التحليل التقابلي.. و تحليل الأخطاء

تجري المقارنة الأولى «داخل» اللغة الواحدة من أجل اختيار «الأنواع» اللغوية التي تُقدَّم في التعليم، وهذه المقارنة جوهرية في تعليم اللغة لأبنائها، ولغير أبنائها على السواء.
أما المقارنة الثانية، وهي تلك التي يُطلق عليها أحيانًا المقارنة «الخارجية»، فهي تجري بين لغتين أو أكثر، وهي مطلوبة في تعليم اللغة لغير أبنائها. والمصطلح العلمي لهذه المقارنة هو التحليل التقابلي Contrastive Analysis.
إن المقارنة اللغوية موضوع قديم، وقد ازدهر في القرن التاسع عشر فقه اللغة المقارن Comparative philology، واستمر في القرن العشرين علم اللغة المقارن Comparative linguistics لكن هدفه مختلف عما نحن بصدده اختلافًا بيِّنًا؛ إذ يختص علم اللغة المقارن بمقارنة لغتين أو أكثر من عائلة لغوية واحدة ابتغاء الوصول إلى الخصائص «الوراثية» المشتركة بين هذه اللغات؛ كأن نقارن مثلًا بين العربية والحبشية والعبرية وقد كان فقه اللغة المقارن منهمكًا في مقارنة «التغيرات» التي طرأت على لغات من عائلة لغوية واحدة بغية الوصول إلى قوانين عامة لهذه التغيرات على نحو ما نعرف عن أعمال جريم Grimm.
ثم ظهر علم اللغة التقابلي Contrative linguistics ليقارن بين لغتين أو أكثر من عائلة لغوية واحدة أو عائلات لغوية مختلفة بهدف تيسير المشكلات «العملية» التي تنشأ عند التقاء هذه اللغات كالترجمة وتعليم اللغات الأجنبية.
ويفضل علم اللغة التطبيقي مصطلح التحليل التقابلي بدلًا من علم اللغة التقابلي؛ إذ المقصود هنا تحليل لغوي يجري على اللغة التي هي موضع التعليم واللغة الأولى للمتعلم.
تنبع فكرة التحليل التقابلي من مقولة تُقرِّر أن أي متعلم للغة أجنبية لا يبدأ – في الحقيقة – من فراغ، وإنما هو يبدأ تعلُّم هذه اللغة الأجنبية وهو يعرف «شيئًا» ما من هذه اللغة؛ هذا «الشيء» يشبه «شيئًا» ما في لغته، لذلك يجد هذا المتعلم بعض الظواهر «سهلًا» وبعضها الآخر «صعبًا»؛ فمن أين تأتي السهولة والصعوبة وهو في المرحلة الأولى من تعلم اللغة؟
صحيح أن المتعلم الناجح يفترض ابتداءً أن اللغة الأجنبية التي يتعلمها «تختلف» عن لغته، وأن عليه أن يبذل جهده لتعلم ذلك، لكنه – وهو يتعلم– يكتشف أن ثمة ظواهر «تشبه» أشياء في لغته.
وقد ظهر التحليل التقابلي حتى لا يترك لكل متعلم هذه المهمة؛ لأنه قد لا ينجح في «اكتشافه» كما أنه قد يتوهم «تشابهًا» غير حقيقي، كما هو الحال فيما يعرف «بالنظائر المخادعة» Faux-amis([1]). والتحليل التقابلي إذن يختص بالبحث في أوجه «التشابه» و«الاختلاف» بين اللغة الأولى للمتعلم واللغة الأجنبية التي يتعلمها.
ونود أن نلفت أولًا إلى أن «التشابه» بين لغتين لا يعني «سهولة» التعلم،
أو أن «الاختلاف» يعني «صعوبة» التعلم؛ ذلك أن الاختلاف والتشابه مسألة لغوية، أما السهولة والصعوبة فمسألة نفسية لغوية.
من الحقائق المقررة أن أوجُهًا مشتركة تجمع اللغات جميعها، وهي التي يسعى العلماء الآن إلى بحثها فيما يعرف –كما ذكرنا– «بالكليات اللغوية». على أنه من الحقائق المقررة أيضًا أن اللغات تختلف فيما بينها من حيث «البنية» على المستويات اللغوية جميعًا؛ إذ الاختلاف موجود في «الأصوات» وفي «الكلمة» وفي «الجملة» وفي «المعجم».
والتحليل التقابلي لا يقارن لغة بلغة، وإنما يقارن مستوى بمستوى، أونظامًا بنظام، أو فصيلة بفصيلة، ويجري التقابل على كل ما ذكرنا آنفًا؛ فالتقابل الصوتي مهم جدًّا في تعليم اللغة، وكذلك التقابل الصرفي، والنحوي، والمعجمي.
ومن المهم جدًّا أن يتم التقابل على نموذج واحد من الوصف اللغوي، وليس مهمًّا أن يكون هذا النموذج بنائيًّا، أو تحويليًّا، أو تقليديًّا، فكل من هذه النماذج لها مزاياها ولها عيوبها، وهذا يؤكد ما ذكرناه آنفًا من أن علم اللغة التطبيقي لا يرتبط بنظرية لغوية بذاتها، وإنما يأخذ ما يراه أكثر «نفعًا» في تعليم اللغة. ومع ذلك فإن هناك اتجاهًا يفضِّل استخدام المنهج التحويلي في التحليل التقابلي على وجه الخصوص؛ لأنه يعين على اختصار «الاختلافات» بإرجاعها إلى «بنية عميقة» متشابهة بين اللغتين، كما أنه يبرز قيمة «الكليات اللغوية» في تعليم اللغة.
ويهدف التحليل التقابلي إلى ثلاثة أهداف:
1- فحص أوجه الاختلاف والتشابه بين اللغات.
2- التنبؤ بالمشكلات التي تنشأ عند تعليم لغة أجنبية ومحاولة تفسير هذه المشكلات.
3- الإسهام في تطوير موادَّ دراسية لتعليم اللغة الأجنبية.
أما الهدف الأول فهو ما عرضنا له آنفًا، وأما الهدف الثاني فينهض على افتراض علميٍّ بأن «مشكلات» تعلم لغة أجنبية تتوافق مع حجم «الاختلاف» بين اللغة الأولى للمتعلم واللغة الأجنبية؛ إذ كلما كان الاختلاف كبيرًا كانت المشكلات كثيرة. وحين نضع أيدينا على طبيعة هذا الاختلاف يمكننا أن نتنبأ «بالمشكلات» التي ستنجم عند التطبيق العملي في عملية التعليم، ويمكننا أيضًا أن «نفسر» طبيعة هذه المشكلات. فالتقابل بين العربية والإنجليزية مثلًا يشير إلى وجود اختلافات بنائية كثيرة على المستويات اللغوية جميعها؛ فأصوات العين والحاء والخاء والغين مثلًا ليس لها مقابل في الإنجليزية، وبعض الصيغ الفعلية في العربية مثل صيغة (فاعَلَ) ليس لها نظير فيها كذلك، والنعت يسبق المنعوت في الإنجليزية ويتأخر عنه في العربية، واسم الموصول يمكن أن يأتي بعد اسم نكرة في الإنجليزية، ولا يجوز ذلك في العربية، وكلمة العم والخال لها مقابل إنجليزي واحد، وبعض ألفاظ القرابة ليس لها مقابل على الإطلاق. ومن هنا نتوقع أن يواجه متعلمٌ لغتُه الأولى الإنجليزية مشكلاتٍ عند تعلمه العربية في بعض هذه الظواهر؛ إذ من المتوقع جدًّا أن نجد جملة من مثل:
([2]) (*) رأيت طالبًا الذي نجح.
وأما الهدف الثالث فهو ثمرة طبيعية للهدفين السابقين؛ فإذا توصلنا إلى وصف تقابلي لأنظمة اللغتين، وحددنا ما نتوقعه من مشكلات في ضوء هذا الوصف، أمكننا أن «نطور» مواد دراسية تواجه هذه المشكلات ابتداءً. وقد كان فريز Fries يؤكد منذ أول الأمر أن أفضل المواد فاعلية في تعليم اللغة الأجنبية هي تلك المواد التي تستند إلى وصف علمي لهذه اللغة، مع وصف علمي مواز للغة الأم([3]).
ورغم ما يبديه بعض الباحثين من تحفظ على هذا المبدأ فإن التحليل التقابلي أثبت نفعًا حقيقيًّا في تطوير المواد الدراسية في تعليم اللغة الأجنبية، ولقد نزعم هنا أن التحليل التقابلي نافع أيضًا في تعليم اللغة لأبنائها؛ إذ ثبت لنا بالتجربة العملية أن كثيرًا من الظواهر اللغوية في العربية تكون أكثر وضوحًا حين تعرض على الدرس التقابلي، ومن هنا يصبح إدراكنا لطبيعة الظاهرة إدراكًا أكثر علمية من فهمنا لبعض الجوانب المشتركة في قدرة «التعلم» حين تتلقى هذه الظاهرة، ويثمر ذلك – بلا شك– رؤية أفضل نحو تطوير المواد الدراسية لتعليم اللغة الأولى.
تحليل الأخطاء:
وتحليل الأخطاء Error Analysis (EA) مصطلح آخر يستخدمه علم اللغة التطبيقي في تعليم اللغة، وهو الخطوة التالية للتحليل التقابلي، ولعله ثمرة من ثمراته، لكنه يختلف عنه وعن المقارنة الداخلية في أنهما يدرسان «اللغة»، أما هو فيدرس «لغة» المتعلم نفسه، لا نقصد لغته الأولى، وإنما نقصد لغته التي «ينتجها» وهو يتعلم.
والذي لا شكَّ فيه أننا جميعًا «نخطئ»، ونخطئ عند تعلمنا للغة وعند استعمالنا لها، ومن ثمَّ فإن درس «الخطأ» درس أصيل في حد ذاته.
ونود أن نشير في صدر هذا الحديث إلى مسألتين:
الأولى: أن أخطاء صاحب اللغة تختلف عن أخطاء الأجنبي؛ فالنوع الأول يحدث عادة لأسباب فيزيقية كالإرهاق أو المرض، وأسباب نفسية كالتوتر والشك، وهذه الأخطاء تدور في إطار زلات اللسان في الحذف والنقل والتكرار، وفي تغيير خطة الكلام بأن نبدأ تركيبًا ثم نعدل عنه إلى تركيب آخر، وهكذا ... وهو موضوع غني لدراسة الأداء اللغوي. أما النوع الثاني فهو ذو طبيعة مختلفة، ويرجع إلى عوامل في التعلم أو في نقص المعرفة بالنظام اللغوي الذي يتعلمه.
والمسألة الثانية: أن علم اللغة التطبيقي يهتم بتحليل الأخطاء عند تعلم اللغة الأجنبية نتيجة التحليل التقابلي، لكن ذلك لا يعني أننا لا نستطيع أن نجري تحليلًا لأخطاء تعليم اللغة الأولى؛ فالمفهوم العلمي للخطأ هو «انحراف الأطفال عن نمط قواعد اللغة كما يستعملها الكبار» وذلك في اللغة الأولى، و«انحراف متعلم اللغة الأجنبية عن نمط قواعد هذه اللغة». ونحن نلفت إلى ذلك لنؤكد أهمية تحليل الأخطاء عند متعلمي العربية من أبنائها إلى جانب تحليلها عند متعلميها من غير الناطقين بها. وسوف نعرض لذلك في موضعه إن شاء الله تعالى، لكننا نقصر حديثنا هنا على تحليل الأخطاء في تعلم اللغة الأجنبية لارتباط ذلك بما أسلفناه من التحليل التقابلي.
منهج تحليل الأخطاء:
يجري تحليل الأخطاء عادة على مراحل:
1- تحديد الأخطاء ووصفها.
2- تفسيرها.
3- تصويبها وعلاجها.
أولاً: تحديد الأخطاء ووصفها:
إن درس الأخطاء من حيث التحديد والوصف يتبع قواعد منهجية يحسن أن نعرضها على النحو الآتي:
1- إن الأخطاء يقع فيها أفراد، ونحن لا ندرس –مع ذلك– أخطاء الفرد؛ لأننا حين نضع مقررات تعليمية إنما نضعها لجماعات، والمفروض أن تكون هذه الجماعات متجانسة على معايير العمر، والمستوى، والمعرفة اللغوية، واللغة الأولى أحيانًا، ومن ثم فإننا ندرس الأخطاء التي تصدر عن جماعات متجانسة أيضًا؛ أي الأخطاء التي لها صفة من «الشيوع» في هذه الجماعات.
2- إن السمة الأولى للغة أنها «نظام»، ونحن حين ندرس لغة المتعلمين إنما ندرس «نظامًا» أيضًا؛ أي إن الوصف اللغوي للأخطاء لا بد أن يكون منصبًّا على طبيعتها «النظامية»؛ فالأخطاء التي تتصف بذلك هي التي تكون مجالًا للدرس، وقد أثبتت التجربة أن المتعلم قد ينتج جملًا مقبولة وملائمة «بالصدفة»، والصدفة لا تمثل نظامًا، ومعنى ذلك أن الخطأ والصواب ليس في الشيء ذاته، وإنما هو دليل على «نظام» صحيح أو نظام خاطئ.
3- يكاد يكون هناك اتفاق على أن الأخطاء نوعان؛ أخطاء قدرة Competence، وأخطاء أداء Performance، ووصف أخطاء القدرة مهم جدًّا خاصة في تعليم اللغة الأولى، لكن معظم الجهد يتوجه إلى أخطاء الأداء، والأداء – كما ذكرنا – ضربان؛ أداء إنتاجي، وآخر استقبالي. والحق أن الأداء الاستقبالي له أخطاؤه، لكنها أخطاء يصعب تحديدها والإمساك بها للأسف الشديد؛ لأن المتعلم للغة الأجنبية قد يتلقى كلامًا ما فتكون استجابته إيماء أو حركة معينة، وقد يأوي إلى الصمت، وليس من السهل أن نعرف أكان استقباله صحيحًا أم خاطئًا إلَّا إذا أنتج كلامًا؛ وحين نتمكن من معرفة طبيعة أخطاء الأداء الاستقبالي فإن ذلك سيفيد إفادة حقه في الكشف عن طبيعة التلقي اللغوي عند الإنسان. لذلك كله يتركز تحليل الأخطاء على الأداء الإنتاجي أو الأداء التعبيري Expressive كما يسميه بعضهم([4]).
وحيث إن اللغة اتصال فإن أخطاء الأداء الإنتاجي يجب أن تُستخلص من مواد في إطار اتصالي، ويجب أن نتنبه إلى أن السلوك اللغوي داخل قاعة الدرس ليس كله سلوكًا اتصاليًّا؛ ومن ثم لا يصح أن يكون مادة لدرس الأخطاء، وذلك كالتدريبات التي تتصف في كثير من الأحيان بالآلية، وإذن لا بد من مادة لغوية ينتجها المتعلم «تلقائيًّا» كالتعبير الحر، والمقال، والقصص، والحوار الشفوي الحر، وإن كان ذلك لا يعني استبعاد تصميم نماذج لاستخلاص الأخطاء.
4- يجري وصف الأخطاء على كل مستويات الأداء؛ في الكتابة، والأصوات، والصرف، والنحو، والدلالة. وبدهي أن وصف الخطأ يتم في إطار «نظام» اللغة، بمعنى أن خطأً ما إنما يدل على خللٍ ما في قاعدة من قواعد النظام، فالأخطاء الكتابية مثلًا ليست مجرد خطأ في حرف من حروف الهجاء، لكنها قد تكون دليلًا قويًّا على فقدان قاعدة في نظام اللغة؛ فالأجنبي الذي يتعلم الإنجليزية مثلًا يخطئ حين يكتب «Skrew» فيضع حرف K مكان حرف C، وهذا خطأ يدل على فقدان قاعدة ما، ذلك أن نظام تجمُّع الصوامت في الإنجليزية حين يكون في أول الكلمة يشترط القاعدة الآتية:

P
t
c
# S+ +R+V
أي إن الـ S لا يمكن أن يليها إلَّا واحد من هذه الأصوات الثلاثة، وبعدها R وبعدها صائت.
كذلك في العربية؛ حين يخطئ متعلم فيكتب كلمة «كتابة»، مصدر «كتب» – بهاء «كتابه» إنما يخطئ في قاعدة من قواعد النظام اللغوي؛ لأنه لا يفرق بين التاء «المربوطة» الدالة على التأنيث، والهاء التي هي ضمير([5]). والمتعلم الأجنبي الذي يقول: اشتريت ثلاثة خبز([6])، بدل أن يقول: ثلاثة أرغفة، إنما يخطئ في قاعدة من قواعد النظام اللغوي التي تفرق بين ما يستخدم معدودًا وما يستخدم غير معدود.
5- لقد جرت دراسات كثيرة في تحليل الأخطاء، وانتهت إلى أن الأخطاء تكاد تنحصر في أنواع؛ حذف عنصر، أو زيادة عنصر، أو اختيار عنصر غير صحيح، أو ترتيب العناصر ترتيبًا غير صحيح. لذلك فإن وصف الأخطاء يتجه في الأغلب إلى هذا التصنيف.
ثانيًا: تفسير الأخطاء:
وتفسير الأخطاء يأتي –منطقيًّا– بعد تحديدها ووصفها، والوصول إلى تفسير صحيح يعين بلا شك على الإفادة من هذا التحليل.
ليس هناك كلمة جامعة على معايير التفسير؛ إذ كلها موضع نقاش وجدل؛ لأن البرهنة على صوابها ليست أمرًا سهلًا.
ولعلنا نبدأ أولًا بما هو قريب المنال، وهو المعيار الذي يفسر الخطأ في ضوء «التعليم» ؛ فالمتعلم يتلقى ما يتعلمه من اللغة من «عينات» معيَّنة مختارة من هذه اللغة، وقد تنجم هذه الأخطاء بسبب «طبيعة» هذه العينات، وتصنيفها، وطريقة تقديمها. (ولعل هذا من الأسباب الملحوظة في أخطاء تعليم العربية لأبنائها). ثم إن تعليم اللغة لا يحدث دفعة واحدة، وإنما يجري على فترات زمنية، وهذا أمر لا مناص منه، فتنشأ الأخطاء نتيجة «المعرفة الجزئية» باللغة، واللغة كما نعرف نظام داخلي مستقل مكتف بذاته، أي إن أجزاءه كلها مرتبطة ارتباطًا داخليًّا، أو إنها «نظام من أنظمة»، ومعنى ذلك أن «أي» شيء لا يمكن أن نتعلمه «كاملًا» إلَّا بعد أن نكون قد تعلمنا «كل» شيء «كاملًا».
هذا هو المعيار الذي قد لا نختلف عليه، والذي يمكن معالجة أسبابه بوسائل مختلفة.
أما المعيار الثاني فهو «القدرة المعرفية» Cognitive عند المتعلم؛ إذ إن كلَّا منا يتبع «استراتيجية» معينة في التعلم؛ في هذه الاستراتيجية ما هو «كلي» مشترك بين البشر، ومنها ما هو «خاص» بكل متعلم. أما الكلي فقد دارت عليه دراسات نافعة لكنها لا تزال جزئية، وأما «الخاص» فليس من السهل الوصول إليه، هذا إلى أن ما يجري في «أعماق» المتعلم من «عمليات» لا يزال العلم يطمح إلى الكشف عنه يومًا ما.
وأما المعيار الثالث فهو موضع نقاش واسع، وهو الذي يتمسك به الباحثون –في الوقت نفسه– لأنه يجعل دائرة التحليل أكثر تناسقًا فضلًا عن أنه يمدنا ببعض النتائج الملموسة. هذا المعيار هو الذي يعرف «بالتدخل» Interference، وتدور فكرته على المبدأ الآتي:
إننا نتعلم مهارة جديدة على أساس مهارة موجودة تعلمناها قبلًا.
ومعنى ذلك أنه لا بد أن يحدث تَدَخُّلٌ ما بين المهارتين عند التعلم، وهذا التدخل يكون نتيجة «النقل» Transfer، والنقل قد يكون «أماميًّا» بأن تؤثر المهارة الموجودة على المهارة الجديدة، وقد يكون العكس، وهو ما يُسمَّى «ارتجاعيًّا»([7]) وكل منهما قد يكون «إيجابيًّا» أو «سلبيًّا». أما «الإيجابي» فهو «تيسير» تعلم مهارة جديدة بسبب «التشابهات» بين المهارتين، وأما «السلبي» فهو «إعاقة» تعلم مهارة جديدة بسبب «الاختلاف» بين المهارتين.
وإذا طبقنا هذا المبدأ العام عن «المهارات» على تعلم اللغة قلنا: إن كل متعلم يميل ميلًا طبيعيًّا إلى أن ينقل «بنية» لغته الأولى إلى اللغة الأجنبية التي يتعلمها، ومن هنا تنشأ المقولة النظرية الآتية:
«إننا نستطيع أن نتنبأ بمشكلات تعلم اللغة الأجنبية على أساس أوجه الاختلاف بينها وبين اللغة الأم. ونستطيع أن نفسر هذه المشكلات على أساس أوجه الاختلاف هذه».
ومن الواضح أن هذه المقولة تستند إلى الافتراض الآتي:
«إن فرصة حدوث مشكلات في تعلم اللغة الأجنبية تزيد نسبيًّا مع الاختلاف اللغوي بينها وبين اللغة الأم، وتقل هذه الفرصة بقلة هذا الاختلاف أو غيابه».
وحدوث المشكلات هو ما يعرف «بالتدخل»، وعدم حدوثها يعرف «بالتيسير». وقد أشرنا من قبل إلى بعض المشكلات التي يواجهها الإنجليزي عند تعلم العربية نتيجة «تدخل» لغته الأم.
على أن مبدأ «التدخل» نتيجة الاختلاف والتشابه بين اللغتين يتعرض لكثير من النقد؛ ذلك أن التحليل التقابلي – وهو الذي يتكفل بالوصول إلى الاختلاف والتشابه – يتنبأ بمشكلات لا تحدث على الإطلاق، ثم إن هناك مشكلات تحدث فعلًا ولا يتنبأ بها أصلًا.
ثم إن الاختلافات بين اللغتين لا تؤدي آليًّا إلى مشكلات في تعلم اللغة الأجنبية، بل إنها قد تقلل هذه المشكلات، وقد لوحظ أن «التدخل» بين اللغات المتقاربة أقوى منه بين اللغات غير المتقاربة، وهناك أمثلة كثيرة لهذا التدخل على مستويات الصوت والكلمة والجملة والمعجم تم رصدها بين اللغات الأوروبية المتقاربة كالإنجليزية والألمانية مثلًا، منها الأمثلة الخاصة بالنظائر المخادعة التي أشرنا إليها آنفًا، وهي لا توجد عادة بين اللغات المتباعدة، وكثير من هذه المشكلات لم تُرصد مثلًا بين متعلمي الإنجليزية من أبناء العربية.
ومع ذلك فإن مبدأ «التدخل» لا يزال معيارًا صالحًا لتفسير كثير من الأخطاء إلى أن يكون في أيدينا معرفة واضحة عن عمليات التعلم الداخلية التي يجريها المتعلمون عند تلقيهم اللغة.
ثالثًا: تصويب الأخطاء:
من الواضح أن كل شيء في علم اللغة التطبيقي يُدْرَس للإسهام في حل مشكلة عملية، وعلى ذلك فإن الأخطاء لا تدرس لذاتها، صحيح أنها تفيد إفادة محققة في الكشف عن طبيعة التعلم، لكن ما يهمنا هنا هو كيف نواجه الأخطاء، وكيف نتلافاها؟
ومن الواضح أيضًا أن تصويب الأخطاء لا يتم إلَّا بعد معرفة أسبابها، وليس من اليسير –كما عرَفت– الوصول إلى هذه الأسباب بدرجة تقرب
من اليقين؛ لأنها قد ترجع إلى «الاستراتيجية» الداخلية التي يتبعها المتعلم،
وقد ترجع إلى طبيعة المادة اللغوية التي تقدَّم له، وقد ترجع إلى تدخل اللغة الأم.
وما نود أن نلفت إليه أن تصويب الأخطاء لا يتم بأن نعيد تقديم المادة مرة أخرى، كما هو حادث مثلًا فيما يعرف «بدروس التقوية» في المدارس العربية، وإنما يكون بمعرفة مصدر الخطأ، ثم تقديم المادة الملائمة.
ومهما يكن من أمر فإن تحليل الأخطاء له فوائد نظرية وأخرى عملية؛ فعلى الجانب النظري يَختبر تحليل الأخطاء –وهو مسألة تطبيقية– نظرية علم اللغة النفسي في تأثير «النقل» من اللغة الأم، فيثبت صحتها أو خطأها، وهو يعد عنصرًا مهمًّا في دراسة «تعلم» اللغة، ثم إن تحليل الأخطاء يقدم إسهامًا طيبًا عن الخصائص الكلية المشتركة في تعلم اللغة الأجنبية، وهو يكشف –لا شكَّ– عن كثير من «الكليات» اللغوية.
وعلى الجانب العملي يعد تحليل الأخطاء عملًا مهمًّا جدًّا للمدرس، وهو عمل متواصل، يساعده على تغيير طريقته أو تطويع المادة، أو تعديل المحيط الذي يدرس فيه. لكن أهميته الكبرى تكمن على المستوى الأعلى في التخطيط للمقررات الدراسية، والمقررات «العلاجية»، و«إعادة» التعليم، و«تدريب» المعلمين في أثناء العمل.
* * *



([1]) النظائر المخادعة تعبير فرنسي أصبح مصطلحًا مقبولًا في هذا المجال، يدل على وجود كلمات تبدو «متشابهة» بين لغتين، لكنها في الحقيقة «مختلفة» في الاستعمال وتؤدي إلى أخطاء، ويحدث هذا في اللغات المتقاربة، من أمثلة ذلك الجمل الآتية لطلاب ألمان يدرسون الإنجليزية
أو الفرنسية.
1- He turned the last side.
يقصد Page لأن الألمانية تستخدم كلمة Site.
2- Did you buy this in a warehouse.
يقصد department store لأن الألمانية تستخدم Warenhaus.
3- He was astonished to find the following notice.
يقصد note لأن الألمانية تستخدم Notiz.
4-Mon pere est academecien.
يقصد fait des etudes universitaires لأن الألمانية تستخدم Akademiker.

(*) هذه النجمة رمز للجملة غير المقبولة نحويًّا.

([3]) Fries, C., Teaching and learning English as a foreign language, Ann Arbor Mich 1945,p.9.

([4]) Corder, Introducing… P.261.

([5]) هذا الخطأ شائع بين العرب شيوعًا واضحًا.

([6]) وجدنا تركيبًا قريبًا من ذلك مستخدمًا في بعض اللهجات السعودية، وكذلك عند اللبنانيين، يقولون: «خبزات» جمع خبزة.

([7]) من أمثلة ذلك تأثير كثير من العرب في كتاباتهم بتراكيب من اللغات الأوروبية التي تعلموها، أومما انتشر في وسائل الإعلام من أثر الترجمة. كذلك نلحظ تأثرًا في العامية العربية في الجزيرة العربية بلغات العمال الوافدية من شرق آسيا.