مواقف في الطائرة (2/2)

سبق أن ذكرتُ في الجزء الأول من هذا المقال - مواقف في الطائرة (1/2) - موقفين، وأتمم في هذا المقال بعضَ المواقف التي أرجو أن يكون في ذكرها عظةٌ وعبرة.

الموقف الثالث:
أقلعت الطائرة ـ في العام الماضي 1435 ـ من مطار دبي متجهةً إلى مطار القصيم، وكان المتوقَّع وصولها في غضون ساعتين تقريباً، لكن حين اقتربت الطائرةُ من مطار القصيم، كانت السماء ملبدةً بالغيوم، والضبابُ نزل إلى مستوىً قريب من الأرض، وكان قائد الطائرة يحاول الهبوط مدةً ليست بالقليلة فلم يستطع! قابلَ هذا الهبوطَ ارتفاعُ وتيرةِ القلق لدى عدد كبيرٍ من الركّاب ـ بسبب الأحوال الجوية التي نمرُّ بها ـ فلُغة العيون لا تكذب، وقسمات الوجوه تتحدث، وهذه وتلك أصدق مِن أيِّ حديث، وأبلغ من كل لسان!

تلتفتُ يمنةً ويسرةً؛ فترى الوجوه ـ على اختلاف أجناسها وأحوالها ـ تتفق على لغةٍ واحدة هي لغة الجسد.. هي لغة الفطرة.. ولم أجد في تلك اللحظات لغةً أصدق من تلك اللغة ـ لغة الفطرة ـ، التي تستشعرُ معها أن كل الأسباب انقطعت، وكلَّ الوسائل قد فقدت فاعليتها وجدواها.. فلم يبق للروح إلا أن تتوجه بنداء الفطرة: يا الله! يا الله! يخفق بها القلبُ، ويتحرك بها اللسانُ، والإنسان يشعر أن الله يسمعه، ويعلم حالَه، ويُدرك معاناته!
إنها لحظات إيمانية عجيبة، لا يمكن وصفها! لحظات يدركُ فيها الإنسانُ عظيمَ أثر التوحيد، وأثرِ الفطرة حين تَسلم من الملوِّثات!

تأمل الفرق بين قلبٍ يتوجّه قلبُه لربه في مثل هذه الحال، ويناديه نداءَ الغريق في لجّةِ البحر، وبين من يستغيث بالولي الفلاني أو الشيخ الفلاني! إنها حالٌ مؤلمة ـ والله ـ ويبلغ معها الأسى مبلَغَه حين ينحطُّ هؤلاء المستغيثين بغير الله إلى دَرَكٍ أسفل من حال المشركين، الذين قال الله عنهم: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾[العنكبوت: 65]، فهم مع شركهم لا يدعون غير الله في الشدة، فكيف بمنتسب للإسلام!

إنها لحظاتٌ يدرك فيها المؤمنُ شيئاً من معاني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾[البقرة: 186]، ويستشعر فيها معنى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾[الحديد: 4].

لم أتذكر في هذه الأثناء إلا شيئين: تقصيري في حقّ ربي، وذريةً صغاراً أخاف عليهم الضَّيعة! في مشاعر حاولتُ فيها تجديد عبادةِ حسن الظنّ بالله.. مع مشاعرَ أخرى تذكرتُ فيها كم هي كبيرةٌ قلوبُ آبائنا وأمهاتنا! ولهَجَ لساني بترديد قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾[الإسراء: 24]!
وقلتُ في نفسي: إن قلبَك الذي تذكّر ذريتَه في هذه الحال، هو ذاته قلبُ أبيك وأنت صغيرٌ بل وأنت كبير، فكيف هو قلبُ الأمّ يا ترى؟ ثم انتزعتُ نفسي من هذا الخوف والقلق العارض؛ لأقول: يا هذا! إن ربك أرحم بك وبذريتك من رحمتك بأولادك، ورحمةِ والديك بك! فالزم الدعاء، وأكثِر من اللهج بالذكر والثناء.
لم يقطع هذه المشاعرُ إلا صوتُ أحدِ ملاحي الطائرة حين أخبرنا أننا سنعود إلى مطار الملك فهد بالدمام؛ كونه أقرب مطار يمكننا النزول فيه؛ انتظاراً لما تسفر عنه الأحوال الجوية في مطار القصيم، وبقينا أكثر من تسعين دقيقة داخل الطائرة، في حالٍ اختلط فيها السرور بالحزن، والصفاء بالكدر، فالسرور بانقشاع الغمّة وهبوطنا بسلام في الدمام، والكدرُ حين رفض الطاقم نزولنا إلى المطار ـ لنتدبر أمرنا ـ لاعتبارات نظامية.

أقلعت الطائرةُ متجهة إلى مطار القصيم، وقائد الطائرة يقول: إذا لم يتيسر النزول في القصيم، فستعود الطائرة إلى دبي، حيث وجهتها الأولى، ولا خيار غير هذا! هنا ساوَرَنا القلق ـ لكن بشكل أقل مما سبق ـ بسبب عدم رغبتنا في رجوعنا إلى دبي؛ لأن هذا يعني بقاءنا نصفَ يوم على الأقل هناك، وسيترتب على ذلك تبعات لا تخفى.


عدنا مرةً أخرى إلى الدعاء والتضرع بأن ييسر الله النزول ـ على الرغم من بقاء الغيوم والضباب لكن بشكل أخف ـ، وتمّ الأمر بحمد الله، ونزلنا وكأننا وُلِدنا من جديد، بعد أن تلقينا درساً إيمانياً عظيماً، عشنا فيه ألواناً من المشاعر، وذكّرتنا مصيراً نغفل عنه كثيراً، هو بحال هذا السفر أشبه، فما نحن ههنا إلا في محطة مؤقتة، ننتظر متى يأتي أجلُنا لننتقل إلى محطتنا التالية ـ وهي الحياة البرزخية ـ ثم إلى المحطة النهائية، في دار الجزاء، جعلها الله جناناً من الفردوس، لي ولوالديّ ومشايخي، وأحبابنا، ومن له حقٌّ علينا.


وأنا أحدّث بهذا الموقف أحدَ أحبتي، حدّثني أن موقفاً مقارباً لهذا -بل أشدُّ- وقع؛ اضطربت فيه الطائرةُ، واضطربت معها مشاعرُ الركّاب، وسادت مشاعرُ الذهول والقلق على الركابَ، إلا أن ثمة راكباً كأنه يعيش في عاَلمٍ آخر، فسُئل عن سرّ هذه الطمأنينة التي يعيشها؟ فقال: الحمد لله! فإني لا أتذكّر أنني ظلمتُ أحداً من الناس، وما بيني وبين ربّي، فإني إن متُّ أفضيتُ إلى مَن وسعت رحمتُه كلَّ شيء! الله أكبر! نِعم العُدّةُ للموتِ هذه: سلامة من حقوق الخلق، وحسنُ ظنٍ بالله.


إن علينا ألا ننتظر مثل هذه الدروس ـ التي نكرهها بفطرتنا ـ حتى نعود إلى الله، بل علينا أن نستقيم على الطريق، ونتخفف من الذنوب، فبئس الزادُ هي، ومن أشدها: ظلم الخلق في أعراضهم وأموالهم، حتى إذا جاءنا أجَلُنا؛ كان إحسانُ الظنّ حينها في محلِّه.

وفي الجملة.. فأمثال هذه المواقف يستفيد منها العاقلُ في تصحيح المسار، وتقويم النظر، ورحم اللهُ ابنَ عيينة الذي كان يتمثل بهذا البيت كثيراً:
إذا المرءُ كانت له فِكرة ** ففي كل شيء له عِبرة


* المقال على الموقع:
http://almuqbil.com/web/?action=articles_inner&show_id=1570