بسم الله الرحمن الرحيم
إذا رَدَّ على المخالفِ مَن لايُحسِن الرّدّ من الناحية العلميّة والمَنْهَجِيّة والأَخْلاقِيّة , فضَرَرُهُ أَكبرُ وأَقرَبُ مِن نَفْعه إِنْ ثَمَّةَ هُنَالِكَ نَفع , وجَلَبَ إلى أهل الحق من الضّررِ ما الله به عليم , بَلْ ورُبّمَا جعل أهل الحق أضحوكةً لأهل البَاطِل .
وقد أَرْشَد اللهُ جلّ وعلا إلى الإعتناء بهذه الأمور الثلاثة في الدعوة والتعليم , وهي الناحية العلميّة والناحية المَنْهَجِيّة والناحية الأَخْلاقِيّة في كتابه الحكيم .

فمن الناحية العلميّة : قال : (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ))

والبصيرة : هي المعرفة التي يُمَيّزُ بِها بَين الحق والباطل . [ تفسير البغوي ]

ومن الناحية المَنْهَجِيّة : قوله سبحانه : ((مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ) )

(قِيلَ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كباره , وقيل : الَّذِينَ جَمَعُوا مَعَ الْعِلْمِ الْبَصَارَةَ بِسِيَاسَةِ النَّاسِ , وَقَالَ الْمُبَرِّدُ : هُمْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ سُمُّوا بِهِ لِأَنَّهُمْ يُرَبُّونَ الْعِلْمَ، وَيَقُومُونَ بِهِ وَيُرَبُّونَ الْمُتَعَلِّمِينَ بِصِغَارِ الْعُلُومِ قَبْلَ كِبَارِهَا، وَكُلُّ مَنْ قَامَ بِإِصْلَاحِ الشيء وَإِتْمَامِهِ فَقَدْ رَبَّهُ ) [البغوي بانتقاء ]

ومن الناحية الأَخْلاقِيّة : قوله تعالى : (( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ))

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي – - : (ينهى تعالى عن مجادلة أهل الكتاب إذا كانت من غير بصيرة من المجادل ، أو بغير قاعدة مرضية ، وأن لا يجادلوا إلا بالتي هي أحسن ، بحسن خُلُقٍ ولطف ولين كلام ، ودعوة إلى الحق وتحسينه ، ورد عن الباطل وتهجينه ، بأقرب طريق موصل لذلك، وأن لا يكون القصد منها مجرد المجادلة والمغالبة وحب العلو ، بل يكون القصد بيان الحق وهداية الخلق ، إلا من ظلم من أهل الكتاب ، بأن ظهر من قصده وحاله ، أنه لا إرادة له في الحق ، وإنما يجادل على وجه المشاغبة والمغالبة ، فهذا لا فائدة في جداله ، لأن المقصود منها ضائع . ) . [تفسير السعدي]

ويجمع هذه الأمور الثلاثة قوله : (( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ))

فالحكمة تشتمل على الناحية العلميّة والناحية المَنْهَجِيّة - ومن معاني الحكمة وضع الشيء في موضعه - , والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن تشتمل على الناحية الأَخْلاقِيّة .

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي – - : ( أي: ليكن دعاؤك للخلق مسلمهم وكافرهم إلى سبيل ربك المستقيم المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح بِالْحِكْمَةِ أي : كل أحد على حسب حاله وفهمه وقوله وانقياده .
ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل , والبداءة بالأهم فالأهم، وبالأقرب إلى الأذهان والفهم ، وبما يكون قبوله أتمّ ، وبالرفق واللين ، فإن انقاد بالحكمة ، وإلا فينتقل معه بالدعوة بالموعظة الحسنة ، وهو الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب , إما بما تشتمل عليه الأوامر من المصالح وتعدادها ، والنواهي من المضار وتعدادها ، وإما بذكر إكرام من قام بدين الله وإهانة من لم يقم به , وإما بذكر ما أعد الله للطائعين من الثواب العاجل والآجل وما أعد للعاصين من العقاب العاجل والآجل .
فإن كان [المدعو] يرى أن ما هو عليه حق . أو كان داعية إلى الباطل ، فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا .
ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها ، فإنه أقرب إلى حصول المقصود ، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها.
) [تفسير السعدي]
والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم .


وكتبه عبدالرحمن بن عبدالحفيظ برغال
الخميس 10/3/1436