-1التاويليةات وقراءة النص القرءاني: بحث في المفارقة والتباعد ،بين النص والمنهج.
محمد بنعمر
في التراث الإسلامي ملاحظة بارزة ،وقوية تأخذ كل مهتم ومشتغل ومتابع للدراسات والبحوث القرآنية بشكل عام. وتفسير القرءان بشكل خاص .و هذه الملاحظة هي محورية البحث في القرآن الكريم، و في تفسيره ، وفي جميع العلوم المتعلقة به ، أو المتفرعة عنه. ويتجسد هذا الاهتمام بالانجاز المتزايد ، الذي يتحقق باستمرار في البحوث والدراسات، والكتابات ،والندوات والمؤتمرات واللقاءات البحثية ، التي تنجز، وتعقد باستمرار وبشكل مستمر ، وبدون انقطاع ، حول القرءان الكريم ،و حول علومه وتفسيره ، وطريق تدريسه و منهجية تلقينه .
حيث أنتج علماء الأمة الإسلامية عدة بحوث ،و أعدوا عدة دراسات، و اعدوا عدة فهارس، و أنجزوا عدة معاجم وموسوعات ذات صلة قوية ،ومباشرة بالبحث في القرآن الكريم، وفي تفسيره وفي علومه، و في طرائق تدريسه ...
لكن رغم ما تحقق من تراكم في البحوث القرءانية ،و الدراسات التفسيرية، على امتداد التاريخ الطويل ، فانه ظهرت في الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة، عدة اتجاه تأويلية، تسعى إلى تفسير النص القرءاني،وتهدف إلى تطبيق مبادئ ، واليات التأويليات المعاصرة ، ومناهج تحليل الخطاب اللساني على النص القرءاني ،دون أن يضعوا في الاعتبار المعطى التفارقي بين النص المقروء، وهو النص القرءاني ،والمنهج المختار في هذه القراءة لهذا النص....
إن القراءات الحداثية تسعى إلى إيجاد بدائل منهجية لقراءة النص ، تمنح فيه السلطة لقارئ النص من اجل أن يمارس هذا القارئ سلطته على النص، ويجعل من النص ممرا لإيصال اختياراته، وقناعته وآرائه الشخصية لقارئ هذا النص ، .ودلك عن طريق مصادرة القواعد التي يتركب منها النص..
إن التأويليات الجديدة كانت تسعى جاهدة إلى إفراغ النص من معيارته ، ومن قواعده التي بموجبها يفهم هذا النص. وإحلال محله القارئ التي تعترف له التأويليات الجديدة ، بالقدرة في التعامل مع النص ،وحتى وان كان هذا القارئ لا يمتلك آليات قراءة النص....".[1].
إن التأويليات المشتغلة على نقد النص، إنما نشأت خصيصا لدراسة النصوص القديمة ، والحكم على قيمتها التاريخية ، من خلال رصد الأخطاء والمغالطات المحمولة فيها ..
ولقد انتهى هذا المشروع ، وتجسد مع الفيلسوف الهلندي في القرن السابع عشر .وهو سبينوزات1677م. الذي أراد انقاد النص من هذه المغالطات والأخطاء الكبيرة التي مني بها...وإصلاح التصحيف، والتحريف في الكتاب المقدس، حتى وان أدى هذا الإصلاح إلى اقتراح معان جد
يدة توضع في النص ، وتضاف إلى النص الأصلي...[2].
لكن الإنزال القوي لهذا المنهج المنقول الغير الماصول على النص القرءاني بالقوة فيه مجموعة من المغالطات الكبيرة،لان المنهج فيه مفارقة معرفية ،وحضارية على موضوعه، الذي هو النص القرءاني المتميز بعدد من الخصائص...
ولإيجاد المشروعية لهذا المنهج الغريب. دعا دعاته والمناصرون له إلى التحرر الكامل من الأفكار المكتسبة ، والآراء المعهودة، والقيم المكتسبة، والتجرد من كل القبليات التي تلقاها القارىء في ثقافته وتراثه العربي الإسلامي..[3].
لكن يبقى هذا المنهج الوافد الينا منهجا ملفقا يغتال نفسه قبل أن يغتال النص ، لا تشم فيه رائحة الإبداع وإنما الرائحة التي تفوح منه هي الاغتيال، والاعدام. لان يغتال النص في مضامينه ،و يعدم محتوياته ويقتل فيه البعد الجمالي المميز له ....
إن ما يحمله هذا المنهج الملفق ،انه لا يخضع لقانون اللغة التي بها كتب النص وبها يتوسل القارئ في قراءته للنص . وإنما يضع من عنده منهجا وقانونا لقراءة النص...
لان النية المحمولة في هذا المنهج هو رفع القداسة والتعالي النص وذلك بجعل النصوص جميعها مثماتلة ومتجانسة...
وبإلغاء القانون والمعيار الضابط في قراءة النصوص ، يغدو المعنى نسبيا في النصوص ، ومتباعدا بين القراء، كل طرف يؤوله حسب حاجته واختياراته وأرائه....
فقد يخرج الجاني بدون عقوبة، ولا متابعة .مادام النص يحمل معان نسذبية، قد يستوي فيها الجاني والمجنى عليه...انها من الحماقات الكبرى التي جاءت لتبشر بها هذه المنهجيات الجديدة....
لقد اخذ الدكتور طه عبد الرحمان على أصحاب المشاريع الحداثية عدم مراعاتهم لمبدأ التباين، والتفارق المنهجي ، وتقاطع المرجعيات .واختلافها بين الفضاءات الثقافية المؤسسة والمشيدة لهذه المناهج.فأصحاب هذه المشاريع استمدوا أدواتهم ، والياتهم المنهجية ، من فضاء المناهج الغربية ذات الصلة المباشرة بنقد النص الديني الذي نشا في الغرب .....[4].حيث سعت هذه المناهج إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه من التصحيف والتحريف واضطراب العبارة ،وقلق الصياغة ، و غموض الأسلوب والتركيب والدلالة الذي مس مباشرة الكتاب المقدس،بالمقايل فان النص القرءاني –كما بين الدكتور طه-ينتمي إلى الفضاء الديني الإسلامي . وهو فضاء يمتلك عدة خصوصيات ثقافية وحضارية، وجاء بلغة العرب ، وحملته لغة تمتلك كثيرا من الخصوصيات ، و تحمل هذه اللغة عددا من المواصفات ، معجما وتركيبا ودلالة،إضافة إلى سلامة النص القرءاني من التصحيف، والتحريف بفضل الجهوذ التي بذلها العلماء من اجل حمايته من هذا التصحيف....
-تركيب

إنهم يريدون قراءة جديدة وحداثية للقرءان. ولكنها هي قراءة مقلدة ،وليس لها من الحداثة ،في أي شيء نتفق معها من حيث أننا نحتاج في نهوض الإسلام إلى تجديد القرءان. ولكن تجديد نبغي أن نبدع فيه فنأتي من عندنا بأدوات، واليات يحددها تاريخنا، وتراثنا على هده الأدوات والآليات التي نبتكرها يمكن أن نعيد بها قراءة القرءان ،ولا نقوم باستنساخ الأدوات الغربية ،وإسقاطها إلى النص القرءاني......





[1] -أفق التأويل في الفكر الفكر الاسلامي المعاصر للدكتور محمد حمزة.مؤسسة الانتشار 2011.

[2] -في النقد الفلسفي : محاولة في تحديد المفهوم للدكتور الزاوي بغورة.مجلة عالم الفكر المجلد:41. ابريل :2013.

[3] -محمد اركون وتحليل الخطاب الديني : النص القرءاني نمخوذجا لمحمد اندلسي . مجلة الازمنة الحديثة.العدد:3-4.2011.

[4] -يراجع بحث :طه عبد الرحمان قارئا لمحمد عابد الجابري.مجلة الأزمنة الحديثة :العدد:3-4.غشت :2011.