رسالة السد والردم في مسألة الجلد والرجم .

بسم الله الرحمن الرحيم .

قد يبدو العنوان مثيرا ومتناقضا ولكن الموضوع أكثر إثارة ويستحق التأمل والتدبر وقد حاولت في هذا الموضوع أن أسد الفجوة القائمة بين العلماء الذين انقسموا إلى فريقين ؛ الفريق الأول يعترف بالرجم للزاني المحصن وبأنه ثابت في السنة ، والفريق الثاني يرى بأن الرجم قد نُسخ بالآيات الأولى من سورة النور ، وطبعا هناك فريق ثالث ذهب لإنكار هذه العقوبة في الإسلام وشكك في الأحاديث الواردة بهذا الشأن وهذا الفريق لا يهمني فحجته أضعف من أن أتكلف الرد عليها وكل الذي يهمني اللبس الواقع في الآيات القرآنية التي لم تذكر حد الرجم للزاني المحصن وبين فعل النبي الذي أثبتت السنة بأنه أمر برجم ما لا يقل عن ثلاث حالات .

ولكي نبدأ علينا أن نتذكر أولا بأن أقوال النبي وأفعاله بأنها تشريع رباني من الله يحق لنا في هذا التشريع أن نفسر ونأول أقواله وأفعاله وندرسها دراسة عميقة ومتنوعة ونستنتج الأصح منها كما نفعل مع كلام الله " القرآن " ، وعلينا أن نعرف بأن حياة النبي وأفعاله ليست خاصة به وحده وإنما هي كلها بما فيها من خصوصية دروسا لنا وتعليم وقدوة ومنهج حياة لنا إلا ما اختصه الله به مثل تعدد زوجاته وغيره .
ولنبدأ من الذين يقولون بأن الرجم منسوخ بالآيات الأولى من سورة النور وهؤلاء يستندون إلى حجج قوية من السورة وذلك في قوله :-( ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه من الكاذبين :-) . وقالوا بأن العذاب المقصود هنا هو نفس العذاب المذكور في بداية السورة وذلك في قوله تعالى :-( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين :-) . وقد قال تعالى قبل هذه الآية بأن الزاني والزانية يجلدان مئة جلدة ولم يُحدد نوع الزاني سواء محصن أو غير .
وبصرف النظر عما ورد في سورة النساء يُعتبر احتجاجهم صحيحا إلا إنه ناقص .

الفريق الآخر يرى بأن الرجم ثابت في السنة ومتواتر وقد رجم أبوبكر وعمر .

وهذا الفريق أيضا على حق ، فكيف نزيل هذا الخلاف بين الفريقين .

لذلك أقول مستعينا بالله بأن الرجم ثابت في السنة ومتواتر ولكن بشروط :
أولاة: شهادة الزوج على زوجته خمس شهادات بأنه قد وقعت منها الفاحشة لا يُجيز عقوبة الرجم ولا يُبيحها ولكن يُبيح عقوبة الجلد فقط إلا إذا ........ .
ثانيا : شهود أربعة شهود على زاني محصن لا يُبيح عقوبة الرجم ولكن يُبيح عقوبة الجلد فقط إلا إذا ....... .
ثالثا : وجود حمل على امرأة مطلقة أو زوجها مسافر أو مات لا يُبيح عليها عقوبة الرجم ولكن يُبيح عليها عقوبة الجلد فقط إلا إذا ....... .
وسأشرح ما المقصود ب " إلا إذا " .
بعد دراسة الحالات التي رجم بها النبي وجدت بأن كل هذه الحالات التي أمر النبي برجمها هي حالات اعترفت من ذات أنفسها بارتكاب جريمة الزنا .
وهذا مربط الفرس ؛ لأنه من أجبرهم على الإعتراف ولنأخذ مثال عملي :
فلو أن امرأة لاعنها زوجها وشهد عليها خمس شهادات بأنها فعلت الفاحشة فأمام المرأة الآن ثلاث حالات للرد على الزوج :
١- أن تدرأ عن نفسها العذاب وتشهد خمس شهادات بأنه كاذب .
٢- أن تعترف مباشرة بالزنا .
٣- أن تسكت ولا تنطق بكلمة ومن حقها أن تسكت لاعتبارات خاصة بها ممكن أن نفصل فيها اذا اقتضى الحال .
وعليه في حال سكوتها يُقام عليها حد الجلد فقط .
وكذلك بالنسبة للشهود والحمل فلا رجم إلا باعتراف صريح كما جاء في السنة أما غير ذلك فهو الجلد فقط كما جاء في القرآن .
وهناك قصة في صحيح البخاري خلاصتها بأن رجل اعترف بأنه زنا بامرأة رجل وسماه فقال عليه الصلاة والسلام : " واغد يا أنيس على امرأة هذا ، فإن اعترفت فارجمها .
فلا رجم إلا باعتراف صريح من زاني محصن يعرف عقوبة الزنا ، ولو عاد في اعترافه ولو أثناء الرجم فلا رجم ورأيي بأنه يُجلد .

هنا قد يقول قائل : إذن لا قطع ليد السارق أو لقتل القاتل إلا بالإعتراف فنقول له ليس ذاك ففي السرقة طرف مُعتدى عليه ومجني عليه أما في الزنا فهناك طرفان متراضيان إلا أن يكون اغتصاب فهنا الحكم يختلف .
فجريمة الزنا رغب الإسلام في سترها وعدم السؤال عما خفي من هذا الأمر ألا ترى بأن رسول الله لم يسأل ماعزا مع من زنا وكم عدد الزنيات التي فعلها كذلك لم يسأل الغامدية مع من زنت ومن هو أبو الطفل الذي في بطنها وكذلك لم يستدع رسول الله للتحقيق ذلك الرجل الذي زنا بالمرأة التي نزلت السورة بسببه واسمه شريك بن سحماء مع إنه طرف في القضية وقد قذفه زوج المرأة وقال بأنه رآه مع زوجته ، ولكن في حال السرقة والقتل فيجب التحقيق وانتزاع الإعترافات من الجاني مثلا عن عدد السرقات ومن هم المسروقين ، وكذلك في حال القتل .

الخلاصة :
الرجم للزاني المحصن ثابت وواقع في الإسلام بشرط اعتراف الفاعل أو الفاعلة وإن أُقيمت عليهم البينة أو بان الحمل وبدون اعتراف من الفاعل فالعقوبة هي الجلد مئة .
وهنا زال الخلاف .
والله أعلم .