قراءة في كتاب النظام القراني
لعالم سبيط النيلي

مقــــدمـــــــة
سلك المؤلف في هذا الكتاب منهجاً جديداً في تفسير القران الكريم معتمدا على إلغاء الترادف في اللغة وما يتبعهُ من اعتباط ، وينظرُ إلى القرآن على أنّه نظامٌ لغويٌّ محكمٌ مستقلٌّ بذاته لا يخضعُ لقواعد الاعتباط اللغوي.. وهو أحد خطوط مشروع النظام القرآني والذي هو مشروعٌ متكاملٌ مؤلّفٌ من أربعة خطوطٍ تسير متوازيةً في سلسلةٍ من المؤلفات التي تقوم بتفنيد الاعتباط اللغوي وتأسيس مبدأ القصدية في اللغة خدمةً للنظام القرآني خاصةً والنصوص الأدبية وغيرها عامةً. وتتالف هذه السلسلة من اربعة كتب يكمل بعضها البعض الاخر وهي :
1. اللغة الموحدة: وهو كتابٌ يتضمّن إثبات وجود القيمة المسبقة للعلامات الصوتية والألفاظ بأربعة أجزاء، لتأسيس علمٍ جديدٍ للغة قائمٍ على القصدية وتفنيد النظرية الاعتباطية للجرجاني ودي سوسير(1).
2. الحلّ القصدي للغة في مواجهة الاعتباطية: وهو كتابٌ يناقش المباحث الاعتباطية للألفاظ ومباحث الدلالة عند الأصوليين ويقوم بتفنيدها وفق النظرية القصدية الجديدة ويعتمد على النظام القرآني في تقديم الحلول.
3. الحلّ الفلسفي بين محاولات الإنسان ومكائد الشيطان: كتابٌ في مناقشة الاعتباط الفلسفي عامةً والإسلامي منه خاصةً عن طريق المنهج القصدي للغة .
4. النظام القرآني: وهو مشروعٌ يتضمّن الكشف عن النظام القرآني ويُظهر إعجازه الحقيقي لأوّل مرّةٍ من خلال الحلّ القصدي للغة. ويتكون من عدّة أجزاءٍ أولها مقدمة في المنهج اللفظي الذي يعالج النصوص بالطريقة التي توضحها هذه المقدمة وهي موضوع هذا الكتاب (2).
فكتابنا هذا عن المنهج اللفظي لا يشتمل إلا على إظهار التناقض في الحلّ الاعتباطي مقابل الحلّ القصدي، وكذلك يشتمل على قواعد هذا المنهج وبعض نتائجه على الفكر الإسلامي عامةً وقضايا العقيدة والقران خاصةً[3].
وقد اخترنا قضية مهمة من مواضيع هذا الكتاب الا وهي قاعدة (ابطال تعدد القراءات القرانية ) .
القاعدة السادسة
في إبطال تعدّد القراءات

نص القاعدة:
لا يجوز للباحث في هذا المنهج الاعتقاد بصحّة جميع القراءات للفظ الواحد ويتوجّب عليه الأخذ بالقراءة التي تطابق النظام القرآني ولو كانت شاذّة وعند غياب القراءة المطابقة للنظام يجب التوقّف والمُرور من طريقٍ آخر أو الترك .


شرح القاعدة :
لم نقم لحدّ الآن بأي تطبيقٍ للمنهج على الألفاظ القرآنية، وما مرّ عليك إن هو إلاَّ توضيحٌ مقتضبٌ لقواعد هذا المنهج. فالنظام القرآني المحكم أشبه بقاعةٍ حصينةٍ جداً فيها غُرَفُ لا تُعدّ ولا تُحصى، وفي الغرف خزائن لا حصر لعددها، وفي الخزائن جواهر لا تشبه جوهرةٌ جوهرةً أخرى، ومفاتيحُها أسرارٌ. ولكلّ غرفةٍ مفتاحٌ خاصٌّ لا تفتح إلاَّ به، ولا يمكن فتح جميع الخزانات إذا فتحت غرفةٌ من الغرف، ولا يمكن كذلك التقاط جميع الجواهر من خزانةٍ إذا فتحت. وفوق ذلك كلّه وأهمّه لا يمكن معرفة حقيقة كلّ جوهرة في الخزانة.
إنَّ القراءة هي أحد مفاتيح المرور إلى هذه الخزانة إضافةً إلى الالتزام بالقواعد المّارة آنفاً. وقد وجد المنهج اللفظي أن القراءة هي أحد أهم أواصر النظام القرآني المحكم، وأنّ هذه الأواصر هي التي تقوم أحياناً بالسماح بالمرور أو عدمه. والمرور في هذا المنهج ليس خدعة ولا يمكن أن يكون خدعةً. فالشعور به هو عين الشعور عند المّار حقيقة ماشياً على قدميه في دهليزٍ. فهل يشكّ في أنَّهُ خارج الدهليز أو فيه؟ إنَّهُ يعلم موضعه، ويعلم كذلك إنْ كانت إحدى الأبواب يمكن فتحها أو لا يمكن، كما يعلم إذا فُتحت أنها فعلاً فُتحت.
فالنظام القرآني مثلما يحكم الباحث فإنَّهُ يدلّهُ أيضاً ويحدّد له موضعه من الحركة، لأنَّ في تلك الطرق والمسالك علامات وإشارات ولافتات للمرور أو عدم المرور، بل وهناك لافتات تقول (انتظر)، وأخرى تقول (بإمكانك الدخول لكن من الطريق الفلاني)، وثالثةٌ تقول بكلِّ وضوحٍ (الأفضل أن ترجع الآن نخشى عليك عدم احتمال ما في الخزانة)، ورابعةٌ تقول (نسلّمك المفتاح في الوقت المناسب)… وهكذا. فربّما يكون ذلك هو المقصود فعلاً من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في وصف القرآن:
(ظاهرُهُ حُكمٌ وباطنُهُ عِلمٌ، ظاهرُهُ أنيقٌ وباطنُهُ عميقٌ لهُ نجومٌ وعلى نجومِهِ نجومٌ لا تُحصى عجائبُهُ ولا تبلى غرائبُهُ). (الحديث 3475 من أحاديث الكافي ج7/177ـ179).
فيتّضح من الحديث الشريف أن له علامات وللعلامات علامات تدلّ على مسالكه وطرقه وخزائنه.
إنّ القراءة المحددة في هذا المنهج لها أربعة مستندات:
الأول: إنَّ القرآن قد أشار إلى أن قراءته من عند الله لا من عند أحد من القرّاء.
والدعوى القائلة أن هؤلاء القرّاء أخذوا القراءة عن النبي (صلى الله عليه وآله) هي دعوىً باطلةٌ من أصلها لأنَّ الثابت في التفسير والنحو وعلم البلاغة من قراءات نُسِبت لأهلها اجتهاداً لا نصّاً كما هو واضح. وشهرة بعض القرّاء دون بعضٍ لا تتكفّل بإثبات عكس ذلك، ودعوى تواتر سبع قراءاتٍ في أكثر من إشكالٍ: أولها الاختلاف الشديد في معنى السبعة ثانيها الخلط بينها وبين الأحرف السبعة وثالثها نقصان عدد الرواة عن الحدّ المخصص للتواتر دوماً، فإطلاق لفظ (متواتر) على بعض القراءات لا يعني تواترها وفق قواعدهم.
أما الذي ذكره الله تعالى عن قراءته فهو في قوله تعالى:
إنَّ عَلَينا جَمعَهُ وقُرآنَهُ + فإذا قَرأنَاهُ فاتّبِع قرآنَهُ + ثُمَّ إنَّ عَلَينا بَيَانَه القيامة 17،18،19

فتدلُّ هذه الآيات على أن توليف القرآن وهو ما سمّاه المنهج بالترتيب وقراءته هي من شؤون المتكلّم لا من شؤون المتلقي. ولمَّا كان اللفظ يتغيّر في معناه عند تغيير القراءة فتغيّر المعنى وتردّده بين عدة وجوهٍ لا يجوز عليه تعالى.
الثاني: ورود الروايات التي تشير إلى أنَّ قراءة اللفظ هي واحدة وان الاختلاف جاء من قبل الرواة أنفسهم. وتلك الروايات ليست بعيدةً عن متناول الجميع، فهي مبثوثةٌ في كثيرٍ من المصادر. ويأتيك بعض منها في الملاحق الخاصة بالكتاب في آخره.
الثالث: يكشف المنهج أنَّ القراءات في كثيرٍ من الأحيان لم توضع على مقياسٍ معلومٍ أو منهجٍ علميٍّ. ففي المثال الذي سيسوقه المنهج قريباً تجد أنَّ أحد الألفاظ قرأه ستةٌ من القرّاء السبعة بصورةٍ مختلفةٍ عن قراءة السابع، ومع ذلك ثُبِّتَتْ في المصحف قراءة السابع وهُجرت قراءةُ الستة؟. وقد وجد المنهج اللفظي أنَّ هذه القراءة التي رواها هؤلاء الستة هي الوحيدة التي تسمح له بالمرور وفق النظام المحكم، وهي الوحيدة المطابقة للنظام القرآني.
الرابع: إنَّ المنهج لا يمكنه الحركة مع الاعتقاد بتعدّد القراءات كما هو واضح الآن، لأنَّ التعدّد معناه تعدّد المعاني المحتملة للفظ الواحد وهو بخلاف قواعد هذا المنهج. أمَّا قول المفسّرين في اللفظين إذا قُرِءا بصورةٍ مختلفةٍ (وهما بمعنى واحدٍ)، وكذلك قولهم في الألفاظ المتعدّدة إذا قُرِأَت (وهي جميعاً بمعنىً واحدٍ)، فهو قولٌ باطلٌ وفق رؤية هذا المنهج للألفاظ والحركات. وسيَثبِت بطلانه في مبحثٍ مستقلٍ خارج هذه المقدمة.
مثالٌ على القراءة المثبتة خلافاً
للنظام الهندسي في القرآن
المثال هو في قوله تعالى:
أَقَتَلتَ نَفْسَاً زَكيَّةً بِغَيرِ نَفسٍ لَقَد جِئتَ شَيئَاً نُكرا الكهف 74
لقد لاحظ المنهج أن لفظ (زكيّة) في هذا المورد بهذه الصورة يتعارض مع قواعده. فثبات المعنى للفظ يحتّم أن يكون اللفظ هنا وفي موردٍ آخر في سورة مريم بمعنى واحدٍ. حيث قال تعالى في وصف المسيح (ع):
قَالَ إنَّمَا أنَا رَسولُ رَبِّكِ لأهبَ لَكِ غُلامَاً زَكيَّا مريم 19
والسبب في تعارض هذا اللفظ (زكيّة) في سورة الكهف مع قواعد المنهج اللفظي هو أن (الزكي) كصفةٍ للمسيح (ع) تعني الطاهر والمبرّأ من الذنوب، وهي صفةٌ لا يجوز ذكرها من قبل موسى (ع) لوصف الغلام المقتول بيد العبد الصالح.
وهذا الأمر عند المفسّرين هيّنٌ، إذ يمكن القول أن موسى (ع) كان يصِفُ طفلاً، والطفل نفسٌ زكيّةٌ لأَنَّه دون سنّ التكليف. فلا موسى (ع) أخطأ ولا العبد الصالح، لأنَّ العبدَ الصالحَ مأمورٌ بذلك بعلمٍ خاصٍ لا يعلمه موسى (ع).
إنَّ للمنهج اللفظي نظرةً مختلفةً استخلصها من القرآن تجعل الأمر خطيراً للغاية وليس هيّناً.
هذه هي النظرة:
أولاً: إنَّ موسى (ع) نبيٌّ مرسَلٌ، ولا يدّعي ما لا يعلم، فكيف عَلِمَ أنَّ الغلام زكيٌّ وحقيقته أنَّه كافرٌ كما يخبرنا القرآن لاحقاً؟.. إذن فلا يجوز أن ننسب إليه (ع) مثل هذا الجهل.
ثانياً: إنَّ موسى (ع) كان قد جاء ليتعلّمَ من العبد الصالح، وقوله واصفاً الغلام أنَّه (نفسٌ زكيّةٌ) مخالفٌ للغاية التي جاء من اجلها وهي التعلّم، بل هو قولٌ نقيضٌ لها. هذا مع العلم أنَّه (ع) لم يكن ناسياً الاتفاق والشرط كما في حادثة السفينة.
ثالثاً: إنّ الفكرة القائلة بأنَّ الطفل الذي هو دون سنّ التكليف بريءٌ أو طاهرٌ من الذنوب إنَّمَا هو الحكم الظاهري للشريعة السماوية ولا علاقة له بحقيقة براءة أو كفر النفس.. وقد جاء موسى (ع) ليبحث عن هذا العلم الخاص فلا يمكن أن يناقض غايته فيحكم على النفس أنّها بريئة لمجرّد أنَّه دون سن التكليف.
رابعاً: إنّ (لفظ) غلام لا يدلّ على الطفولة، علماً أن اللفظ ورد مقترناً في الموضعين مع المسيح (ع) ومع الكافر كما وصفه القرآن لاحقاً.
خامساً: إنَّ قتلَ الغلام لم يكن بأمرٍ إلهي.. لأنَّ المنهج يرصد الألفاظ كلّها ويلاحظ أن الإرادة الربانية تعلّقت مباشرةً ببناء الجدار فقط. أمَّا خرق السفينة فبإرادة العبد الصالح وأمَّا قتل الغلام فبإرادة (مجموعةٍ ما)، وهي مجموعةٌ لا نعرف أفرادها الآخرين. لاحظ اقتران الإرادة بالحوادث التالية:
السفينة: فَأَرَدتُ أَنْ أَعِيبَها الكهف 79
الغلام: فَخَشِينَا أنْ يُرهِقهُمَا طُغيَانَاً وَكُفْرا الكهف 80
فأَرَدْنَا أنْ يُبدِّلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيرَاً مِنهُ زَكَاةً وَأَقرَبُ رُحْمَا الكهف 81
الجدار: فَأَرَادَ ربُّكَ أَن يَبلُغَا أَشدَّهُما الكهف 82
وهذا بمفرده مبحثٌ كاملٌ يفتح أبواباً جديدةً لمتعلّقات الإرادة وعلاقتها بالقضاء والقدر، ولكنه ليس من صميم موضوعنا الآن.
وبناءً على ما ورد في النقاط الخمس السابقة فلا بدّ من الاعتقاد أن هذا اللفظ (زكيّة) يجب أن يكون مختلفاً في القراءة في كلٍّ من سورتي مريم والكهف.
واعتقدنا خلال بحثنا في المنهج أن قراءة اللفظ في سورة الكهف على أنَّه (زاكية) بدلاً من (زكيّة) تكفي للتفريق وملائمة للنظام المحكم للقرآن، لأنَّ (الزاكي) هو (المكتمل النمو النشط فيه)، وهي صفةٌ لا علاقة لها بالأيمان والكفر والهدى والضلال لأنَّها من الخصائص الجسمانية.
وعند البحث في مصادر القراءات فوجئنا بأمرٍ غريبٍ هو : أنَّ ستةٌ من القرّاء السبعة يقرؤون (زاكية) بوجود الألف، وواحدٌ فقط يقرأها (زكيّة) ومع ذلك فقد ثبّتوا في المصاحف قراءة الواحد وهجروا قراءة الستة!!.
ويبدو أن السبب في ذلك هو عدم التفريق بين اللفظين وعدّهما بمعنىً واحدٍ، كما هو الحال في الكثير من القراءات.. إذ غالباً ما يقتصر التفريق على أمورٍ تافهةٍ.
فقد أصبحت العبارة القرآنية لآية الكهف في هذا المنهج مختلفة تماماً.
فبدلاً من تصوير موسى (ع) على ما يقوله المفسِّرون على أنَّه (في غاية الغضب من أفعال العبد الصالح حتى همَّ بضربه، بل رفعه وجلَدَ به الأرض حسب تعبير بعضهم)، بدلاً من ذلك تتحوّل العبارة إلى مجرّد سؤالٍ ملحٍّ من موسى (ع) إلى العبد الصالح ليخبره بحقيقة هذا الغلام والسرَّ في قتله.
فقوله (ع): (لقد جئت شيئاً نُكرا) لا يعني مُنكراً كما زعم المفسِّرون، إذ جعلوا هذه اللفظة هي الأخرى بمعنى (عملٍ قبيحٍ أو مُنكرٍ) لتؤيّد التحريف في لفظة (زاكية).
فالنُكرُ هو الأمر المجهول الذي لا نعرف حقيقته. وقد استعمل في القرآن بهذا المعنى فقط. وهذه هي موارده فيه:
1. فلمَّا رَأى أَيديَهُم لا تَصِلُ إليه نَكِرَهُم هود 70
2. قَالَ سَلامٌ قومٌ مُنكَرُون الذاريات 25
3. فلمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ المُرسَلونَ + قَالَ إنَّكم قَومٌ مُنكَرون الحجر 62
وفي الموارد الثلاثة نفس الشخوص وهم المرسلون من الملائكة. فهم منكرون عند إبراهيم ولوط (ع) لعدم وجود سابق معرفة بهم.
إذن لم يكن موسى (ع) يقول للعبد الصالح: (قتلتَ نفساً طاهرةً وجئت أمراً قبيحاً)، ولم يكن غاضباً هامَّاً بضربه، بل كان يضع تساؤلاً ملحَّاً أمامه باحثاً عن إجابةٍ مقنعةٍ، إذ يقول: (قتلت نفساً ناميةً نمواً حسناً وسريعاً بغير نفسٍ وما فعلتَه هو أمرٌ نكرٌ بالنسبة لي لا أعلم حقيقته).
إنَّ المنهج اللفظي يُخرجُ هذه المحاورة بين موسى (ع) والعبد الصالح من كونها مجادلةً غاضبةً بينهما ومشادةً كلاميةً إلى محاورةٍ هادئةٍ بين مشتاقٍ للمعرفة وبين مالكٍ لها.
أمَّا قول اهل اللغة بالفرق بين (زكيّة) و(وزاكية)، فإنَّهم اختلفوا في ذلك فقد قال جماعةٌ: (هما بمعنىً واحدٍ)، وقال آخرون: (الزاكية هي التي لم تذنب قط، والزكية هي التي إذا أذنبت تابت). ذكر هذا أبو عمرو فحيّاه الله على هذه التفرقة النفيسة! (التبيان7/73 وانظر التاج واللسان).
وقال الشيخ الطبرسي: من قرأ (أقتلت نفساً زاكيةً) ومعناه طاهرة من الذنوب، ومن قرأ (زكية) فمعناه بريئة من الذنوب!! (نفس المصدر أعلاه)، أي لا فرق بين قوله وقول أبي عمرو، ولا فرق بين القولين (طاهرة) و(بريئة) من حيث النتيجة. فالمبرّّءُ والمطهَّرُ كلاهما يدخل الجنة.. فاقرأ وأعجب!!!.
وقد نسيَّ الجميعُ أن موسى (ع) لو قال ذلك بأي معنىً من المعاني التي ذكروها لكان مخالفاً لكلام الله الذي جاء بعد ذلك في صفة الغلام من أنَّه أحد الطغاة الكفرة:
فَخَشِنَا أنْ يُرهِقهُما طُغيَانَاً وَكُفرَا الكهف 80
فقل لأبي عمرو: إذا كانت الزاكية هي التي لم تذنب قط فلماذا قتله العبد الصالح؟، وإذا كانت الزكية هي التي إذا أذنبت تابت.. فما أدرى أبا عمرواً أن الله لا يقبل توبته؟ وما أدراه أن توبته لا تكون نصوحاً؟. أما كان الأجدر به وهو يريد أن يثبت براعةً في معرفة اللغة أن ينظر في كتاب الله ليجد أن (الزكية) هي التي لا تذنب قط من خلال وصف الملائكة لعيسى (ع) في سياقٍ نغميٍّ في سورة مريم لا يقبل قراءتها على وزن (زاكية)؟.
ولو تركنا كلّ ذلك فعندهم سكان البوادي يقولون وما زالوا: (هذا زرعٌ زاكٍ وهذا مالٌ زاكٍ) أي حسن النمو والتكاثر.. فأين (الزاكي) من (الزكي)؟ وكيف يزعم الآخرون أنَّهما بمعنىً واحدٍ؟.
إنّ جميع الألفاظ والتفاصيل في هذه القصّة تؤيّد المعنى الذي يذهب إليه المنهج اللفظي، وتؤيّد القراءة التي يعتمدها، وترفض القراءة (زكيّة).. وهي تفاصيل يطول بيانها. ولكنك تلاحظ بوضوحٍ كافٍ أن العبد الصالح لم يقل مرّة لموسى (ع) أنَّه أخلَّ بالاتّباع وأنَّه عصاه.. بل يؤكّد أن موسى (ع) أخلَّ بشرط الاتّباع فقط وهو (عدم السؤال)، قالها له مرّتين وفي الثالثة فارقَه. وهي آياتٌ بيّناتٌ في سورة الكهف:
قَالَ إنَّك لَن تَستَطيعَ مَعي صَبرَا الكهف 67
فَإنْ اتّبَعتَني فَلا تَسألني عَن شيءٍ حتَّى أُحدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكرَا الكهف 70
قَالَ أَلَم أقُلْ إنَّك لَن تَستَطيعَ معي صبرا الكهف 72
قَالَ أَلَمْ أقُلْ لَكَ إنَّكَ لَن تَستَطيعَ مَعي صَبرَا الكهف 75
فاقرأها وتأمّل.....
الخلاصة :
تدل النظرية على ايجاد منهجاً جديداً في تفسير القران الكريم معتمدا على إلغاء الترادف في اللغة وما يتبعهُ من اعتباط ، وينظرُ إلى القرآن على أنّه نظامٌ لغويٌّ محكمٌ مستقلٌّ بذاته لا يخضعُ لقواعد الاعتباط اللغوي وذلك عن طريق ابطال المترادفات وابطال تعدد المعاني للفظ الواحد وابطال التقديرات المتنوعة للمركبات والالفاظ في التراكيب وابطال التقديرات العشوائية للترتيب العام للجملة وابطال المجازات وابطال تعدد القراءات .. وهذا أحد خطوط مشروع النظام القرآني والذي هو مشروعٌ متكاملٌ مؤلّفٌ من أربعة خطوطٍ تسير متوازيةً في سلسلةٍ من المؤلفات التي تقوم بتفنيد الاعتباط اللغوي وتأسيس مبدأ القصدية في اللغة خدمةً للنظام القرآني خاصةً والنصوص الأدبية وغيرها عامةً. وتتالف هذه السلسلة من اربعة كتب يكمل بعضها البعض الاخر وهي :
1. اللغة الموحدة: ويتضمّن إثبات وجود القيمة المسبقة للعلامات الصوتية والألفاظ بأربعة أجزاء، لتأسيس علمٍ جديدٍ للغة قائمٍ على القصدية وتفنيد النظرية الاعتباطية للجرجاني ودي سوسير.
2. الحلّ القصدي للغة في مواجهة الاعتباطية: وهو كتابٌ يناقش المباحث الاعتباطية للألفاظ ومباحث الدلالة عند الأصوليين ويقوم بتفنيدها وفق النظرية القصدية الجديدة ويعتمد على النظام القرآني في تقديم الحلول.
3. الحلّ الفلسفي بين محاولات الإنسان ومكائد الشيطان: كتابٌ في مناقشة الاعتباط الفلسفي عامةً والإسلامي منه خاصةً عن طريق المنهج القصدي للغة .
4. النظام القرآني: وهو مشروعٌ يتضمّن الكشف عن النظام القرآني ويُظهر إعجازه الحقيقي لأوّل مرّةٍ من خلال الحلّ القصدي للغة. ويتكون من عدّة أجزاءٍ أولها مقدمة في المنهج اللفظي الذي يعالج النصوص بالطريقة التي توضحها هذه المقدمة وهي موضوع هذا الكتاب .
فالكتاب هذا لا يشتمل إلا على إظهار التناقض في الحلّ الاعتباطي مقابل الحلّ القصدي ، وكذلك يشتمل على قواعد هذا المنهج وبعض نتائجه على الفكر الإسلامي عامةً وقضايا العقيدة والقران خاصةً .
وقد انتهج المؤلف في القاعدة السادسة مسألة ابطال تعدد القراءات القرانية واختيار التلفيق بينها بما يتوافق مع نظريته حتى نجده يستعين بقراءات اخرى لينهض باعباء مايسميه بالنظام القراني .









(1) قام المؤلف بتضمين الجزء الأول والثاني كقسمين منفصلين في الجزء الأول من كتاب اللغة الموحدة .

(2) إنَّ الجزء الثاني من المشروع قد ظهر باسم (نظام المجموعات) وفيه بحوثٌ مفصّلةٌ عن عائدية الضمائر. وأمّا الجزء الثالث فسيكون مخصصّاً لمداخلات العالم النيلي وأجوبته على المسائل المثارة من قبل السادة القرّاء الكرام.

(3) يطلب المؤلف من القارئ الكريم النظر إلى هذه المؤلفات على أنها كتابٌ واحدٌ يتمّمُ بعضهُ بعضاً. فقد تخلو هذه المقدّمة من بعض التأسيسات الهامة للقصدية، لأنها مواضيع مطولةٌ يجد القارئ حلولها في بقية الكتب وبالأخص اللغة الموحدة والحل القصدي للغة.