الاخوة الافاضل اضع بين ايديكم موضوع صفة الغنة دراسة صوتية بين علماء التجويد وعلم اللغة الحديث وهو مستل من كتابي دراسة مخارج اصوات والعربية وصفاتها عند القدماء والمحدثين وكلي امل ان استفيد من ملحوظاتكم وتوجيهاتكم مع الشكر والتقدير .

صفة الغنة عند القدمى والمحدثين
دراسة مقارنة
الغنة لغة : ( صوت في الحنيشوم ) ([1]) .
الغنة اصطلاحا : ( الصوت الزائد على جسم الميم والنون ، منبعث عن الخيشوم المركب فوق غار الحلق الاعلى ، يصدق هذا انك لو امسكت انفك لم تمكن خروج الغنة ولتغير التصويت بالنون لعدم الغنة المقدرة لها ) ([2]) .
وصف علماء العربية صوتي ( النون والميم ) بانها صوتا غنة ، قال سيبويه : ( ومنها حرف شديد يجري معه الصوت لان ذلك الصوت غنة من الانف فإنما تخرجه من انفك واللسان لازم لموضع الحرف ، لانك لو امسكت بانفك لم يجري معه الصوت . وهو النون ، وكذلك الميم ) ([3]) .
اما المبرد فقد وضح العلاقة بين الميم والنون إذ قال : ( والميم ترجع إلى الخياشم بما فيها من الغنة فالذلك تسمعها كالنون ، لان النون المتحركة مشربة غنة من الخياشم ، والنون الخفيفة خالصة من الخياشم ، وانما سميتا باسم واحد ( أي الغنة ) لا شتباه الصوتين وإلا فإنهما ليسا من مخرج واحد ) ([4]) .
فالغنة كما يفهم من كلام المبرد هو الصوت الذي يخرج من الخياشم ، وهو شبيه بصوت الغزال إذا ضاع ولدها ([5]) . وكلام المبرد هو ترديد لكلام سيبويه الا ان سيبويه استخدم كلمة ( الانف ) واستخدم المبرد كلمة ( الخياشم ) ، وقد استخدم ابن جني المصطلحين معا ، إذ قال : ( ويدلك على ان النون الساكنة انما هي من الانف والخياشم ، انك لو امسكت بانفك ثم نطقت بها لوجدتها مختلة ) ([6]) ، فالانف هو العضو البارز ، ومآل الصوت الذي يخرج من الخيشوم ان يمر بالانف ([7]) .
واشترط القدماء لوجود الغنة في النون والميم ان يكونا ساكنتين غير مظهرين ، فان تحركا صار العمل فيهما للسان والشفتين دون الانف ، كذلك ان اظهر التنوين او النون عند حروف الحلق ([8]) .
قال ابن يعيش : ( فاذا لم يكن بعدها حرف البتة كانت من الفم ، وبطلت الغنة ، كقولك : من وعن ونحوهما مما يوقف عليه ) ([9]) .
ويبدو ان هؤلاء العلماء قد وهموا في ذلك لان الغنة لاتنفك عن النون والميم في جميع احوالها ، الا ان يدغما ادغاما كاملا في حرف ليس فيه غنة . وعلل الدكتور غانم قدوري الحمد السبب في ذلك قائلا : (ربما اوقعهم في ذلك افراد سيبويه النون الخفيفة ( أو الخفية ) بمخرج مستقل هو الخياشم ) ([10]) .
وقد اتفق علماء التجويد مع القدماء في ان حرفي الغنة هما الميم والنون ، قال مكي : ( حرفا الغنة: وهما النون والميم الساكنتان ، سميتا بذلك لان فيهما غنة تخرج من الخياشم عند النطق بهما ، فهي زيادة فيهما ... فالغنة من علامات قوة الحرف ، ومثلهما التنوين ) ([11]) .
فالغنة كما يفهم من كلام مكي من الصفات القوية ، وهذا يخالف ما قرره علماء العربية والتجويد من اعتبار النون والميم حرفا توسط بين الشدة والرخاوة كما وصفها القرطبي بجريان الصوت دون عائق حيث قال : ( وهي صوت يجري في الخيشوم جريان حروف المد واللين في موضعها ) ([12]) .
وقد اكد بعض علماء التجويد على ملازمة هذه الصفة للنون والميم ( تحركتا ام سكنتا ، ظاهرتين او خفيتين او مدغمتين ) ([13]) .
واستدل بعضهم على انهما لا يخلوان من اصل الغنة وان تحركتا قال المرعشي : ( بانك لو تلفظت بالنون والميم في عازف مرة بدون القبض على انفك ، ومرة بالقبض تجد الفرق بين نبرتهما ) ([14]) .
اما المحدثون من علماء الاصوات فقد اطلقوا عليها الاصوات الانفية ([15]) أو صوامت الغناء ([16]) ، قال الدكتور ابراهيم أنيس : ( وليست الغنة الا اطالة لصوت النون مع تردد موسيقي محبب فيها . فالزمن الذي يستغرقه النطق بالغنة هو في معظم الاحيان ضعف ما تحتاج إليه النون المظهرة ، وليس هذا الا للحيلولة بين النون والفناء في غيرها ـ فالفرق بين النون المظهرة ونون الغنة فرق في الكمية من ناحية ، وتطور النون وميلها إلى مخرج الصوت المجاور من ناحية اخرى ) ([17]) .
وليس ثمة ما هو جديد في كلام علماء الاصوات المحدثين من الغنة وحرفيها النون والميم سوى اشاراتهم إلى انخفاض الحنك اللين واللهاة في اثناء النطق ([18]) .




([1]) مختار الصحاح ، ص 482 .

([2]) مرشد القارئ ، ص 38 .

([3]) الكتاب ، 4 / 435 .

([4]) المقتضب ، 1 / 194 .

([5]) ظ : الدقائق المحكمة ، ص 14 .

([6]) سر صناعة الاعراب ، 1 / 53 .

([7]) ظ : الجهود الصوتية للاندرابي ، ص 34 .

([8]) ظ : روح المريد في شرح العقد الفريد ، محمد بن محمود السمر قندي ، تحقيق : ابراهيم عواد ابراهيم ، ( رسالة ماجستير ) ، جامعة صدام ، للعلوم الاسلامية ، بغداد : 1420 هـ / 1999 ) ، ص 84 ؛ المدخل إلى علم اصوات العربية ، ص 128 .

([9]) شرح المفصل ، 10 / 127 .

([10]) المدخل إلى علم اصوات العربية ، ص 129 .

([11]) الرعاية ، ص 70 .

([12]) الموضح في التجويد ، ص 81 .

([13]) لطائف الاشارات ، 1 / 195 ؛ المنح الفكرية ، ص 44 .

([14]) بيان جهد المقل ، ص 18 نقلا عن الخلاف الصوتي عند القدماء والمحدثين ، ص 93 .

([15]) ظ : الاصوات اللغوية ، ص 69 ؛ الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ، ص 322 .

([16]) ظ : علم اللغة للسعران ، ص 168 .

([17]) الاصوات اللغوية ، ص 69 ـ 70 .

([18]) ظ : الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ، ص 314 .