى شك الناس في تصرفاتهم وأقوالهم .

وحجتهم في ذلك :

١ : أنك تستدرك على النبي بفعل لم يفعله رسول الله .
٢ : قول النبي من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد .
٣ : لو كان خيرا ما سبقنا نحن إليه الأولين من الصحابة ولكانوا هم سبقونا إليه .

ولكي لا أطول في هذا الموضوع لنبدأ بتعريف البدعة الإصطلاحي الشرعي كما عرفها النبي الذي قال " إياكم ومحدثات الأمور ، ألا إن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار " .
ومعنى الحديث : إن كل طارئ على الدين من زيادة أو نقصان أو ترك فهو اختراع سيء وكل اختراع سيئ ضال وصاحبه في النار .
والمقصود هنا ما طال أصل الدين وفروعه الرئيسية وما قيده النبي بسنته من زيادة أو نقصان أو ترك فمثلا ألنبي أمر أن نسبح بعدد ثلاثا وثلاثين تسبيحة لكل من سبحان الله والحمد لله وأربعا وثلاثين ل الله أكبر وعليه فأي زيادة أو نقصان متعمد كأن يقول شخص لماذا أسبح ثلاثا وثلاثين بعد كل صلاة فسأجعلها أربعا وثلاثين للجميع فهذه بدعة ولم تعد سنة ، ولكن لك أن تؤدي ما أمر به النبي من السنة ثم إذا أردت تسبح فسبح ما شئت من العدد بعد تأدية سنة النبي .
ومن هنا نرى بأن تعريف البدعة الشرعي إنما يكون في الشر والسوء على الدين وليس كما قال بعضهم بأن هناك بدعة واجبة وبدعة مستحبة وبدعة مكروهة وإلا كان لا معنى للحديث الذي يقول : " من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ....... " .

ولكي أوفر الوقت والجهد فسأذهب مذهبا لم يسبق له أحد قبلي ولن أخرج في حديثي عما جاء في السنة :

فأقول أولا : الله افترض فرائض على النبي وعلينا ، والنبي سن لنا وله سننا من هذه الفرائض وفعله هذا يعتبر سنة لنا نستطيع بموجبها أن نسن لنا سننا من جنس ما افترض الله ورسوله علينا ولكن بشروطها ؛ فسنة النبي لا تغني عن الفرض وليست بدلا عنه وكذلك السنة التي تسنها لنفسك لا تغني عن سنة النبي وليست بديلا عنها وعليه فهذا هو الشرط الأول للعمل بسنتك التي سنيتها لنفسك والشرط الثاني أن لا تقدمها على سنة النبي مهما تعلقت بها وإلا انقلبت إلى بدعة لأن الأجر كل الأجر في سنة النبي وما بقي فهو زيادة فضل .
والشرط الثالث أن لا تلزم بها غيرك ولا تروج لها مدعيا بأن الذي لا يعمل مثل عملك فأجره ناقص .

ثانيا : من سيشهد بأن النبي لو حضر في زماننا هذا ورآنا مثلا نهلل ونكبر بعد الجنازة من سيشهد بأنه سيستنكر فعلنا هذا ؟
ولكن أنا أشهد بأنه إذا لم يستحسن ذلك الفعل فسيصوبه ويقومه وإن لم يفعل فسيسكت عنه وهذا الكلام ليس افتراء على النبي ولكنه فعله الذي كان يفعله أيام حياته وهناك قصص كثيرة حدثت أيام النبي تدلل على ذلك ؛ أذكر منها بدون تفصيل قصة وضوء بلال وكيف أقره النبي عليه ولم يقل أنت تستدرك علي ، ثانيا قصة الأنصاري الذي كان يقرأ في كل ركعة سورة الإخلاص حتى شكاه أصحابه للنبي فأقره النبي رغم أن النبي لم يكن يفعل ذلك وهناك قصة الذي رقى رقية بالفاتحة وأقره النبي على ذلك وقصة القائل بعد الإعتدال من الركوع " حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه " وكيف أن النبي أثنى عليه ولم يقل له بدعة وأنا لم آمرك به ! وكذلك قصة معاذ ابن جبل الذي قال فيه النبي " إن معاذ سن لكم سنة كذلك فافعلوا " ، وقصص كثيرة كان في معظمها يقرها بالسكوت عنها وما أنكر إلا حوادث قليلة معللة منها قصة الثلاثة النفر الذي قال أحدهم : أنا أصوم ولا أفطر وقال الثاني : أنا لا أتزوج النساء وقال الثالث : وأنا أقوم الليل ولا أنام ، فأنكر عليهم عليه الصلاة والسلام فعلهم لأنهم إبتدعوا في أصول الدين والسنة وقال قولته المشهورة " من رغب عن سنتي فليس مني " ، وكذلك قصة الرجل الذي أنذر أن يقوم تحت الشمس ولا يستظل أثناء خطبة النبي ولا يتكلم ويصوم يومه فأمره الرسول بكل رفق ولين بأن يقعد ويستظل ويتكلم ويتم صومه ، هذا فعله وسنته وليس كذلك الذي قال في أيامنا هذه السبحة بدعة وليست من الدين ومحلها الزبالة ! .

فوالله ما أمسكت سبحة بغير عمد إلا وذكرتني بالله وسبحت الله بعد أن كنت غافلا عن الذكر.
واتخاذ السبحة ليست عبادة ولكنها وسيلة للعبادة شأنها في ذلك شأن المكرفون الذي نؤذن فيه وإلا قولوا لي ما الفرق بينهما ؟ .إنما المستنكر فيها هو المغالاة في طولها وأسعارها .
وقد ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يسبحون بالحصى ونوى التمر ويؤكد ذلك قول النبي وهو على المنبر في خطبة الجمعة " من مس الحصى فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له " وفيه أن النبي ينهاهم عن التسبيح وقت الخطبة ويؤكده قوله " اسمعوا وأنصتوا " .
يقول البعض بأن ما ذكرته من قصص حدثت أيام النبي وأقرها النبي تندرج ضمن ما أقره الرسول في حياته بمعنى إنها من سنته التي أقرها فأقول لهم نعم ولكنها حجة لنا وليس ذنبنا بأن النبي ليس موجود بيننا .
وما ذكروه في الأعلى على إنه بدع إنما هو في نظري من السنن الحسنة أو السيئة وليس من البدع وإلا كيف تكون السنة الحسنة في الإسلام ؟! .

الخلاصة : كل فعل تريد أن تفعله أعرضه على كتاب الله ثم تخيل فيه لو أن النبي موجود بيننا فما ستكون ردة فعله فراقب الله في أعمالك وراقب ردة فعل النبي .
والله أعلم .
علي الهتاري .