مقدمة :


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد
لطالما برز جدل واسع بين علماء الشريعة حول مفاهيم القضاء والقدر وعلاقتهما بالدعاء وتلازم الأمرين وافتراقهما ، ولم يتفقوا اتفاقاً قطعيَّاً إلا على وجوب الإيمان بهما كركن لا يتمُّ إيمان المسلم إلا به.

وبعد أن تقلبت في ما ذهب إليه السلف الصالح من آراء وتفصيلات في هذه المسألة كان أبرز نتيجة وصلت إليها وجود تناقض لدى كثير ممن طرق هذه المسألة ، وإن أقررنا -بلا نقاش ولا رد- وجوب الإيمان المطلق بالقضاء والقدر إلا أننا نختلف في مفاهيمهما ، فكيف لقائل مثلاً أن يقول أن الدعاء لا يقع إلا إذا وافق القدر ؟؟! ،فهذا يعني أن من قُدِّر عليه الموت قتلاً فلن ينفعه استيداع نفسه ودعاء الله بأن يحفظه حتى ولو عرف اسم الله الأعظم ، وفي ذلك تعطيل لصفات من صفاته تعالى.

ومن هنا ففي الوقت الذي يراد منه رسم صورة صارمة للقدر فإنه ينتقص من عبادة عظيمة وهي الدعاء فما نفع الدعاء إن كان كل الأقدار واقعة لا ترد ؟؟ ، ويحضرني أيضاً مسألة ملفتة أشار إليها الشيخ محمد متولي الشعراوي وهي أن القائلون بالجبر في القدر من حيث يشددون على إثبات صفة من صفات الله فهم في ذات الوقت يعطلون صفة العدل التي يحاسب الله عباده بها بناءً على أفعالهم الحرة المختارة.

لماذا أصبح لدينا قضاء وقدر طالما أنهما شيء واحد ؟؟ وهل أثر هذا الدمج على مفهوم القضاء والقدر ؟؟.

هل يؤثر فهم القضاء والقدر على حياتنا العامة وكيف سيكون التأثير سلبيا أو إيجابياً ؟ ، وكيف يستفيد المسلم من معرفته لقضية كهذه في عباداته وإيمانه؟

كيف نوفق بينما منحنا الله من ميزة الاختيار والإدراك والتمييز والإرادة الحرة وبين حتمية المكتوب ووقوع الشر بدون القدرة على تجاوزه أو تفاديه ؟؟.

كيف نُحاسب إذن على أعمال جُبرنا عليها جبراً ليس لنا فيها خيرة ولا مناص من ارتكابها ؟ وهل الأقدار من أعمال العباد أم من أعمال الله ؟؟

ما هو المفهوم الصحيح لقوله تعالى:

لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:23]
منهج البحث:



كما المقالات والأبحاث السابقة سنبدأ من النهاية فنعرض ما توصلنا إليه من تعريف للقضاء والقدر والفرق بينهما ومن ثمَّ ننطلق لأدلة هذا القول وكيف يتسق ويتفق مع مفهوم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ومطلق عدل الله وعظيم قدرته وإحاطته في نفس الوقت ، وكل ما ارجوه من القارئ الكريم هو التريث والتمهل والقراءة بعناية حتى النهاية.


القضاء والقدر:

إن هاتين المفردتين تعرضتا لأنواع من إساءة الفهم والخلط بينهما ودمجهما في مفهوم واحد تارة وفصلهما عن بعضهما بالكلية ، وحصل في مفهوم (القَدَر) بفتح القاف والدال ، خلط بينه وبين (القَدْر) بفتح القاف وسكون الراء وبين فعلي (قَدَرَ) و (قَدَّرَ) وهذا الخلط بُنيَ عليهِ خللٌ في مفهوم القضاء والقدر ، ويستدلّ على الخلل في الفهم بأنه يُنْتِج تناقضاً بيّناً وتعارضاً مع مفاهيم أساسية وآيات قرآنية تترك الناس في حيرة من أمرهم لا يهتدون إلى فهم هذه المصطلحات.

وقد نتج عن هذا الخلل تغليظ النهي عن مناقشة القضاء والقدر والحديث فيها لما يقود ذلك من إيقاع الشك عند البعض والانحراف العقديّ عند البعض الآخر ، سيما إذا علمنا أن هذا الأمر أنتج فرقاً ومذاهب تتمايز وتتضاد في موقفها من القضاء والقدر كالجبرية والمعتزلة.

ومع تقدم العلوم الشرعية وتنوع أقوال المتقدمين والمتأخرين وتوسع مدارك الإنسان عما كان عليه الأمر في الماضي فقد أصبحت الرؤية المتزنة المحدودة بحدود العقيدة السليمة أصبحت ممكنة فيقود البحث حينذاك إلى مفاهيم مضيئة لا تتعارض مع أصول العقيدة السليمة ولا تترك الباحث والسائل حائراً لا يفهم ما يحيط بتلك المصطلحات من معاني.


القَدَرْ: هُوَ كُلُّ أعْمَالُ المًخْلوْقاتِ الَّتيْ لَمْ يُفْضُونَ إليْهَا بَعْدْ.


(سبع إضاءات على القدر)

الإضاءة الأولى: القَدَر هُوَ أعمال العباد التي سيفعلونها ويفضون إليها في المستقبل ولها أحوال واحتمالات يتنقل العبد بين احتمالاتها واختياراتها المختلفة بإرادته هو ولكن بعلم الله السابق الأزلي عما سيختار هذا العبد وقدرته على تغيير اختيار العبد أو إثباته.

الإضاءة الثانية: لا تكون الأقدار إلا في المستقبل والوقت القادم قبل إتيانه وحلوله فإن قَدِم وأصبح ماضياً مقضياً لم يعد يسمى قدراً ، وكل قدر يوقع بالعبد شراً أو خيراً إنما هو عمله أو عمل عبدٍ آخر أصابه فيحدث التدافع والتفاعل بين المخلوقات.

الإضاءة الثالثة : من تمام عدل الله أن يجعل الأقدار هي أعمال العباد قبل وقوعها فيكون هذا هو الكسب الذي تصيبهم به البأساء والضراء والسراء بما كسبت أيديهم ولكن نؤكد بأن ذلك بعلم الله السابق الأزلي وبقدرته النافذة على إيقاف العمل وتغييره وفق إرادته جلت قدرته.

الإضاءة الرابعة: الأقدار تتغير وتتبدل وتتأخر وتتقدم ولأفعال المخلوق تأثير على القدر فيمنع الله حدوث مكروه بعمل أو قول ، والجنة والنار من الأقدار المدونة لكل مكلف ، فإن سار في أقدار معينة باختياره وإرادته تقوده للجنة وإن اختار سواها قد تقوده إلى النار والعياذ بالله.

الإضاءة الخامسة: الأقدار دروب عملية متوازية يسلك العبد أحدها لا يمكن له أن يفضي إلى فعلين متوازيين فلا يمكن مثلا للعبد أن يكفر ويؤمن في وقت واحد كما أن ابن آدم لا يستطيع أن يؤدي نسك أو عبادة ويلهو في نفس الوقت .

الإضاءة السادسة: لا يعني تدوين أفعال العبد في كتاب وعلم الله الأزلي بأن مسبب الفعل ، فالفاعل هو العبد وهذا المتفق مع عدل الله وإن تجاوزنا وقلنا غير ذلك فهذا يعني أن الكافر لم يرتكب الكفر بإرادته واختياره بل هو مجبور على فعله كافر من الأزل وهذا منافٍ لقواعد العدل الإلهي وهو قول متبعي عقيدة الجبرية الذين ضلوا في فهم القضاء والقدر فجعلوا أعمال الخلق حتمية من أفعال الله لا دخل للعبد بها وهذا أحد صور ونتائج غياب الفهم الصحيح للقضاء والقدر.

الإضاءة السابعة: أن كل الأقدار لا تقع إلا وفق مشيئة الله وقدرته وعلمه فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وأن قدرته عليها مطلقة .


القَضَاءْ: هُوَ مآلات الأقْدَارُ مِنْ الحَواَدِث الَوَاقِعَةُ والوقائع المُنْقَضِيَةْ ، وَالأَحْكَاَمُ الإِلَهِيَّةُ النَّاَفِذَةْ.


(سبع إضاءات على القضاء)

الإضاءة الأولى: مآلات أفعال العباد واختياراتهم من الأقدار وسبلها المختلفة يسمى قضاءً ، فإن سلك الإنسان سبيل الإيمان وقاده هذا السبيل للجنة فهذا المآل يسمى قضاءً ، وإن أفضى العبد لعمل ينسأ له به في أثره فتغير قدره وتأجلت ساعته كانت ساعته الجديدة هي قضاءه ، ولكن القضاء كله بعلم الله فهو جلت قدرته يعلم كل ما سينقضي ويقع وكل المآلات التي ستحدث للعبد.

الإضاءة الثانية: إن أحكام الله وأوامره هي "قضاء" فالله يقضي بأمر عندما ينزل أمراً أو نهياً لعباده ويوجب عليهم إتباعه .

الإضاءة الثالثة: قدرة الله في تغيير أقضية الأقدار مطلقة ، فمن كان قدره المؤاخذة ودخول جهنم يغير الله قضاءه المفترض ترتبه على فعله فيغفر له ، والعبد يُكْتَب على ولده الموت قتلا فيستودع الرجل ابنه فيغير الله قدره فيقضي بحفظه وهكذا ، فالله له مطلق القدرة والتصرف بالقضاء والقدر.

الإضاءة الرابعة: إن علم الله السابق الأزلي بما وقع ما سيقع من الأزل إلى الأبد أمر رباني لا تتسع أفهام العباد له وليس في نطاق ما يطلب منهم ، فعلمهم به يدخل فقط في العلم بمدى اتساع إحاطة الله بكل شيء ولا يترتب عليه علم ابعد من ذلك أو فعل يبنى عليه سوى الإيمان والتسليم .

الإضاءة الخامسة: أن ما يخبرنا الله به عن قضاءه هو إنباءٌ لعباده عن المستقبل فهو واقع حتماً ولكن البشر ليسوا مجبورين على سلوك الأقدار التي تقود لذلك القضاء ، ولكن إخبار الله لنا في سابق علمه لتثبيت قلوب المؤمنين والاستدلال على ضلال الضالين وإيمان المؤمنين .

الإضاءة السادسة: أن القضاء علمٌ أعلى من القدر لأنه المآل والنتيجة أما القدر فهو الكيفية التي نصل بها إلى النتيجة ، فالقدر علم مكتوب اختص به الله نفسه، والقضاء علم يفوق القدر علوا وخصوصية.

الإضاءة السابعة: إذا كان القدر يغيره العبد بتغيير أفعاله فإن القضاء لا يملك العبد له تغييراً ولا تبديلاً وكل قضاء في الكون غير خافٍ على الله وغير ممتنع التغيير والتبديل عليه سبحانه.


مصاديق قرآنية ونبوية:
في هذا المطلب سنستعرض بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية لنرى مدى موائمتها مع التعريفات والإضاءات لكل من القدر والقضاء:

إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11) سورة الليل

فقسم الله المآلات والقضاء قسمين كلٌّ منهما يترتب على أعمال يفعلها العبد فإن سلك أقدار العطاء والتقوى والتصديق يسره الله لليسرى فكان من أهل الجنة ، وأما إن بخل واستغنى وكذب فسييسره الله للعسرى وهي جهنم فهما طريقين متوازيين زمنياً لا يمكن لمكلف سلوكهما معاً فإما هذا الطريق وأقداره وإما الطريق الآخر وأقداره والعلم عن القضاء (المآل النهائي ) عند الله ، فلا يعلم الإنسان ماذا يختم له به وهل يثبت على الإيمان أم تتخطفه الشياطين فينحرف إلى الكفر .


مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) سورة الحديد.

وقد وقعتُ على مفاهيم متناقضة وغير دقيقة لهاتين الآيتين الكريمتين فالله جلَّ وعلا يخبرنا عن قضيتين مهمتين الأولى علم الله الأزلي بما سيقع إلى قيام الساعة وليس بالضرورة أنه محدثها بل حدثت بإذنه ومحدِثها قد يكون أحد مخلوقاته، والآية التالية يتحدث عما أصيب به المؤمنين من فوات الخير والفرح بما استقر في أيديهم من خير ، فالآية تخاطبهم عما حدث وانقضى فكان قضاءً وليس الحديث عن القدر الذي سيكون في المستقبل، ولو طبقنا هذه الآية على المستقبل لانتفى العمل وأصبح لا معنى للبحث عن الخير وتجنب الشر ، ولكن المراد أن ما وقع وانقضى من شر وما حصل وانتهى من خير كُتبِ من الأزل أن القضاء سيكون على تلك الصورة ، ولا تأتي بصيغة المستقبل إلا عند افتراض حصول المنفعة ووقوع المصيبة وانقضاء ذلك وليس عما سيحدث مستقبلاً.

إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) سورة المدثر

فالتقدم والتأخر رهنٌ بمشيئة العبد ، فكسبه من الحسنات والسيئات وعمله الصالح أو السيئ هو العامل الأساسي في تحديد مصير المخلوق المكلف ، ولن يحاسب الله العبد ما لم يكن حراً يملك الإرادة المستقلة للتفكير وإضمار الإيمان أو الكفر ، وبمجرد سلب تلك الإرادة فإن العبد المكلف يتوقف جريان القلم عن تدوين عمله سواءً بالجنون أو النوم أو الموت أو غياب الوعي.

وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء:4]

وهنا القضاء يتضمن إخبار بني إسرائيل بما سيكون من سلالتهم وأبنائهم في المستقبل وليس من المخاطبين بأعيانهم وإخبار الله بالقضاء والقسم عليه صورة من صور قيام الحجة عليهم فلا مناص عن ارتكابهم هذا الفعل من الفساد ليس جبراً من الله لهم ولكن بسوء طويتهم وارتكابهم للشر والفساد بإرادتهم ، فلو أن قوم منهم وقعت في قلوبهم الخشية وتبرأوا من هذا الفساد خشيةً من وقوعهم ضمن من ستقع عليهم النبوءة كإيمانهم بالإسلام ديناً، لخرجوا من مظلة هذه الآية.

قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:47]

وقضاء الله هنا هو حكم إلهي نافذ وليس قدر متغير فاسمي قضاءً لأنه واقع لا مرد له ولا مغير له ولا مبدل ، والقضاء الإلهي إذا أراده الله وأمر به لا يتقيد بسنن الدنيا فالله خالق السنن والمتصرف بمشيئته بكل شيء.


اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ [الشورى:47]

فيوم القيامة هو من صور القضاء المعلومة للبشر فلا يمكن له أن يتغير في الوقت الذي يتفاعل البشر مع الأقدار فتتغير مآلات بعضها تبعا لتعاملهم مع تلك الأفعال ، كما أن الحساب ، والموت واجتياز الصراط من الأقضية المحتومة التي لا مرد لها ولا مبدل لها.


وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ [الحجر:66]

فأخبر ربنا جلت قدرته نبيه لوط بالقضاء الذي سيقع فأرشده إلى الرحيل عن تلك القرية بأهله حتى لا يقع عليه ما سيجري عليهم من أمر الله وقضاءه ، بينما أخفى قضاءه بموت سليمان عن الجن فلبثوا زمناً في عذاب مهين لاستتار الغيب عنهم وانعدام قدرتهم على معرفته فيقول تعالى:


فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:14]

يقول تعالى:
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء:23]

ويقول جل شأنه:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]

القضاء هنا هو الأمر والحكم الإلهي النافذ المبلغ لعباده بوحيٍ إلى نبيه ، فعبادة الله وحده لا شريك له و الإحسان للوالدين وشرائع الدين وأحكامه التي نزلت للبشر هي قضاء وحكم لا ينقض ولا يتبدل ولا يجوز مخالفته.

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [القصص:68]

فاختيار الله هو قضاؤه جلت قدرته وليس لأحد أن يرد قضاءه ويغير قراره ، ويمكن القول (يختار) يختار من عباده أنبياءً ورسلاً يكلفون ببلاغ الحق ومحاربة الباطل.


فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57) النمل

فكان قدرها بناءً على عملها واختيارها هو الهلاك مع قوم لوط ، ولو تابت قبل وقوع العذاب عليهم لنجاها الله من الهلاك بالعذاب ولكن إصرارها حوّل قدرها إلى قضاء فكان العذاب واقع عليها ، حتى لا يأتي من يظن أن الله خلقها لكي يهلكها ويعذبها ولكن بما كسبت يديها.


عن ثوبان قال: قال رسول الله --: (لا يزيد في العمر إلا البِرّ، ولا يرد القدر إلا الدعاء) رواه الترمذي وابن ماجة

وهذا الحديث يستدل منه على طبيعة الفرق بين القضاء والقدر ، فالقضاء هو الموت والقدر هو وقت وقوع هذا الموت فمن الأعمال ما يزيد في عمر ابن آدم كالبرِّ وصلة الرَّحم فيتأخر وقوع القضاء عليه إلا أنه واقع لا محالة ، والدعاء عبادة تغير الأقدار وتردها فالقدر المردود بالدعاء ينقل العبد لقدر آخر فمن دعا بالحفظ من السوء يَدْرأ الله عنه السوء إن استجاب دعاءه ويبدله بخير فيكون رد قدراً بقدر.


عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله - - : ما من مسلم يدعو دعوة ليس فيها إثم ، ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث : إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يؤخرها له في الآخرة ، وإما أن يكف عنه من الشر مثلها ، قالوا : إذا نكثر ، قال : الله أكثر .

فيؤكد الحديث على أثر أعمال العبد في تغيير القدر فيكون الشر مقدراً على ابن آدم فيدعو الله فيدرأ عنه ما كان مقدراً عليه ويصبح قضاءه حسناً، ولكن إن لم تدرأ عنه الشر ووقع عليه يصبح الشر الواقع قضاءً.



حَديثِ مُسْلِمٍ أَنَّ الرَّسُولَ عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ قالَ: سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي ثَلاثًا فَأَعْطَاني ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَني وَاحِدَةً، سَأَلْتُهُ أَنْ لا يُهْلِكَ أُمَّتي بِالسَّنَةِ العَامَّةِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسألْتُهُ أَنْ لا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَيَسْتَأصِلَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لا يَجْعَلَ بأسَهُمْ بَيْنَهُم فَمَنَعَِيها، وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ" اهـ.
وهنا دليل بيِّن على أن القضاء ثابت لا يرد بعكس القدر الذي يرد بأمور كثيرة كالدعاء ، فما يقضي الله بأمر إلا نفذ ولا ينفذ أمر إلا كان نفاذه قضاءً.



الأمْرُ العُجَابْ

قال رسولُ اللهِ :" عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ ". رواهُ مُسْلِمٌ.

وفهم هذا الحديث فهم عميق وملفت ، وجلُّ ما قرأت شرح سطحي يبرز أسهل وجوه فهم الحديث ولكنه برأيي ليس أصحّها ، وما أن نتفهم المراد من هذا الحديث وحقيقته حتى نستوعب مسألة القضاء والقدر ودور المخلوق في التأثير في الأقدار فيقضي الله لهم بقضاء خير .

وبداية فإن المسلم لا يشكُّ في أن الله يثيب المؤمن الشاكر للنعمة، ويثيب المؤمن الصابر على المصيبة ، ولا يبدو أن هذا مصدراً للعجب عندما يتعجب من ذلك النبي !! ، فضلا عن حصر ذلك على المؤمن دون غيره ، فلا بد أن وجه التعجب لدى النبي وجه آخر ، وجه عميق وعجيب يتطلب إدراكنا له وأن نشعر فعلا بتميز المؤمن عن غيره بهذا الأمر العجيب الذي لفت انتباه نبينا .

والحقيقة أنني رأيت في هذا الحديث ما غفلنا عنه لوقت طويل ، فقول النبي عن المؤمن بأن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكانت خيراً له فليس كل سراء تؤول إلى خير ، فقد يفرح الرجل بالمال يصيبه ثم يكون عليه وبالٌ وسوء ، ولكن المؤمن بالشكر يحيل هذه السراء في مآلاتها إلى خير يؤثر في أي قدر يقود هذه السراء إلى سوء وشر ويجعل مآلاتها غير حميدة ، ونلاحظ أن النبي وصف الحالين بالسراء والضراء فما يسرُّ المؤمن لا يشترط أن يكون مآله خير .

والأمر العجيب الثاني هو أن المؤمن إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له فصبر المؤمن واستحضاره لحسن المآل يحيل الضراء لخير في مآلاتها فيكون مصاب الرجل في صحته أو في ماله باب يدرأ عنه مصيبة أكبر أو يجلب له خير لم يكن ليصيب المؤمن بلا وقوع تلك الضراء.

ويؤيد ذلك ما نعرفه من قصة أصحاب السفينة في سورة الكهف حين خرق الخضر سفينتهم فكانت هذه الضراء خير لهم منع عنهم ما هو أسوأ وهو سلب مصدر رزقهم الوحيد ، وكذلك الغلام الذي ذبحه الخضر لعلم لُدَنيّ عنده بأنه سيرهق أبويه عصياناً وكفراً فصبر أبويه على مصابهم بمقتل ابنهم يقود لمآل خير للغلام وأبويه الصالحين فالصلاح يستلزم الصبر على الشدائد بجانب الإخلاص في العبادة.

ونستنتج مما تقدم أن المؤمن من أعظم الخلق حظاً بإيمانه فإيمانه (بقدرة الله ومشيئته) يحيل الشدائد للخير إن استحضر إيمانه ووثق بربه وعلم أنها سنن الله التي لا تتبدل ولا تتحول ، وإن شكر الله على وقوع السراء وحصول الخير فإن مآل الخير سيكون خيراً بإذن الله ويصونه بالشكر من التحول والتبدل .


عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ فَقَالَ: لَهُ لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، قَالَ: قُلْتَ: طَهُورٌ ؟ كَلا بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُورُ أَوْ تَثُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَنَعَمْ إِذًا

وهذا الحديث يحمل دلالات هامة أولها مآل الصبر على الضراء أو الضجر منه والتشاؤم بالموت وأثر ذلك في وقوعه، فلما اعترض الأعرابي على تفاؤل النبي بزوال البأس والطهور من المرض فقد استحال اعتراضه لواقع ضار يهلك صاحبه فيكون مآل مرضه الموت لأن قول النبي (فنعم إذاً) معطوف على قول الأعرابي وكأنه يقول : إذا كنت ترى ذلك فأنت من يحقق الضرر على نفسه وسيتحقق قولك.



لا شك أن حال الضراء يترافق معه يأس من وقع عليه الضر فدرجات إيمان الخلق متفاوتة ومن الناس من يكون متماسكاً قوياً فيما يظهر ولكن خوافي الأنفس ودواخلها في علم الله ، ولكن السنة الربانية التي يريد صلى الله عليه وسلم أن يخبرنا بها أن نحسن الظن بالله لتكون السراء خير ويستحيل الضر خيراً أيضاً فهنا دليل على أن الأقدار هي أعمال العباد وإن آمنوا واستحضروا كيف أنهم قادرين بتأييد من الله وتوفيق على تجنب الشرور القادمة واستجلاب الخيرات الخافية بإصلاح أنفسهم وتطهير ذواتهم من الشك وسوء الظن وضعف الإيمان.

قال عمر ابن عبدالعزيز : (إن لي نفساً تواقة، وما حققت شيئاً إلا تاقت لما هو أعلى منه، تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة بنت عبد الملك فتزوجتها، ثم تاقت نفسي إلى الإمارة فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن يا رجاء تاقت نفسي إلى الجنة فأرجو أن أكون من أهلها.)

والنفس التواقة أنالت بقدرة الله كل خير في الدنيا لعمر ابن عبدالعزيز فلما رأى أن الدنيا مقبلة عليه بحسن ظنه بالله زهُدَ فيها وارتفعت همته لثقته بربه وعظيم كرمه وغزير عطاءه فصرف علمه بالله وجهد نفسه التواقة لأن تتوق للجنة بدلا من الدنيا فلم يعد في طلب الدنيا ما يسعده ويشبع نفسه الصالحة.

فإن صفت أنفسنا وعظُمَ إيماننا بربنا واستحضرنا سنته في خلقه وسعة ملكه وأنه يؤتي من يشاء بغير حساب لا تنفد خزائنه ولا ينقص ملكه فإننا سنحيل أنفسنا لأنفس تواقة تثق بكرم الله وجزيل عطاءه سبحانه .


عَنْ رسول الله أنه َقَالَ : " اسْتَعِينُوا عَلَى نَجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ " صححه الألباني.

فقد جرى بين الناس أن من له حاجة سائرة ينتظر إنجاحها وأخبر بالأمر ولم يكتمه إلا فشلت وردت حاجته ، ذلك أن تشاؤم الناس من قضاء حوائج ونجاح المطالب لسواهم شائع فإن تشاءم الرجل من حصول مطلوب فقد يحصل المنع ، لذا حث صلى الله عليه وسلم على كتمان الحوائج حتى نجاحها.


وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]

إن لأحوال نفس ابن آدم تأثير وسبب على وقوع السوء واندفاعه وجلب الخير وابتعاده فنفهم كيف أن الناس يستجلبون الشر لأنفسهم فما أصابهم من سوء فمن أنفسهم ، لأنهم يستجلبون الشر ويخضعون لوساوس النفس فيصيبهم ما كانوا منه يحذرون.


روى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: "لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ وَلَكِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْحُو بِالدُّعَاءِ مَا شَاءَ مِنَ الْقَدَرِ"

إذا فالقدر يمحوه ويغيره الدعاء ولكن القضاء كما أسلفنا لا يرد ولا يتغير ، وطالما دعى الداعي وهو في شك من الإجابة ونفسه تفيض بالقنوط واليأس من وقوع المطلوب أو دفع المحذور ، لذلك حصر النبي في حديث أمر المؤمن فقال (وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ) فالإيمان شرط وقوع المطلوب ودفع المحذور.

ولا شك أن المؤمن الذي تتواتر الأحداث عليه فيجعل من نفسه نفساً تواقه ويمتلئ قلبه بالإيمان والامتنان لله جلت قدرته ويستقر في نفسه هوان الدنيا وسهولتها للمؤمن ويسر الله لعباده آنذاك سترتفع همتك وتبحث عما هو أعظم وأثمن وهو الجنة وستتعرف على شعور عمر ابن عبدالعزيز عندما اتجهت نفسه التواقه لنفي الدنيا والطمع في الجنة.


تحري الموت :
لعله يمر بنا حالات عديدة يتحدث فيها المتوفى عن الموت وتصل في بعض الدرجات أن هذا المتوفى يسبق بالإخبار عن موته ، وفي حالات فإن أهل الميت يخبرون عادة بآخر أحوال ميتهم بأنه تحدث عن الموت أو ذكره أو ودع أهله وذريته ولبس اجمل ثيابه والكثير من القصص التي نسمعها ، وانتشرت أخبار عن مغردين في وسائل التواصل الاجتماعي تحدثوا عن الموت أو ودعوا أحبائهم فقضوا في حوادث مرورية بعد وقت قصير فهل هؤلاء يعلمون الغيب ؟؟.

ونظرا لتواتر تلك الأخبار والوقائع فقد شاع بين الناس أن الميت يعرف بدنو أجله قبل أربعين يوماً ، ما انتشر هذا الخبر الخاطيء إلا لعدم وجود تفسير لتلك الحالات المتكررة ، وكثيرون يسألون العلماء الذين يردون بأنه لا يمكن معرفة علم الغيب بالطبع.

والحقيقة أن ابن آدم له أحوال يكون في بعضها يائس يتمنى الموت ويتوقعه حتى أن تلك المشاعر تطغى على سلوكه وحديثه ونشاطاته ، والبعض من الناس يضمر ذلك الشعور فالنفوس تنطوي على أسرار ومشاعر مكتومة ولكن الأكيد أن من يطلب الموت يصيبه وفي ذلك شاهد قرآني :


قلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) البقرة

ويقول :
قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (7) الجمعة

ففي موضعين يوجه ربنا نبيه محمداً بأن يطلب من اليهود تمني الموت ، ولأنهم يعلمون بأن تمني الموت يجلبه فيقع فإنهم لن يتمنوه أبداً لعلمهم بجرائمهم وما ارتكبوه وقدمته أيديهم من أعمال سوء فيؤخرون لقائهم بالله لعلمهم ما سيكون عليه الحال بعد الموت.

ولولا أن التمني يوقع الموت بإذن الله لما كان هذا التحدي مجدياً ، فحتى لو تمنوه ما يدري النبي بذلك ؟؟ ، سيعلم بأمنيتهم إذا وقع الموت عليهم .

وهذه صورة من صور التفاؤل والتشاؤم ، لذلك فمن لديه عزيز غالبه اليأس فإنه يجب أن يسارع لإخراجه مما هو فيه حتى لا تقع أماني السوء التي تمر في حياته ، وكذلك نحن علينا أن نستحضر خطورة تمني السوء أو التفكير به وتخيله لأن في ذلك استجلاباً له وهذه سنة وقانون مثبت بكتاب الله كما أسلفنا.


(العَدْوَى وَالطِيرَةَ)

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لا عَدْوَى وَلا طِيَرَةَ وَلا هَامَةَ وَلا صَفَرَ " رواه البخاري .
ثبت عن النبي أنه قال: ((لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، ولا نوء ولا غول، ويعجبني الفأل))
وهذا الحديث من الأحاديث التي أُغلق على أفهام كثيرة فنتج عن عدم فهمه محاولات لوضعه وتصور لمناقضته لأحاديث الفرار من المجذوم واعتقد الكثير من العلماء فضلا عن العامة بوجود صورة من صور التعارض بين هذا الحديث وبين العلم والطب وبين احاديث أخرى تعارضه (وفق فهمهم) وحقيقة الأمر أنه لا تعارض ولا تناقض البتة.

فالعدوى هنا لا يقصد بها الأمراض التي تنتقل بالعدوى ولكن انتشار مرض بين الناس يجعل بعض الناس يدخله الوسواس والتشاؤم فيقول طالما انتشر هذا المرض بين الناس فلابد انني اصبت به ، فيبدأ في التحسس والتوجع وهنا يقع المحذور ويصيبه المرض الذي ارقه وانتظره ، والحديث كله يتحدث عن صور تشاؤم متعددة ولم ينهى عنها إلا لأنها تقع ولأنها مخالفة للعقيدة السليمة المتعلقة بالله جلت قدرته .

وهناك من الناس مثلا من يرى انتشار مرض كمرض السكر أو أمراض القلب تنتشر هنا وهناك وكل يوم يسمع خبر إصابة أحد من أهله أو أصدقاءه فيدخله الخوف والوساوس ويبدأ يظن أن المرض شائع وانه ضحية جديدة متوهماً بإصابته فيصاب حقيقة فتكون هذه العدوى التي نهى عنها الرسول في هذا الحديث يحثنا على التفاؤل بالصحة والخير لكي لا يقع ما يحذره المسلم فعلاً ويحصل عليه الضرر.

كان شهر صفر عند الناس في الجاهلية يشتهر بأنه شهر شؤم وتواطئوا على ذلك حتى أصبح شهر شؤم وضرر ، فلما نهى الرسول عن التشاؤم بالطير والعدوى وبصفر ، صار هذا الشهر شهراً كغيره من الشهور لا يزيد فيه شر ولا يختص بمصيبة عما سواه ، فتواطؤ الناس على التشاؤم من أمر يجعله أشد وقعاً وأشهر شؤماً ، فإن ترك التشاؤم من أمر عاد كسواه.

فوجب على المسلم إحسان ظنه بالله حتى في أحلك الظروف وأسوأها وأن يرسم خطاً للخير بين كل طرق الشر التي يسلكها ويؤمن في داخله بأن الفرج متحقق لا محالة كما كان الحال في يونس حين (ظنَّ في الله الظن الحسن بأنه لن يقدر عليه أي "لن يضيق عليه أكثر مما ضيق في بطن الحوت " فدعا ربه فاستجاب وأنجاه من ضيق بطن الحوت والهلاك الحتمي فيه أصبح أمراً من الماضي).

وقوله (ويعجبني الفأل) والفأل الحسن هو الكلمة الطيبة وتوقع الخير وقوله (يعجبني) أي يصيبني بالعجب وهذا متفق مع قوله (عجباً لأمر المؤمن) فالتعجب كيف أن الفأل والشكر والصبر يحيل القدر لقضاء خير.


الفرق بين التقدير والمقادير (قدَرَ ، قدَّر ) :

اختلطت المفاهيم القدَرْ والتقدير التي وردت في القرآن الكريم لدى كثير من الناس فظنَّ البعض أن القدر هو القضاء وبالتالي أن التقدير هو القدر والحقيقة أن كل منها له معنى مختلفاً ، فالقضاء كما أسلفنا يختلف عن القدر ، والقدر يختلف عن التقدير:


أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ [الرعد:17]

بِقَدَرِهَا : بكمية المياة التي تقدر الأودية على احتمالها وتتسع لها.


اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ [الرعد:26]

وَيَقْدِرُ
: يضيِّق الرزق عكس البسط والاتساع فيكون مقدارها قليلاً.




مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ [إبراهيم:18]

يَقْدِرُونَ : يعني بها المقدرة والاستطاعة والقدرة على الحفاظ على ما كسبوا.


وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ [الحجر:21]

بِقَدَرٍ : بكمية معلومة ومحددة فلا يزيد ويطغى ولا يقصر عما أريد له.


وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ [سبأ:18]

وَقَدَّرْنَا : قصّرنا فيها مدة السير عما يجب ان تكون عليه .


وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ [يس:39]

قَدَّرْنَاهُ : جعلنا كل مقدار من حركته ومواضعه بمنزلة حتى صارت حركته منازل مقدرة مقسمة .


وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ [فصلت:10]

وَقَدَّرَ: جعل فيها ما يكفي من فيها مِن كل قوت من أقواتها بالكم المناسب فلا يزيد فيفسد ولا يقل فيهلك الخلق.


وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]

نَقْدِرَ : نضيَّق عليه في بطن الحوت ، أو نضيّق عليه معيشته بسبب مغاضبته لمن أرسل لهم وتركه للدعوة التي كلف بها ، فأحسن الظن بالله واستشرف النجاة والمغفرة لقاء فعله فحقق الله ظنه الحسن بربه فأنجاه.


وبالتالي مما تقدم فمادة (ق د ر) في كتاب الله ليست في كل المواضع تعني القَدَرْ والجهل بذلك ينزلق بالمسلم لخلط المفاهيم وتعقد الأمر حتى تغيب الرؤية الصحيحة.


سنة كونية :

إن الغرب أدرك قيمة التفاؤل وأثره الملموس والمباشر ، فصرف علمائهم وباحثيهم أوقاتهم لمراقبة تلك الأحوال للناس ورأوا كيف أن من يحسن الظن ويتفائل يقع تفاؤله ومن يسيء الظن ويتشائم يقع تشاؤمه ، ولكنهم ولعدم معرفتهم بماهية هذه السنّة فقد أسموها "قانون الجذب" وتصوروا مخطئين بأن قوةً خفيةً تخرج من جسد الإنسان لتستدعي الوقائع المختلفة فتتغير المقادير للأسوأ أو الأحسن وفق الطاقة التي تنبعث من كل شخص.

والحقيقة أنهم ضلوا في فهم حسن الظن بالله وقيمة التفاؤل وفعلها الحاضر في حياة الإنسان في الوقت الذي كان هذا الأمر أساساً من أسس الإيمان بالله في ديننا الحنيف ومعلمٌ بارز من معالم العلاقة المثالية للمؤمن بربه .
وبالمقابل ولأن الغرب الكافر غاص في أعماق هذه الظاهرة الجلية وخرج بفهم مغلوط فقد رفض بعض علمائنا ومفكرينا تلك المفاهيم جملة وتفصيلاً لأنها في جزء منها تصادم مفاهيم ثابتة لديهم ولم يمعنوا النظر في الظاهرة ويبحثون عن أساسها في ديننا الحنيف وإلا لتوصلوا لخلاف ما انتهوا إليه.

الخاتمة
إن أبلغ جملة تصف ما توصلنا إليه إجمالا هي :
الأقْدَارُ دُرُوْبٌ مُغْلَقَةٌ تَفْتَحُهَا النيِّاتُ ويُغْلِقُهَا القَضَاء

هذه الرؤى والمفاهيم أطرحها للقارئ الكريم وأنا أنتظر منه أن يرد ما يراه في قولي شططاً أو انحرافاً عن الحق ، أرجو من الله الهدى إلى سواء السبيل وأن يفتح على قلوبنا وقلوبكم فهم كتابه ، رب إن أصبت فمنك وحدك لا شريك لك ، وإن أخطأت فاغفر لي فإنك أنت الغفور الرحيم ، وفقني الله وإياكم لكل خير وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم.