علم أصول الفقه وتفسير النص.
تقديم:
مند مدة، وانأ أطالع، مقدمة المفسر ابن جزي الكلبي التي صدر بها تفسيره،وفيها الح على ضرورة لاستعانة بالقواعد الأصولية في تفسير النص...
وفي شرحه على هده المقدمة،بين إستادي الدكتور مساعد الطيارحفظه الله. أهمية هده ا لقواعد في التفسير .
وهدا البعد هو الذي جعلي أولي اهتماما ، للجانب اللغوي في الدرس اللغوي وأركز على هده القواعد في التفسير...
-التفسير والحاجة إليه:
يعد مشكل تفسير النص من أبرز المشاكل المعرفية والمنهجية التي أثارتها كثير من الثقافات والحضارات الإنسانية، ومما زاد من أهمية هذا الموضوع في العصر الحديث هو التطور الكبير الذي مس اللغويات المعاصرة بشكل عام ومناهج تحليل الخطاب بشكل خاص.
ونظرا لأهمية النص في بنية الثقافة العربية الإسلامية فإن الهاجس الذي شغل هذه الثقافة هو هاجس تفسير النص وبيان دلالته اللغوية والشرعية.
وبمقتضى هذه المرجعية التي نالها النص في فضاء الثقافة العربية الإسلامية، فإن كثيرا من الدارسين والمشتغلين بمناهج تحليل الخطاب اختاروا وصف الثقافة العربية الإسلامية بأنها ثقافة نص، وهذا الوصف يعود إلى كون الثقافة الإسلامية قامت في أصولها الأولى على النص المؤسس الذي هو القرآن الكريم.
ومحورية النص في فضاء الثقافة الإسلامية قاد جميع العلوم خاصة البيانية منها إلى خدمة النص في عدد من مستوياته ومكوناته سواء في مستوى التوثيق أو في مستوى التحقيق أو حتى على مستوى البيان والتفسير والقراءة.
وإذا كنا نقر بأن تفسير النص شكل قطاعا مشتركا بين كثير من النظم والمعارف التي شكلت المحاور المعرفية الكبرى في التراث العربي الإسلامي، فإن ما قدمه علم أصول الفقه وعلم التفسير فاق ما قدمته النظم المعرفية الأخرى بشكل كثير وهذا تيسر لكل من استطاع الاطلاع على هذا العلم خاصة فيما اتص

مما يدل على نزوع علم أصول الفقه نحو تفسير النص وقراءته، هو استحضار علماء الأصول لكثير من المباحث ذات المنحى اللغوي. فأغلب المباحث التي دونت في هذا العلم هي مباحث تنتمي علم اللغة والدلالة. فهي تنزع نحو التفسير... .. وهذا يعود أن "الحق سبحانه – خاطب العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها"[1].
ولقد قرر اللغويون وعلماء الأصول أن سبب الخطأ في العلوم الشرعية وعدم إدراك معاني الوحي إنما يرجع إلى ضعف الاهتمام باللغة العربية والقصور عن امتلاك ناصيتها وعلومها. يقول ابن جني العالم اللغوي في هذا :"وذلك أن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها، وحاد عن الطريقة المثلى إليها، فإنما استهواه واستخلف حلمه ضعفه في هذه اللغة الكريمة الشريفة"([2]).
من هنا كان من التفضل وسداد النعم على المسلم أن انعم عليه الله بنعمة البيان والقرءان الكريم .ومن هذه النعم التحقق بالبيان لمعرفة أدلة الأحكام والتمييز بين الحلال والحرام.ولا يتأتى ذلك إلا بمعرفة اللغة العربية. ومعلوم أن استدرار المعاني من النص القرءاني متوقف على علم العربية....[3]
وبحكم توجه علماء الأصول نحو تفسير النص وفقه الخطاب فقد قاموا بمتابعة واسعة ورصد كبير لتراكيب اللغة العربية وأساليبها، واستمدوا من هذا الاستقراء مجموعة من القواعد والضوابط واعتبروا التقيد بها شرطا ملزما في عملية التفسير. فلقد كان طبيعيا " والعربية لسان شريعة الإسلام – أن توضع قواعد التفسير في ظل هذه الحقيقة، وهكذا وضعت تلك القواعد بعد استقراء لأساليب العربية وإدراك لطبيعتها في الخطاب، ومعرفة ما يمكن أن تؤديه الألفاظ والتراكيب من مدلولات ومعان"[4].
ومن أبرز الجهات اللغوية التي كانت موضوع استقراء علماء أصول الفقه جهة الألفاظ في علاقتها بالمعاني فقد رصد " علماء الأصول دلالات الألفاظ من مختلف الزوايا والجهات. وحتى تتوفر لهم تلك المعرفة رصدوها من زاوية ما وضعت له الألفاظ من حقائق. فوجدوها لا تخرج في دلالتها عن العموم والخصوص والاشتراك. رصدوها من زاوية ما تستعمل فيه فوجدوها لا تخرج في دلالتها عن الحقيقة والمجاز"[5]. فثنائية اللفظ والمعنى شكلت سلطة معرفية في الدرس الأصولي بحيث اعتنى بهذه الثنائية جميع الأصوليين على اختلاف مدارسهم واتجاهاتهم المذهبية[6].
بل إن البحث عن المعنى الذي يحمله النص كان هو الأصل والقصد عند الأصوليين.وهذا ما صرح به الإمام الشاطبي عندما قال:"إن الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم. بناء أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني. وهذا الأصل معلوم عند أهل العربية"[7].
ولقد أفصح إمام الحرمين الجويني عن هذا التوجه فقال: " اعلم أن معظم الكلام في الأصول يتعلق بالألفاظ والمعاني. أما المعاني فستأتي في كتاب القياس إن شاء الله. أما الألفاظ فلا بد من الاعتناء بها. فإن الشريعة عربية"0[8].
وهناك جهة أخر ى لقيت اهتماما أوسع وعناية فائقة من لدن علماء أصول الفقه، وهذه الجهة هي جهة حروف المعاني[9]. "ذلك أن الخطاب الشرعي – كما يقول أبو الحسين البصري – تتغير دلالته تبعا للحروف الداخلة عليه. ويقصد بالحروف حروف المعاني[10]. وهي المساة عند المناطقة بالروابط أو الأدوات ويراد بها " كل لفظ يدل على معنى منفرد بنفسه وحده دون ان يقترن باسم او كلمة....."[11] وهذه الحروف ولا تتحدد معانيها في نفسها وإنما معانيها تتحدد في التركيب الذي جاءت فيه..[12]

وتوصف هذه الحروف عند الأصوليين بأنها "مدار المسائل الفقهية وتشتد الحاجة إليها"[13].
فمعرفة هذه الحروف تعد "من المهمات المطلوبة لاختلاف مواقعها. ولهذا يختلف الكلام والاستنباط بحسبها..."[14].
وبمقتضى هذه الأهمية التي اكتسبتها حروف المعاني في توجيه دلالة الخطاب. فقد أفرد لها علماء الأصول فصولا خاصة وأبحاث مستقلة في كتبهم لدراسة هذه الحروف[15]..
و تتفق كلمة علماء الأصول على شدة الحاجة إلى حروف المعاني لأنها من جملة كلام العرب.وتختلف الأحكام بسبب اختلاف معانيها ومواقعها في الخطاب فكانت الضرورة تتحدد في " حاجة الفقيه لمعرفة أصولها ..."[16]
وقد اعتنى علماء الأصول مع علماء التفسير واللغة بهذا القسم فتحدثوا عن حروف المعاني شارحين معانيها ومحددين مواقعها في النصوص الشرعية. وما تؤديه هذه الحروف من معاني في التركيب..
ومن تنصيصا تهم في هذا أن حروف المعاني منها ما هو على حرف واحد ومنها ما هو على حرفين ومنها ما هو أكثر من ذلك...[17].وعدوا حروف العطف من حروف المعاني وهي حروف تجعل المعطوف والمعطوف عليه في حكم جملة واحدة...[18]

ومما يميز حروف المعاني هو أن بعضها يحل محل البعض الأخر في أداء المعنى .وهذا احد إشكال تبادل الوظائف الدلالية بين الحروف مما يساهم في اتساع دلالة الخطاب في إفادة المعاني .[19].
وحروف المعاني من عادتها انه تغير الإعراب والمعنى.كقولهم لعل زيد منطلق فلعل هنا للترجي...[20]
ومن الجوانب اللغوية التي كانت موضوع دراسة الأصوليين، الجانب الدلالي. والذي حذا بالأصوليين على العناية بهذا الجانب هو توقف التفسير والتأويل والاستنباط على معرفة دلالة اللفظ على المعنى من جميع الجهات والزوايا.
فالدلالات تعين الفقيه على استخراج واستنباط الأحكام من المنطوق وهي القصية المصرح بها.كما تعينه على استنباط الأحكام غير المصرح بها من النص المصرح به أي غير المنصوص عليها . وهذا الشكل في الاستدلال يعرف عند المناطقة بقواعد التوليد والاستدلال[21]. ومن هنا عدت جهة الدلالات هي عمدة علم الأصول.
فلا بد في التفسير من إدراك سليم ومعرفة عميقة بدلالات الألفاظ على المعاني، وبالتغير الذي يطرأ على دلالة الخطاب تبعا للسياق المحيط بالخطاب. ولهذا الغرض نظر علماء أصول الفقه في الألفاظ في علاقتها بالمعاني. كما انصرفت عنايتهم إلى الإلمام بالمقتضيات المحيطة بالخطاب. لأن الكلام الواحد تختلف دلالته تبعا للمقتضيات المحيطة به.
فدلالة الألفاظ تابعة لقصد المتكلم وإرادته.ومن ثم لا بد من معرفة القصد والارادة بواسطة القرائن المحيطة بالنص...
ويعد مبحث الدلالة عند الأصوليين الأساس الذي يتأسس عليه بناء علم أصول الفقه وقد كشف عن هذا الإمام الغزالي عندما قال في المستصفى: " اعلم أن هذا القطب هو عمدة علم الأصول. لأنه ميدان سعي المجتهدين في اقتباس الأحكام من أصولها واجتنائها من أغصانها"[22].
ومما حفز الأصوليين على التوسع في المباحث اللغوية والدلالية هودرجة التفاوت الحاصل في الألفاظ من حيث درجة الوضوح والخفاء. فالألفاظ التي جاءت في الخطاب الشرعي ليست في مستوى واحد من حيث الوضوح والإبانة والخفاء. بل إن اللفظ الواحد قد " يدل على الحكم بصيغته ومنظومه. أو بفحواه ومفهومه أو بمعناه ومعقوله"[23].
ومن ثم فلما كان النص الشرعي يدل على أكثر من دلالة بطرق مختلفة، فقد أضحى ضروريا البحث في دلالة النصوص على معانيها. التي تعتبر قواعد أصولية لغوية ترسم منهج الاجتهاد في استثمار كافة طاقات النص في الدلالة على معانيه، وهو من أهم البحوث التي يقوم عليها استنباط الأحكام "[24].
والنظرة الأصولية للبحث الدلالي تسعى إلى تحديد معالم البيان والتفسير والتأويل. وذلك بوضع المعايير المنضبطة والضوابط الحاكمة التي توزن بها النصوص والمتون اللغوية في حالة إذا ما شابها لبس ا واكتنفها غموض اواعترضها إبهام أو خفاء.... .
وعلم أصول الفقه في مجمله إنما هو بحث في الدلالات لفظا ومعنى ونصا وسياقا. وذلك عن طريق مبدأ التلازم بين قوانين اللغة في فهم الخطاب وضوابط السياق في تحديد المعنى المتعدد على نحو مخصوص"[25]...وهذا البحث منضبط بمجموعة من الضوابط

ج- عربية النص القرآني :
من المبادئ الأساسية التي ينبني عليها تفسير الخطاب الشرعي وتأويله أن التفسير الموضوعي للخطاب يجب أن يكون المنطلق فيه هو اللغة العربية الذي كتب بها هذا الخطاب.
فالدراية باللغة العربية في جميع مكوناتها وعناصرها مقتضى منهجي في تفسير الخطاب القرآني وقراءته. ذلك أن الخطاب القرآني خطاب عربي في ألفاظه وتراكيبه وأساليبه وهذا ما يلزم على مفسر الخطاب أن يكون على علم باللغة العربية وبمنطقها في التخاطب وسننها في الأداء والبيان.
وعربية الخطاب القرآني تؤكده كثير من النصوص القرآنية من ذلك قوله تعالى " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم (إبراهيم 4). وقوله سبحانه " إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون" (يوسف 2) وقوله تعالى: "بلسان عربي مبين" (الشعراء 195). فهذه النصوص القرءانية تؤكد أن القرءان الكريم" نزل بلسان عربي مبين . وبالعربية خاطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم..".: [26].
و قد أكد الإمام الشاطبي (790ه) إلى أهمية اللغة العربية لمن يتعامل مع مع نصوص القرآن والسنة؛ فما دامت لغتهما عربية، جارية على أساليب كلام العرب، لزم ضرورة لكل من أراد التعامل معهما فهما واستنباطا أن يكون عارفا باللسان العربي، بالغا فيه مبالغ العرب، أو مبالغ الأئمة المتقدمين، ومن عدم ذلك لزم التقليد دون الاجتهاد. وقد عدّ ابن عاشور (ت1973م) المعرفة بعلوم اللغة العربية، وبأفانين القول، وأساليب الخطاب، المدخل الأول لفهم معاني القرآن، وتبين مقاصده، واستنباط أحكامه.

وهذا يعني أن الخطاب القرآني في مسلك الففهم جاء من جنس خطاب العرب في تصريف الكلام وتبليغ المعنى وأداء الدلالة فالخطاب الذي به وقع التكليف يحمل كل المواصفات والخصائص التي يقع بها التخاطب في اللغة العربية، وهذا ما كشف عنه علماء الأصول عامة والإمام الشاطبي خاصة عندما قال في كتابه الموافقات "إن القرآن نزل بلسان العرب على الجملة، فطلب فهمه إنما يكون من هذا الطريق خاصة"[27].

وانبناء القرءان الكريم على اللغة العربية اعتراف صريح بمشاركة القرءان الكريم للغة العربية وتوافقهما في الجانب الدلالي التركيبي والأسلوبي. وهذا يعني أن القرءان الكريم جار على سنن العرب في مخاطبتهم ومحاورتهم ومعهود تعبيرهم في اللغة العربية.فهو يحمل كل خصائص اللغة العربية من وصل وفصل وإيجاز وإطناب وتقديم وتأخير... وهذا أمر مشهود ومعترف به بين علماء اللغة العربية كما دل على ذلك عبد معمر بن المثنى في مقدمة كتابه مجاز القرءان...[28]
ومن المعرفة بالعربية معرفة مقاصد العرب في كلامهم وعاداتهم في التخاطب."أما العربية فالمراد بها معرفة مقاصد العرب من كلامهم وأدبهم ولغتهم ...فالقرءان الكريم كلام عربي و قواعد العربية كانت طريقا لفهم معانيه وبدون اللغة يقع الغلط ويسوء الفهم لمن ليس بعربي.
والذي عليه جميع المفسرين والأصوليين وعلماء الدراسات القرآنية أن الضابط اللغوي يعتبر الطريق الأول في فهم أي القرآن الكريم وبصيغة أخرى فإنه لا يمكن أن يقوم أي تفسير أيا كان نوعه وطبيعته إلا بالاعتماد على اللغة " فلا يمكن الوصول إلى معنى جزئي في النص فقهيا كان أو شرعيا أو أصوليا إلا بالانطلاق من اللغة"[29] ولذلك كان أول ما يجب وما " يحتاج أن يشتغل به من علوم القرآن العلوم اللفظية"[30].
وعلم النحو من العلوم المعينة على فهم الخطاب الشرعي واستجلاء الدلالة وإظهار المعنى، ومن ثم " ففرض على كل فقيه أن يكون عالما بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن"[31]، فهو من العلوم الضرورية للفقيه والمجتهد" بحيث لو سقط علم النحو لسقط فهم القرآن الكريم"[32].
فلا بد للمتعامل مع النص الشرعي أن يكون خبيرا عالما بقواعد علم النحو . لان فهم النص بشكل صحيح كامل مرتبط ارتباطا كليا بمعرفة موقع الكلمة في الجملة العربية. ومعرفة إعرابها. وهذا لا يتيسر إلا لمن عنده زاد طيب في هذا العلم...[33]
هذه النقول تفضي بنا إلى تقرير هذه الحقيقة التي تحمل خطابا صريحا في ضرورة تمكن المفسر من اللغة العربية وعلومها وتراكيبها ودلالة ألفاظها ومواقع هذه الألفاظ في سياق الخطاب. وأن الجهل بهذه المقتضيات سيجنب صاحبه الصواب ويؤدي به إلى تحريف معان النصوص وإخراجها عن دلالتها الحقيقية. "فمن لا يعرف اللغة لا يمكنه استخراج الأحكام من الكتاب والسنة"[34].
وقد أنبنى على هذا الضابط مجموعة من المعطيات والشروط أبرزها:
- أن كل تفسير لا يستند إلى منطق اللغة العربية في الأداء وقواعدها في الإفهام وضوابطها في التخاطب فهو تفسير غير سليم. والتماس السلامة في التفسير يلزم عنه تحكيم معايير اللغة العربية في تفسير الخطاب. لأن الخطاب الشرعي عامة والقرآني خاصة خطاب بلغة عربية تحكمه قواعد اللغة العربية. فكان من الطبيعي أن يجري على هذا الخطاب ما يجري على اللغة العربية من قواعد وظواهر ومقتضيات لغوية ونحوية من حذف وإضافة وتصريح وكتابة....
- أن ضبط دلالة الخطاب القرآني متوقف على تحصيل علوم اللغة والتمكن من قواعدها ودلالتها وتراكيبها مع ضبط المعجم الشرعي وهي الألفاظ المنقولة من المواضعة اللغوية إلى المواضعة الشرعية مثل الصلاة والصيام والزكاة والنذر.....من هنا ندرك أن المعرفة بلغة العرب ضرورية لفهم القرءان الكريم والحديث النبوي.وهذا الفهم ينبغي أن يكون موافقا لمعهود العرب في التخاطب."أي ما يشكل قوام حياتهم الروحية والفكرية والاجتماعية.إذ أن القرءان قد خاطب العرب ليفهموه وتبعا لهذا لا بد أن يكون بلغتهم وفي إطار معهودهم الاجتماعي والثقافي حتى يفهموه..."[35]
- القواعد اللغوية الأصولية:
ليس من السهل ضبط وتقييد القواعد الأصولية اللغوية المتعلقة بالتفسير عند الأصوليين. بحكم كثرة هذه القواعد وتوزعها في المدونات والكتب الأصولية التي تعد من قبيل الأمهات مثل:البرهان لإمام الحرمين والمستصفى للإمام الغزالي والعمد للقاصي عبد الجبار والمعتمد لأبي الحسين البصري والإحكام لابن حزم وإحكام الفصول للباجي ونفائس الأصول للقرافي والبحر المحيط للإمام الزركشي والروضة لابن قدامة المقدسي والموافقات للذمام الشاطبي.....
بل إن مقدمات كتب الأصوليين جاءت حاملة لكثير من القواعد التي لها صلة بالتفسير.ففي هذه المقدمات يذكر الأصوليين الحاجة الماسة إلى علم اللغة ويعدون اللغة بأنها:"الآلة لعلم كتاب الله وسنة نبيه "[36]
ولقد عملت بعض البحوث والدراسات الجامعية على تقييد هذه القواعد وإدراجها في كتب خاصة لتكون بين أيدي الباحثين والمهتمين بالبحث في علم أصول الفقه.[37]
القاعدة الأصولية:
عرفها علماء الأصول القاعدة بقولهم" قضايا كلية يتعرف بها أحوال أفراد الموضوعات " [38] ، وعرفها الجيلالي المريني بقوله" حكم كلي تنبني عليه الفروع الفقهية مصوغ صياغة عامة ومجردة ومحكمة"[39] .
فهي بهذا الوصف أداة للاستنباط ومنا هج مساعدة يعتمد عليها في استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، وغالبا ما توضع على شكل قواعد عامة على شكل كليات مستفادة بالاستقراء من اللغة العربية أو من المباحث الشرعية.
- أقسام القواعد الأصولية:
تنقسم القواعد الأصولية إلى نوعين:
1- قواعد أصولية لغوية وهي المرتبطة بالقضايا اللغوية .مثل الأصل في الخطاب أن يحمل على الحقيقة .لا يصار إلى المجاز إلا بدليل..
2- قواعد أصولية شرعية وهي المرتبطة بالقضايا الشرعية .ومن هذا :العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني...
ومن قبـيــل هــذه القــواعـــد:
ü الأصل في اللفظ أن يحمل على الظاهر.
ü الأصل في الخطاب أن يحقق الفائدة.
ü الأصل في الكلام أن يحمل على الحقيقة.
ü لا يصار إلى المجاز إلا بدليل
ü المجاز خلاف الأصل.
ü الأصل في التكليف البيان
ü الأصل في الخطاب إعمال الدلالة الحقيقية.
ü إذا تعذر الحمل على الحقيقة صير إلى المجاز.
ü لا يصار إلى المجاز إلا بقرينة يقرها الوضع.
ü النص هو ما استغنى فيه التنزيل عن التأويل.
ü لا يخاطبنا الحق سبحانه باللفظ المهمل.
ü إعمال اللفظ أولى من إهماله.
ü إعمال النص أولى من إهماله
ü التأويل خلاف الأصل.
ü لا يصار للتأويل إلا بدليل.
ü كل تاويل يلعي الدلالة الأصلية فهو تأويل مردود.
ü لا يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز في استعمال واحد.
ü إذا تعارضت التأويلات فأقربها إلى الصواب ما جاء منسجما مع مقام الخطاب.
ü الأصل في العموم انه يعتبر بالاستعمال.
ü الخاص ما ازداد قيدا.
ü المعنى هو القصد في الخطاب
ü الأمور بمقاصدها.
ü العبرة بالمقصود لا بالملفوظ.
ü العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.
ü إذا دار اللفظ بين التأسيس والتأكيد يتعين الحمل على التأسيس.
ü لا تكليف بالمجمل ولا بالمبهم.
ü التكليف بالمجمل يعد خلافا للأصل
ü الأصل في الخطاب أن يحمل على الظاهر.
ü إذا تعذر الحمل على الحقيقة وتعددت وجوه المجاز تعين الحمل على المجاز.
ü يفهم النص على مقتضى لسان العرب ..
ü إذا تعارضت التأويلات فان أقربها إلى الصواب أكثرها توافقا مع المقام.
ü كل تأويل يرفع المعنى الأصلي فهو تأويل مردود.
ü لا يلجا إلى التأويل إلا إذا تعذر الوضع على الوفاء بالمعنى.
ü إرادة المعنى أكد من إرادة اللفظ.
ü كل خطاب متضمن الأمر بالفهم.
ü لا يجوز أن يراد باللفظ الواحد معنيان في استعمال واحد[40].
ü إذا احتمل أكثر من معنى يتم الترجيح عن طريق السياق.
ü خطاب التكليف لا تخرج عن الوضع.
ü الاستعمال مكمل للوضع لمعان الألفاظ.
ü إرادة المعنى أكد من إرادة اللفظ.
ü لا يعبا باللفظ المفرد في اكتساب معنى اللفظ.
ü المخاطب يفهم من الخطاب حقيقته دون مجازه.
ü الأصل في الخطاب الشرعي أن تحمل الألفاظ على المعنى الشرعي.
ü إذا تردد الفظ بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي فالأصل أن يحمل على المعنى الشرعي لان الشارع جاء لبيان المعاني الشرعية.[41].
ü الحقيقة اللغوية أصلية والحقيقة الشرعية طارئة.[42]
وهذا العمل التقعيدي الذي يتحدد في بناء وصياغة المادة الأصولية على شكل قواعد وتعريفات وتحديدات مختصرة ومعرفة بالتعريف المنطقي الجامع المانع ومقننة ومنظمة بشكل دقيق يكشف للمتابع عن عمق وسعة العقلية الفقهية الإسلامية في تواصلها مع العلوم الأخرى خاصة في الحقول المعرفية التي تشاركها في المنهج وتتقاسم معه الموضوع أو المقصد. [43].....


[1]- المرافقات : 2/62. وفي الرسالة52:"فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها.وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها..."

[2] -الخصائص لابن جني :3/345

[3] -الدرس الدلالي عند الإمام الشاطبي للدكتور عبد الحميد العلمي:171.

[4]- تفسير النصوص: لأديب صالح: 1/9.

[5]- الخطاب الشرعي وطرق استثماره للدكتور إدريس حمادي: 476.

[6]- يراجع: من قضايا اللفظ والمعنى بين اللغويين والبلاغيين. لمليكة حفان، موقع ديوان العرب على الشبكة العنكبوتية...
- مفهوم المعنى دراسة تحليلية، د. عزمي إسلام حوليات كلية الآداب، جامعة الكويت، الحولية السادسة، الرسالة الحادية والثلاثون 1405، هـ 1985، م.س، ص.29.
- دراسة المعنى عند الأصوليين، طاهر سليمان حمودة، الدار الجامعية للطباعة والنشر، الإسكندرية، ص: 87-88.

[7]- الموافقات : 4/114.

[8]- البرهان في علم أصول الفقه: 1/169.

[9] -الحرف كما عرفه الإمام الغزالي هو :"الذي جاء لمعنى تنعدم خاصية الاسم والفعل فيه. ويظهر المعنى في غيره..."المنخول:80.وعرفه في موضع:"الحرف وهو الأداة .فهو كل ما يدل على معنى لا يمكن أن يفهم بنفسه ما لم يقدر اقترانه بغيره...:. المنخول 88.

[10]- المعتمد لأبي الحسين البصري :. جاء في الإتقان: " اعلم أن معرفة ذلك من المهمات المطلوبة... ولهذا يختلف الكلام والاستنباط بحسبها" 2/140.

[11] -كتاب العبارة للففارابي :1/33

[12] -المنخول للامام الغزالي:80

[13]- فواتح الرحموت بهامش المستصفى :1/229.
4- من أهم المؤلفات المخصصة للحروف: اللامات للزجاجي ( تـ 337 هـ) كتاب الأزهية في علم الحروف للهروي (تـ 415 هـ)، وأحمد بن النور المالقي (تـ 802 هـ) في كتابه: " رصف المباني في شرح حروف المعاني". وكتاب: الداني في حروف المعاني" للمرادي (تـ 949 هـ). - فواتح الرحموت بهامش المستصفى :1/229: - نهاية السول: 1/217، الإبهاج: 1/218، اللمع: 36، - العدة: 1/194، أصول السرخسي: 1/200. قواطع الأدلة: 84

5.الاتقان للسيوطي:1/142

[15] - من المؤلفات الأصولية التي درست الحروف ممنها: فواتح الرحموت بهامش المستصفى :1/229: - نهاية السول: 1/217، الإبهاج: 1/218، اللمع: 36، - العدة: 1/194، أصول السرخسي: 1/200. قواطع الأدلة: 84. شرح الكوكب المنير: 1/229.البحر المحيط".3/444..



[16]- البحر المحيط :2/.2532.

[17] -البحر المحيط للزركشي:2/253

-البحر المحيط للزركشي:2/255[18]

[19] - أثر حروف المعاني في تعدد المعنى.لعرابي احمد .مجلة الثرات العربي. دمشق.س"23.مارس:.2003

[20] -المنخول للذمام الغزالي :88

[21]- المنهجية الأصولية والمنطق اليوناني للدكتور حمو النقاري :42

[22]- المستصفى: 72.

[23]- المستصفى: 72.

[24]- المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي: 268.
- يراجع كذلك: الدلالة وتفسير النص أحمد الكبيسي: مجلة كلية الشريعة العراقية ع 6، سنة 1986.
- البحث الدلالي عند الأصوليين حبلص محمد يوسف، مكتبة عام الكتب، مصر 1991.

[25]- الدلالات وأثرها في تفسير القرآن لمحمد سالم أبو عامي، دار علي للطباعة والنشر: 1997.

[26]- المحلى 5/189

[27]- الموافقات للإمام الشاطبي:2/49.و هذا المعنى نفسه نجده في المحصول للإمام الرازي الذي قال" انه لما كان القرءان الكريم والسنة"، واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم. كان العلم بشرعنا موقوفا العلم بهذه الأمور". )). المحصول للرازي:1/221.
- للمزيد من التفصيل في هذا الإشكال الرابط بين اللغة العربية واستنباط الأحكام يستحسن الرجوع إلى :
- الإحكام لابن حزم 1/52 : حيث قال في بيان هذه العلاقة:( انه لا بد للفقيه أن يكون نحويا ولغويا وإلا فهو ناقص ولا يحل له أن يفتي لجهله بمعانيي الأسماء وبعده عن فهم الآيات).وفي الموافقات:((لان الشريعة عربية.وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم.) وفي موضع اخرمن هذا الكتاب: (فالحاصل انه لا غنى بالمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب.)4/117.وفي نهاية السول لجمال الدين الأسنوي/171لجمال الدين الاسنوي: ((ولما كان الكتاب العزيز واردا بلغة العرب كان الاستدلال متوقفا على معرفة اللغة ومعرفة أقسامها). وفي البحر المحيط للزركشي: "ولما جاءت شريعتنا بلغة العرب .وجب النظر فيها وكيفية دلالتها من حيث وضعها" البحر المحيط 1/22:.وفي شرح مختصرا لروضة: 4/107."انه من لا يعرف اللغة لا يمكنه استخراج الأحكام من الكتاب والسنة". وهذه النصوص على كثرتها جاءت لتؤكد قوله تعالى"إنا أنزلناه قرءانا عربيا""يوسف 2"وقوله سبحانه "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه"إبراهيم 5".
ومن العلماء من افرد كتابا خاصا لإبراز العلاقة الجامعة بين اللغة والنص الشرعي منهم الإمام ابن الأزرق صاحب كتاب
روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام والكتب محقق ومطبوع....
يراجع : الخطاب القرآني ومناهج التأويل تأليف: د. عبد الرحمن بودرع. منشورات الرابطة المحمدية المغرب :2013.

[28] - مجاز القرءان لأبي عبيدة معمر بن المثنى:1/17

[29]- دراسة الطبري للمعنى للدكتور محمد المالكي: 121.

[30]- المفردات في غريب القرآن للراغب الأصبهاني: 6.

[31]- الإحكام لابن حزم: 5/126. وفي شرح مختصر الروضة لنجم الدين الطوفي716 :" .

[32]- رسائل ابن حزم: 3/162.

[33]- -قواعد التدبر الأمثل لكتاب الله لعبد الرحمان حبنكة الميداني:89--

[34]- شرح مختصر الروضة لنجم الدين الطوفي: 3/469.

[35] -مدخل إلى القرءان الكريم للدكتور محمد عابد الجابري:1/28

[36] -الإحياء للإمام الغزالي :1/17.

[37] -من ذلك: القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية عند ابن قدامة في كتابه المغني ..وكذلك كتاب: القواعد الأصولية عند الإمام الشاطبي من خلال كتابه الموافقات للدكتور الجيلالي المريني.وكتاب: القواعد الأصولية للإمام القُرافي وتطبيقاته عليها من خلال كتاب الذخيرة: د. لمحمد احمدا لدار التذمرية وكتاب الدرس الدلالي عند الإمام الشاطبي فقد جاءت خاتمته حاملة لكثير من القواعد الأصولية اللغوية:التي لها صلة مباشرة بالتفسير.

[38] - فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت للأنصاري بحاشية المستصفى للغزالي 1/ 14.

[39] - القواعد الأصولية وتطبيقاتها الفقهية عند ابن قدامة في كتابه المغني :11

[40]- ذكر أبو الحسين البصري أن شيخه القاضي عبد الجبار الهمذاني أنه شدد النكير على من حمل اللفظ على معنين أجرهما حقيقي والآخر مجازي في استعمال واحد. يراجع المعتمد لأبي الحسين البصري 2/313.

[41] -أصل هذه القاعدة هو"إن الفظ إذا تردد بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي"حمل على عرف الشرع لأنه طارئ على اللغة.ولان القصد بيان حكم الشرع فالحمل عليه أولى..."اللمع :6

[42] -المعتمد لأبي الحسين البصري :2/910

[43] -يراجع : نظرية التقعيد الفقهي للدكتور محمد الروكي الصادرة عن منشورات كلية الآداب الرباط