أحكام ومسائل ” هذا الشيك غير قابل للتظهيير ”
التعامل بالأوراق التجارية : الشيكات وورقة الدفع (الكمبيالة ) والسَّندات ونحوها من ضروريات العصر ، الواجب تكييِّفها التكييِّف الفقهي الصحيح الملائم لها ، لا سِّيما في ظل الفوضى الحادثة اليوم في الأسواق النقدية التي تعجُّ بالصحيح والفاسد .

ولهذا قامت بعض الدُّول الإسلامية بإنشاء المحاكم المصرفية التي تفضُّ النِّزاع بين الخصوم في الخِلافات المصرفية التي يُحيلها القضاء أو الحكومة إليها بدعوى الإختصاص .

والإمام الشافعي (ت: 204هـ ) تعالى وهو من أشهر علماء الأصول أوجب العمل بكل مسألة تبيَّنت حجتها حتى وإن لم تكن متواترة .

ومسائل الشيكات بما فيها : الشيكات الشخصية ، والشيكات المصرفية ، والشيكات المصدَّقة ، والشيكات المسطَّرة ،والشيكات المقيَّدة ، لها أصلٌ في شرع الله وسنة رسول الله .

ويصح أن نقول إن السنة المطهرة قيَّدت التعامل بالشيكات بقيد الصحة ، كما في قول الحبيب : ” لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شي ” أخرجه الخمسة بإسناد حسن .

وهذا الحديث له مناسبة وهي : أن ابن عمر قال: أتيتُ النبي فقلت: إني أبيع الإبل بالبقيع ، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم ، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير . فقال: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء “ .

والقاعدة الفقهية التي تستقيم معها مسائل الشيكات عامة هي أن الشيك إذا حُرِّر ثم اختلف سعر الصرف ، فغنمه للمستفيد وغرمه عليه.
ولهذا يجوز التعامل بالشيك الذي ليس لصاحبه رصيد إذا كان مسحوباً من العميل على مصرف آخر أو من مصرف آخر ، أو من المصرف نفسه ، بشرط إن لا يُفضي هذا السحب للربا .

ولهذا يخطىء بعض الناس ببيع الشيك المؤجَّل بنقد ، فهذا محرم مطلقاً بلا نزاع بين علماء العصر، لكن يجوز أن يجعل ثمنًا لسلعة حالةٍ ومعينة .

وتظهير الشيك – وهو من المسائل المتعلِّقة بفقه الشيكات عامة – يقصد به نقل ملكيته لشخص آخر ، وهو نوعان : التظهير الاسمي والتظهير على بياض ، فالأول على وجه الورقة وهو جائز ، والثاني على ظهر الورقة . ولهما قيود مصرفية محدَّدة لضمان نقل الملكية من شخص لآخر ، ويسمى التظهير أو التجيير .

ونقل الملكية في الشيكات تنطبق أحكامها بالتقريب بين أحكام الوكالة والإشهاد والحوالة المطلقة والمقيدة .
فالمطلقة أن يُحيل شخص غيره بالدَّين على فلان ولا يقيده بالدَّين الذي عليه ويقبل المحال عليه .

والحوالة المقيدة أن يحيله ويقيَّده بالدَّين الذي له عليه .
وقد ورد في الحديث : ” إذا أتبع أحدكم على مليٍء فليتبع ” رواه الجماعة بإسناد صحيح .

والحديث يفيد الدعوة إلى قبولة الحوالة . وتكون الحوالة في الدُّيون والحقوق ، وأكثر استعمال الأوراق النقدية في هذين القسمين كما لا يخفى .

وأحكام الشيكات مترابطة فلا يصح العلم ببعضها دون بعض . فكل منهما مكمِّل للآخر .
• ويمكن تضمين أحكام الشيكات في النقاط الآتية :
1- صرف الشيكات للأفراد والمؤسسات كضمان جائز ومباح، وهو متفق مع أحكام الشرع الداعية لصيانة حقوق الناس .

لأن الأوراق التجارية (الشيكات) من أنواع التوثيق المشروع للدَّين بالكتابة، بشرط وجود رصيد بقدر الشيك ، أو بضمان دفع استحقاقه عند طلبه .
وقد وثق النبي – – بالكتابة في معاملاته، فباع وكتب ومن ذلك الوثيقة التالية:” هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله – -: اشترى منه عبدًا أو أمة، لا داء ولا غائلة، ولا خبثة بيع المسلم المسلم ” .

وقد ذهب جماهير الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى صحة توثيق الدين بالكتابة، وأنها بينة معتبرة في الإثبات إذا كانت صحيحة النسبة إلى كاتبها .

قال الإمام ابن تيمية ( ت: 728هـ )- تعالى – : ” والعمل بالخطِّ مذهب قوي ، بل هو قول جمهور السلف “ .

2- يجوز تسليم البائع شيكاً مقابل سلعة تُستلم، أو تسليم البائع شيكاتٍ على آجالٍ مختلفة مقابل سلعة تُستلم حاضراً ولو كان ثمن السلعة المبيعة بثمن إلى أجل أكثر من ثمنها حالاً ، لأن السلعة في هذه الحالة مُباعة بسعرٍ مؤجَّل، ويجوز أن يزُاد في سِّعر السِّلعة لأجلٍ ذلك .
ويستثنى من ذلك ما إذا كانت السلعة مما يشترط فيه التقابض كالذهب والفضة فلا يجوز التعامل فيها بالأجل أو الشيكات غير المصدقة من البنك ، لعدم توافر شرط التقابض .

3- لا يجوز بيع الشيكات المؤجَّلة بأقل من قيمتها ، لأن ذلك من الربا المحرم ، لأن بيع الشيك المؤجَّل بأقل من قيمته هو في الحقيقة بيع دين بنقد مع التفاضل وعدم التقابض في المجلس ، وهذا ربا النسيئة المحرم بالنصوص الشرعية . وقد انعقد الإجماع على ذلك فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله : “الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبّر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلاُ بمثل، يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء” متفق عليه

وقد اتفق أهل العلم على أن من شروط عقد الصرف تقابض البدلين من المتعاقدين في مجلس العقد قبل افتراقهما .وقد قال ابن المنذر( ت: 318هـ ) تعالى :” أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا أن الصرف فاسد “ .
4- بيع الشيكات التي قد مضى تاريخ استحقاقها ولم يستطع الشخص تحصيلها فيبيعها بأقل من المبلغ المرقوم فيها بكثير، فهذا أمر محرم شرعاً وهو باب من أبواب الربا لوجوب التقابض في مجلس العقد .

وتحرم المعاملة السابقة أيضاً لما فيها من الغرر نظراً للجهالة في تحصيل قيمة الشيكات المتأخرِّة من مصدرها ، فالمشتري لهذه الشيكات المؤجَّلة قد يُحصِّلها ممن أصدرها وقد لا يحصلها.
ويمكن الاستعاضة عن بيع الشيكات المتأخِّرة بأقل من قيمتها بأن يجعل مبلغاً من المال لمن يحصل له تلك الشيكات المؤجلة على أن يُدفع له المبلغ المتفق عليه بعد أن يقوم بتحصيلها ، وهذا ما يسمى الجعالة عند الفقهاء .

5- شراء الذهب بالشيكات يعتبر من باب الصرف عند الفقهاء ، لأن الذهب يعتبر الأصل في العملات ، والأصل في عقد الصرف هو تقابض البدلين في مجلس العقد . ويحرم تأجيل أحدهما لحديث : ” الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبّر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلاُ بمثل، يداً بيد…” ومن المعلوم أن الشيكات تقوم مقام النقد .

وبناءً على ما تقدَّم فإنه يجوز بيع وشراء الذهب بأنواعه وأشكاله المختلفة بالشيكات ، بشرط أن تكون الشيكات حالة أي يستطيع الصائغ صرفها فوراً وبشرط أن يتم استلام الذهب والشيك في مجلس العقد ، وأما إذا كانت الشيكات مؤجلة أي كتب عليها تاريخ متأخر عن تاريخ شراء الذهب ولو بيوم واحد ، فهذه المعاملة محرمة لأنها أخلَّت بشرط التقابض في مجلس العقد .

6- بيع الشيك بعملة أخرى هو من باب الصرف ويشترط فيه التقابض في المجلس . فلا يجوز شرعاً بيع الشيكات المؤجَّلة بأقل من قيمتها ، سواء كان ذلك بنفس العملة المذكورة في الشيك أو بغيرها من العملات وسواء كان ذلك بقيمتها أو بأقلِّ من قيمتها .

7- يحرم بيع الشيكات المؤجَّلة بأقلَّ من قيمتها ،كما يحرم شراء حُلي الذهب والفضة بالشيكات المؤجَّلة ، ويحرم صرف الشيكات المؤجلة بعملة غير المذكورة في الشيك سواء كان ذلك بقيمتها أو بأقل من قيمتها .

8- الشيك عبارة عن وثيقة بدين فإذا لم يصرف لعدم وجود رصيد كافٍ في حساب صاحب الشيك ، فلا يجوز فرض غرامة على المدين، سواء كانت هذه الغرامة نسبة مئوية من أصل قيمة الشيك أو مبلغاً مقطوعاً، وسواء كانت الغرامة تزيد كلما زاد الأجل أو تُفرض لمرة واحدة فقط ، فهذا كله ربا صريح. .

9- إذا كان الشيك متأخِّر الاستحقاق فاشتراه الصرَّاف من صاحبه بأقل من قيمته، فهذا حرام، لأنه في الحقيقة شراءُ نقدً بنقدً مع النسيئة والفضل ، فيكون بذلك قد جمع بين ربا الفضل وربا النسيئة .

10- مسألة قيام المستفيد بتحصيل الشيكات قبل موعدها، وذلك ببيعها للمصرف بأقل من قيمتها، فإنه غير جائز وهو ربا محرم،كما قرره مجمع الفقه الإسلامي على ضوء أدلة الشرع .

11- بيع الشيك نقداً بأقل من قيمته حرام بإتفاق العلماء ، لأنه صرف مع المفاضلة سواءٌ باعه لكافرٍ أو مسلم، وسواء كان لينتفع بثمنه أو ليدفعه أجرةً للغير، لما في ذلك من التعامل الربوي، والبديل الشرعي لمن اضطر لذلك أن يقترض مالاً ويرهن الشيك به، وينتفع بثمنه . ويجوز لصاحب الشيك أن يوكل غيره في صرفه من البنك، ويعطيه على ذلك أجرة .

12- إذا كان الشيك حالًّا مصدَّقًا، أو في قوة المصدق ، فيجوز شراؤه بعملة غير عُملته، سواء بأقل من قيمته أم أكثر، إذ لا يشترط سوى التقابض .

وقبض الشيك الحال المصدق أو ما في قوته قبض لمحتواه.
وأما شراؤه بمثل عملته فلا تجوز الزيادة؛ لأن ذلك من الربا، لكن يجوز صرف الشيك لصاحبه مقابل أجرة على ذلك .

13- حكم أخذ ألأجرة على تحصيل الشيكات التي فات موعد استحقاقها جائز، لأن ذلك وكالةٌ بأجرٍ، وقد نص أهل العلم على أن الوكالة تجوز بأجرٍ وبدون أجر .

14- شراء الشيك بنقد يُعدُّ من باب المصارفة ،ويشترط في المصارفة المناجزة والمماثلة إن اتَّحد الجنسان، والمناجزة فقط إن اختلفا، لحديث: “الذهب بالذهب والفضة بالفضة ” مثلاً بمثلٍ، فمن زاد أو استزاد قد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء” . أخرجه البخاري. والأوراق النقدية يجري فيها ما يجري في الذهب والفضة من أحكام بطريق القياس .

15- لا يجوز فرض غرامة على الشيك المرتجَع ، فالديون لا يصح فرض غرامة عليها ، لأن ذلك من الربا ، وقد ورد في قرار مجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي : ” يجوز أن يشترط الشرط الجزائي في جميع العقود المالية ما عدا العقود التي يكون الالتزام الأصلي فيها ديناً، فإن هذا من الربا الصريح “ .

16- صرف الشيكات المؤجلة أو الكمبيالات المؤجلة قبل موعد استحقاقها بأقل من قيمتها لا يَخرج عن صفتين : الصفة الأولى: أن يكون ممن هي ديَن عليه، وهذا يعرف عند الفقهاء بمسألة ضع وتعجل، ومعناها اشتراط إسقاط جزء من الدَّين مقابل تعجيل بعضه، والجمهور منهم على تحريمها لما فيها من الربا. الصفة الثانية: أن يكون صرف هذه الشيكات من غير من هي دَين عليه، سواء كان مصرفاً أو غيره، وهذا يعرف عند الفقهاء المعاصرين بـ خصم الشيكات وهو محرم ، لأنه قرض ربوي .

17- العقوبات التعزيرية لمخالفات الشيكات لا نص فيها في الشرع ، فتكون منوطة باجتهاد القضاء على حسب القواعد الكلية للفقه الإسلامي الذي يضمن الحقوق بأدلة الوحي، أما ردُّها إلى التنظيمات المصرفية المخالفة للشرع ،فهو افتئاتٌ على شرع الله وحكمه .

18- مسائل الشيكات المعاصرة تدور أكثر أحكامها على أبواب البيع والصرف والحوالة والوكالة والضمان ، ويندر أن تخرج عن هذه الأبواب الفقهية .

19- من أجبر على معاملة محرمة في باب من أبواب الربا في مسائل الشيكات ولا مخرج له ، فإثمه على من أجبره ومَنعه من الإحتياط عن الربا ، وهو معذور ولا تثريب عليه .

20- الشيك أداة أمر وتوثيق فيجب فيه التحرِّي والأناة والحذر من المشتبهات المصرفية المتعلقة به . وقد ورد في المرفوع : ” من ترك ما يشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك ، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان ” متفق عليه .

وقد تقرَّر عند الأصوليين أن كل وصفٍ وعلةٍ لا تنُاسب الحكم الشرعي فلا يعتدُّ بها ولا يجوز العمل بها ، فهي لرفع الحكم الشرعي أو لدفعه . وقد قال الناظم :
وقد تجيء دافعةً أو رافعةً
أو ذات الأمرين بلا منازعة

هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بمعاهد القوات البرية

( منقول )