تعليم العربية لأبنائها

كان الهدف مما عرضنا له في الفصول السابقة أن نقدم الإطار العام لعلم اللغة التطبيقي، وقد اتضح من هذا العرض –فيما نطمع– أن تعليم اللغة «علم» له حدوده، وله مصادره، وله أساليبه الفنية، وأن الأمم التي تهتم بتعليم لغتها لأبنائها ولغيرهم لا تألو جهدًا في السعي إلى تطوير أنظمة هذا التعليم وتحسينه؛ فرأينا بحوثًا تجري في غير ميدان؛ عن الوصف اللغوي، وعن السلوك اللغوي عند الفرد، وعن الاتصال اللغوي في المجتمع الكلامي، وعن المقارنة الداخلية، والتحليل التقابلي، وتحليل الأخطاء، واختيار المحتوى وتنظيمه، وأشرنا إلى بحوث أخرى كثيرة لم نعرض لها وبخاصة عن إجراءات التعليم. خلاصة الأمر في ذلك كله أن تعليم اللغة عند هذه الأمم ميدان مفعم بالحيوية والنشاط، وهو لا يتوقف عند حد، إنما هو يتقدم كل يوم خطوة إلى أمام؛ لأنه ينظر فيما بين يديه؛ يراجعه، ويختبره، ويفيد من أي جهد يتصل بموضوعه بسبب، وهو في كل ذلك لا يبتعد لحظة عن أصول العلم.
فأين نحن من ذلك؟ وأين تعليم العربية مما تقدمه هذه الأمم في تعليم لغاتها؟
والموضوع كما ترى هو الهدف النهائي من هذا الكتاب، ونعرض –في هذا الفصل– لتعليم العربية لأبنائها؛ أي باعتبارها لغة أولى، وهو الواجب الأهم لا جدال.


العربية:
ماذا نقصد بالعربية؟
قد يبدو هذا سؤالًا غريبًا حقًّا! نعم هو سؤال غريب لكننا مضطرون إلى إيراده؛ لأن كثيرين أثاروا في السنوات الأخيرة لغطًا كثيرًا حول العربية، وقد صدروا أول الأمر عن علم اللغة البنائي الذي ركز اهتمامه على درس اللغة في صورتها «المنطوقة»، فقالوا: إن العربية ليست لغة اتصال منطوق بين الناس في حياتهم اليومية، إنما هي لغة خاصة، «مكتوبة» في الأغلب، لا يستطيع استعمالها أحد إلَّا بعد جهد جهيد، ومن هنا رأينا معظم المبتعثين إلى الغرب لدراسة علم اللغة منذ أواخر الأربعينيات إلى الآن يُوجَّهون إلى درس اللهجات العامية في أقطار عربية مختلفة؛ باعتبار أن هذه اللهجات هي اللغة «الحية» التي تستعمل في التواصل الطبيعي في المجتمعات الكلامية.
وكثر الكلام منذ ذلك الوقت عن «الازدواجية» اللغوية التي يعاني منها العرب؛ فهم يعيشون بلغة أو بلغات، ويُطلب منهم أن يتعلموا وأن يكتبوا بلغة أخرى. وقد وجد هذا الكلام مناخًا ممهدًا لأسباب كثيرة أهمها حالة تعليم العربية في العقود الثلاثة الأخيرة، وبدأ الاقتناع بهذا الزعم يقوى عند كثيرين إلى الحد الذي يتصورون أن الازدواجية مرض «ميئوسٌ» البرءُ منه، وأنها سبب مباشر في «تخلف» العرب وفي انتشار «الأمية» بينهم، حتى إن ندوة عقدت لبحث قضية «التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي والوحدة العربية»؛ أي إن مقصدها البحث في العربية باعتبارها أهم خصائص التوحيد بين العرب، تردد فيها كلام كالذي قاله عبد الله العروي من أن العربية الفصيحة المعروفة خطر على الوجود العربي؛ فقال:
«إن حل مشكلة التعريب في الخيار التالي: إما أن نعتبر اللسان الحالي الضامن الوحيد لخصوصية العرب فيجب أن نحافظ عليه مهما كان الثمن، والثمن هو الازدواجية من جهة، والأمية من جهة ثانية، وإما أن ندرك أن خصوصية العرب تكمن في نوعية تحركهم في العالم المعاصر، وأن اللسان في صورته الحالية لا يمثل سوى مرحلة من مراحل مسيرة لغوية لا نهاية لها، فيجوز لنا أن ندخل عليه إصلاحات في الحرف والصرف والنحو والمعجم قد يتحول معها إلى لسان يختلف عن اللسان الحالي اختلاف هذا الأخير عن لغة الشعر الجاهلي».
«بهذه الطريقة نقضي تدريجيًّا على الازدواجية، ونفند عمليًّا الاعتراضات المغرضة وغير المغرضة، على التعريب، ونبدع وسيلة للتفاهم سهلة طيعة قادرة على ترويج ثقافة جماهيرية عصرية، أي حاملة في كنهها الإصلاح الضروري المتواصل»([1]).
ثم أخذ الموضوع بعدًا آخر حين ظهرت أفكار تشومسكي عن «اللغات الطبيعية»، خاصة في تأكيده أن اللغة لا تكون «طبيعية» إلَّا إذا جسدها «المتكلم المستمع المثالي في مجتمع متجانس»([2])؛ أي إنها تصدر عن «القدرة الفطرية» عند صاحب اللغة. ومرة أخرى قال كثيرون: إن العربية الفصيحة ليست لغة «طبيعية»؛ إذ لا ينطبق عليها هذا التحديد. ونادى الفهري بفكرة أخرى قد تكون جديدة حتى على المصطلح المعاصر، وهي –إن بدت حلًّا وسطًا– قد تفضي إلى الغاية نفسها. يقول:
«درج اللسانيون على تصنيف اللغات إلى لغات أُوَل ولغات ثوان، على اعتبار أنَّ اللغة الأولى تُكتسب بدون تلقين، وهي اللغة «الأم» أي اللغة التي يلتقطها الطفل في محيطه الأقرب، وهو محيط الأم، دون أن يحتاج في ذلك إلى التمدرس أو إلى توجيهات معلِّم ملقِّن، وعلى اعتبار أن اللغة الثانية تعتمد أساسًا على التلقين. فأين وضع اللغة العربية في هذا التصنيف؟ طبعًا لا نحتاج إلى كبير عناء لنبين أن اللغة العربية ليست لغة أولى. فالطفل العربي لا يخرج إلى محيطه ليلتقط لغة فصيحة متداولة في الأفواه، بنفس الكيفية التي يخرج بها الطفل الفرنسي إلى محيطه ليتعلم الفرنسية، أو الإنجليزي ليكتسب الإنجليزية (؟)... إذن فالعربية الفصيحة ليست لغة أولى في محدداتها النفسية والإدراكية والذاكرية... إلخ. إلَّا أن الطفل العربي لا يتعلم العربية الفصحى بنفس المعنى الذي يتعلم به لغة أجنبية ثانية كالفرنسية والإسبانية والإنجليزية، بل إن المَلَكة التي يكونها الطفل العربي في عاميته كثيرًا ما تمثِّل جزءًا مهمًّا من المَلَكة التي سيكونها في الفصيحة. ولذلك كانت الفصيحة لغة بين الأولى والثانية في منظورنا»([3]).
عند حديثنا عن علم اللغة الاجتماعي أشرنا إلى أن أية لغة لا يمكن أن تكون «نمطًا» واحدًا، وإنما هي تنتظم «متنوعات» متعددة؛ منها اللهجة الإقليمية، واللهجة الاجتماعية، واللهجات الخاصة، ومنها المستوى الفصيح على درجات متعددة أيضًا. ولا يتحدث الناس عن «الازدواجية» إلَّا إذا كانت الفروق اللغوية في «النوع» لا في «الدرجة» ولا نعرف حتى اليوم لغة من اللغات التي يشير إليها هؤلاء إلَّا وفيها هذا التنوع، ولا يتعامل الناس في الأسواق ويلقون محاضراتهم في الجامعة بنمط لغوي واحد، وإنما لهذا نمط ولذلك نمط. وأنت واجد من الفروق اللهجية في بريطانيا وألمانيا وفرنسا ما تجده في أي قطر عربي، ولا حديث عن الازدواجية هناك. وأذكر أن الطبيب غير الإنجليزي إذا أراد أن يعمل في بريطانيا لابد أن يدرس مقررًا لغويًّا عماده «لهجة» الطبقات الدنيا من المجتمع وبخاصة الطبقة العاملة غير الفنية؛ لأن الطبيب يجب أن يفهم شكوى مريضه الذي سيعبر عنها بلهجته «الطبيعية» ولا يسعفه المرض أن يضعها في النمط الفصيح العام.
هذه سنة من سنن الله تعالى في ألسنة الناس. وكذلك العربية؛ لها نمطها الفصيح، ولها «لهجاتها» العربية المتنوعة. وهذا النمط الفصيح لغة «طبيعية» كأية لغة طبيعية، وأنت إذا طبقت مبدأ تشومسكي عن «المتكلم المستمع المثالي في مجتمع متجانس» فإنك واجده كذلك في العربية الفصيحة، واذهب إلى المسجد يوم الجمعة ترى الخطيب يخطب بالفصحى، وترى عددا غير قليل من المصلين هم من الأميين الذين لا يعرفون قراءة ولا كتابة، ومع ذلك يتلقون الخطبة الفصيحة فلا يحتاجون إلى «مترجم» يترجمها إلى لهجتهم «الطبيعية»، بل إنهم يتلقونها تلقيًّا «طبيعيًّا» ويستجيبون لها استجابة «طبيعية»، وسوف تجد معظم الذين يسألون «الإمام» عن «جزيئيات» خطبته أو درسه إنما هم من هؤلاء الأميين، ولا يسأل في «الجزء» إلَّا من عَرف الكل واستجاب له، فالمحددات النفسية إذن موجودة، وكذلك المحددات الإدراكية والذاكرية.
ما كان لنا أن نعرض لكل هذا لولا أن دعوى الازدواجية تجد لها صدى في غير مكان، وهي مهرب مريح يبرر فشلنا الحالي في تعليم العربية، وهي ترضي غرور أولئك الذين يتصدون للقضايا العامة ولا يحسنون الأداء الإنتاجي بالعربية الفصحى؛ لأنهم لم يتعلموها كما ينبغي أن يكون التعليم.
العربية التي نقصدها إذن هي العربية الفصيحة التي عرفناها منذ الأدب الجاهلي، وهي كذلك العربية الفصيحة التي نستعملها الآن في وسائل الإعلام وفي الفنون الأدبية على امتداد العالم العربي.
وهذه العربية الفصيحة – كما قلنا – لغة طبيعية كغيرها من اللغات الطبيعية، يتواصل بها أصحابها بعد الاكتساب والتعلم بقدرة «فطرية» لكنها مع ذلك تُعد حالة خاصة –فيما نزعم– تختلف عن اللغات الأخرى، وبخاصة تلك اللغات المنتشرة المشهورة كالإنجليزية والفرنسية والألمانية. وهذا الاختلاف يتجسد في ثلاثة جوانب:
أولها: أن العربية لها امتداد تاريخي ليس لهذه اللغات؛ بمعنى أنها استمرت منذ الأدب الجاهلي حتى الآن دون أن تتعرض لتغير «نوعي» كاللغات الأخرى، ولا يجد العربي المعاصر عناء في الاستجابة لأدب العرب القدماء بَلْهَ أقوالهم وأمثالهم. ولا شك أن هذا الامتداد التاريخي لا يمكن إغفاله ونحن نعرض لقضية تعليم العربية في العصر الحاضر.
ثانيها: أن هذه اللغة – شاء الناس أم أبوا – ترتبط ارتباطًا عضويًّا بالإسلام، يبدأ هذا الارتباط بالقرآن الكريم ثم يمتد في الحديث الشريف، والتفسير، والفقه، والتاريخ وغير ذلك من جوانب الحياة الإسلامية؛ فالإسلام يكوِّن «النواة» الثقافية للعربية الفصيحة، ونحن حين نطلق مصطلح «العربية الفصيحة» إنما نطلقها بهذا المعنى، وهذا من أهم الجوانب التي لا بد من حسابها عند النظر في تعليمها.
وثالثها: أن هذه العربية الفصيحة لها تراث هائل في الدرس اللغوي لا نعرف له مثيلًا أيضًا في اللغات الأخرى، فمنذ القرن الثاني الهجري والعلماء يتلاحقون واحدًا في إثر واحد، يدرسون جانبًا من العربية؛ في الأصوات، وفي الصرف، وفي النحو، وفي المعجم، فتكوَّن لدينا هذا التراث الضخم في وصف العربية. وبدلًا من أن نتأسَّى بالقدماء، ونستثمر ما قدموه، ونتقدم به إلى أمام، إذا بنا نحوّله إلى عبء له بعض آثار السلب على تعليم العربية، ونحن
نزعم أيضًا أن هذا التراث اللغوي لا غنى لنا عنه باعتباره عنصرًا ضروريًّا
من عناصر تعليم العربية في العصر الحاضر على ما سنفصل القول فيه في موضعه.
تعليم العربية في الوقت الحاضر:
يبدأ تعليم العربية لأبنائها؛ أي باعتبارها لغة أولى، من بداية التعليم الابتدائي، ويستمر إجباريًّا في مراحل التعليم العام كلها، لكن نوع التعليم وحجمه والوقت المخصص له يختلف من بلد عربي لآخر؛ ففي بعض البلاد تحتل مادة اللغة العربية حيِّزًا كبيرًا في مقررات الدراسة، وفي بلاد أخرى لا تحظى إلَّا بقدر أقل؛ في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي مثلًا نجد مادة اللغة العربية متشعبة في فروع مستقلة في التعليم العام؛ فهناك مقرر مستقل للقراءة، وآخر للنحو، وثالث للأدب، ورابع للتعبير... وهكذا. وفي مصر وبلاد أخرى كثيرة تجد مادة اللغة العربية مقررًا واحدًا شاملًا في المرحلة الأساسية التي تشمل التعليم الابتدائي والمتوسط، ويترتب على ذلك اختلاف في عدد ساعات المقرر، وحجم المادة التي يتلقاها التلاميذ.
أما التعليم الجامعي –وهو لا يهمنا هنا كثيرًا– فهو على الحال نفسها، تُدرس اللغة العربية مادة إجبارية في جميع الكليات في المملكة السعودية، ولا تدرس في مصر إلَّا في الأقسام المتخصصة في اللغات، وقد أُلغي تدريسها
– مثلًا – في أقسام التاريخ والجغرافيا وعلم النفس والاجتماع والفلسفة في كليات الآداب (؟!) ولا تدرس ابتداءً في كليات الطب والهندسة والصيدلة وما شابهها.
ونود أن نشير أيضًا إلى أن المدارس في العالم العربي بينها اختلافات غير منكورة؛ فهناك مدراس حكومية – على اختلاف أنواعها – وهناك مدارس عربية خاصة، وأخرى أنشأتها إرساليات دينية غير إسلامية. ونحن لا ننكر أن العالم العربي يدرك أهمية تعليم العربية وخطورته، لكننا لا نستطيع أيضًا أن نتغافل عن الحقيقة الموضوعية الماثلة؛ وهي أن تعليم اللغة العربية لأبنائها ليس في وضع ملائم، بل هو في حالة حرجة حقًّا، بحيث أصبح يمثل «مشكلة» موضوعية لا مجال لإنكارها، ويجب بحثها ومواجهتها. ففي الثلاثين سنة الأخيرة شهد تعليم العربية انحدارًا ملحوظًا. وأصبح مألوفًا جدًّا أن المتخرج في الجامعة لا يحسن التكلم بالعربية، ولا يحسن كتابة صفحة بالعربية الفصحى الصحيحة. ثم تغلغل هذا الإلف في نفوسنا حتى صار أمرًا طبيعيًّا لا ندرك أخطاره، وانسحب هذا على النظرة الاجتماعية حين لا تكون صحة اللغة مقياسًا لعلم أو لفكر، وإنما صارت دليلًا على تخصص «ضيق» يعيش في غير عصره. وحين ينتهي الطلاب من الدراسة الثانوية يتنفسون الصعداء؛ لأنهم تخلصوا من مقررات اللغة العربية إلى الأبد. ويعزف الطلاب عن الالتحاق بأقسام اللغة العربية في الجامعات فلا يدخلها في الأغلب إلا المضطرون. وترصد بعض الدول منحًا تشجيعية لمن يدرس العربية ولا تستطيع الجامعات أن تعالج القضية؛ لأن تدريس اللغة العربية فيها ليس بأفضل حالًا مما هو في التعليم العام لأسباب كثيرة، وتكون النتيجة مستوى متدنيًّا عند المتخرجين في أقسام اللغة العربية، وهؤلاء يُعيَّنون لتعليم العربية في التعليم العام، وهكذا تكتمل الدائرة المغلقة؛ يصبح السبب نتيجة، والنتيجة سببًا، والضعف لا يلد إلا ضعفًا، ذلك فيما نظنه حق، وما ينبغي لنا أن نستحيي من الحق أو أن نماري فيه.
ولسنا هنا بحيث نعرض لأسباب هذه الحالة؛ فقد عقدت مؤتمرات وندوات كثيرة عن ذلك انتهت إلى رصد أسباب؛ بعضها محدد، وبعضها عام، لكن الأمر ينتهي عند عقد المؤتمرات والندوات، وكأنها غاية في ذاتها، دون عمل ملموس. وأنت إذا قارنت ما نحن فيه بما قرأته عما يبذله الآخرون في تعليم لغاتهم فإنك لا تتردد من الجهر بأن حالة تعليم العربية عندنا يرجع في أساسه إلى سبب جوهري لا تنفع معه معالجة الأسباب الفرعية؛ ألا إنه غياب المنهج العلمي.
1- تخطيط تعليم العربية:
حاولنا أن نحصل على شيء محدد عن خطط تعليم العربية فلم نتوصل إلى شيء علمي ملموس يمكنك أن تعرف بدايته من نهايته، ولم نجد إلَّا كلامًا عامًّا عن اللغة القومية وأهميتها في بناء الأمة. وليس هناك بناء هرمي للتخطيط لتعليم العربية؛ يبدأ من الخطة الأولى على مستوى القرارات العليا، ثم الخطة الثانية على المستوى الإداري والفني، ثم الخطة الثالثة على المستوى التنفيذي كما عرضنا له عند كوردر Corder فيما سبق. ولعل الخطة الأكثر وضوحًا هي الخطة العليا في بلاد المغرب العربي في تعريب الأنظمة وما يقتضيه من تخطيط لتعليم العربية. لكن الأمر يقتضي –حين يتعلق بخطة– أن تكون لدينا خطوات واضحة محددة يمكن تنفيذها ومتابعتها ومراجعتها واختبارها ولسوف تجد في مديريات التعليم في العالم العربي أوراقًا كثيرة عن خطة اللغة العربية، لكنها في الأغلب تشتمل على مفردات المقررات الدراسية والساعات المخصصة لها، ولا شك أن عدم وجود جهاز لتخطيط تعليم العربية لهو شاهد على غياب المنهج العلمي.

2- تحديد الغايات والأهداف:
لعلك تذكر أن أي مقرر تعليمي لا يمكن اختيار محتواه، ولا تنظيمه، إلَّا وفق أهداف واضحة كل الوضوح، ولعلك تذكر أيضًا أن هناك أهدافًا عامة لأي تعليم، نفضل أن نصطلح عليها بالغايات، وأهدافًا أخرى محددة تحديدًا قويًّا، وهي تلك الأهداف التي تتصل بكل مقرر تعليمي، فتحدد السلوك المستهدف من تعليم كل جزء فيه. ولقد اطلعنا على كثير مما هو موفور في الإدارات التعليمية فلم نجد أولًا تمييزًا بين الغايات والأهداف، ووجدنا ثانيًا صفة العمومية فيما هو مرصود بحيث يصعب عليك أن تضع معايير لاختبار التنفيذ في ضوء الأهداف، ووجدنا ثالثًا الأهداف الخاصة المحددة تصدر في أغلب الأمر عن منظور تربوي نفسي بحت، ولم نجد أثرًا لعلم اللغة، وعلم اللغة النفسي، وعلم اللغة الاجتماعي في تحديد الأهداف وصياغتها. وذلك شاهد أيضًا على غياب المنهج العلمي الذي يقتضي التكامل لا الانعزال.
3- البحوث العلمية عن تعليم العربية:
تشكو البلاد المتقدمة من أمرين؛ الفاصل بين البحث والمواد التعليمية المتاحة، والفجوة بين هذه المواد والممارسة الفعلية في قاعات الدرس([4]). ففي هذه البلاد بحوث لا تتوقف عن اللغة، وبحوث لا تتوقف عن إنتاج «مواد» لتعليم اللغة. والأمر عندنا أكثر تفاقمًا؛ فالبحوث اللغوية عن العربية، وهي التي تجري في الأغلب في الجامعات، لا تسير وفق تصور علمي متكامل، وإنما تذهب بَدَدًا في أودية متباعدة وفق مناهج متباينة أشد التباين، وإذا كنت من أهل الاختصاص فإنك تعجز عن معرفة ما يجري في بلدك من بحوث لغوية، بله ما يحدث في العالم العربي؛ إذ لا توجد حتى الآن أجهزة توفر للناس معلومات موثقة عن البحوث العربية. والأمر كذلك فيما يتصل بالمواد التعليمية. وابحث أنت في أي مكان في الوطن العربي عن أنظمة تمدك بمواد تعليمية في اللغة العربية لا تكون فقط مما هو مطبوع في كتب المقررات، وإنما تمثل رصيدًا يستثمره المهتمون في اختيار مقرراتهم، فلن تصل إلى شيء. ونتيجة ذلك طبيعية؛ أن تأتي المادة اللغوية وفقًا لمن يختارها، ووفقًا للحظة الاختيار، والصدفة كما تعرف أبعد الأشياء عن المنهج العلمي.
وخلاصة القول: أنه من المستحيل أن ننهض بتعليم العربية إلَّا بوجود «منهج علمي» يفرض وجود تخطيط حقيقي، ويفرض تكاملًا بين البحث والمادة، وبين المادة والممارسة.
ونعرض الآن لأهم المجالات الفنية في تعليم العربية لأبنائها.
اختيار المحتوى:
عرفت أن اختيار المحتوى يمثل المرحلة الجوهرية في تعليم اللغة وعرفت أن ثمة عوامل تؤثر في الاختيار؛ بعضها عوامل خارجية؛ كالأهداف،
ومستوى المقرر، والوقت المحدد له، وعوامل خاصة بالمتعلم؛ كالعمر، والاستعداد لتعلم اللغة، ودافعية التعلم، وعوامل أخرى كنوع المدرسة. ثم إن هناك معايير يُحتكم إليها في الاختيار كالشيوع والتوزيع وقابلية التعلم والتعليم وغيرها.
وغني عن القول أن هذا كله يكاد يكون غائبًا في اختيار محتوى مقررات تعليم اللغة العربية في الوطن العربي؛ يتمثل ذلك أولًا في نقطة البداية وهي تشكيل اللجان التي تنهض باختيار المحتوى؛ أي من أولئك الذين «يؤلفون» مقررات تعليم العربية؟
والأغلب أن تشكيل لجان لتأليف المقررات الدراسية يتم بإحدى الوسائل الآتية:
1- وجود بيانات عن المختصين في اللغة العربة؛ في الأدب، والنحو، والبلاغة، معظمهم من أساتذة الجامعات، في اللغة العربية أو في التربية.
2- الاتصال الشخصي.
3- الإعلان في الصحف عن مسابقة لتأليف مقرر دراسي معين.
وواضح أن البداية غير صحيحة، ويترتب عليها بعد ذلك ما في تعليم العربية من خلل؛ ذلك أن أساتذة الجامعات – من ذوي المستوى الأكاديمي– لا يصلحون –في الأغلب– لتأليف كتب تعليمية، وهم يقبلون النهوض بالمهمة لا يتوافر لهم الوقت ولا الأدوات الضرورية، ومن ثم يكون الإنجاز غير صالح، وهم – فيما نعرف من ظروف العمل الجامعي– لا يمكنهم أن يفيدوا إلَّا في جانب واحد؛ هو جانب الوصف اللغوي العلمي –على أحسن الحالات– في مستوى الأدب أو النحو أو البلاغة. وكذلك الحال مع أساتذة التربية؛ لا يمكن لهم أن يفيدوا إلَّا في الجانب التربوي التعليمي.
والقضية ليست بحيث تعالج في أهم مراحلها بهذا التبسيط؛ فاختيار المحتوى كما رأيت يقتضي تكامل العمل المتخصص من علم اللغة، وعلم اللغة النفسي، وعلم اللغة الاجتماعي، والتربية.
ورغم ما يزخر به العالم المتقدم من جهود في هذا المجال فإن الحال لم تتغير عندنا حتى الآن. وقد نشرت صحيفة الأهرام في شهر شوال 1409 هـ (مايو 1989م) – في الوقت الذي كنت أكتب فيه هذا الفصل – إعلانًا من وزارة التعليم المصرية عن مسابقة لتأليف كتاب في التدريبات اللغوية للصف الأول في المدارس الثانوية، وكذلك كتابًا في الأدب للصف نفسه. ولك أن تسأل: أسيكون المؤلف واحدًا أم عددًا من المؤلفين؟ وهل يتوافر فيه أو فيهم هذا التنوع في التخصص بحيث يكون هناك تكامل بينهم؟ وهل تتوافر لديهم معلومات موثقة عن العوامل المؤثرة في الاختيار؟ وهل هناك خريطة واضحة للمقررات من الصف الأول الابتدائي إلى نهاية المرحلة الثانوية بحيث يكون الاختيار حلقة في كلِّ متكامل؟ وهل، وهل، وهل مما شئت من الأسئلة التي يفرضها المنهج العلمي في الاختيار؟
والحق أن تأليف المواد التعليمية –خاصة في اللغات– أصبح الآن «تخصصًا» في حدِّ ذاته، يتوفر عليه أصحابه، ولا يُشْغَلون بغيره؛ لأنه يحتاج من الجهود المترابطة على ما قد علمت.
اختيار النمط:
واختيار المحتوى يفضي بنا أولًا إلى اختيار «النمط» اللغوي، وهذه قضية جوهرية في العربية. نعم هناك تنوع لغوي في العربية كما في أية لغة أخرى؛ من لهجات إقليمية، واجتماعية، ولهجات خاصة. وهناك العربية الفصيحة. ولقد انتشرت دعوات في العالم العربي إلى اعتماد «اللهجات» المحلية نمطًا لغويًّا في التعليم بناء على مزاعم «الازدواجية» اللغوية. والعجيب أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية شهدت نقاشًا مثل هذا، والإنجليزية على أية حال ليس لها ما لعربيتنا من ظروف. واختلف الناس إلى فريقين؛ فريق يرى أن الإنجليزية الفصيحة يجب ألا تكون النمط اللغوي في التعليم «Standard English should not be taught»؛ لأن ذلك يغذي الازدواجية اللغوية، ويؤدي إلى التدمير النفسي بين أفراد المجتمع، وإلى الإحساس بالاغتراب بين بعضهم، وإلى الفروق اللغوية التي تجعل من يعرف الفصيحة يشغل عملًا متميزًا عمن لا يتقنها. وفريق ثان يرى أن الإنجليزية الفصيحة يجب أن تكون «Standard English should be taught » هي النمط اللغوي في التعليم: وهذا ضروري جدًّا لصحة المجتمع –في رأي هذا الفريق– ؛ لأنه يمكِّن الطفل ذا اللهجة المحلية من أن «يندمج» في المجتمع الأكبر، ويصبح عضوًا نشيطًا فيه. ويدعم هذا الرأي أن النمط الفصيح لا يؤدي إلى التدمير النفسي وإلى الاغتراب؛ بل إنه يعين على التقدم العلمي، وعلى الإنجاز الأكاديمي، وعلى الازدهار الاقتصادي، وهي بلا شك تيسر الاتصال في المجتمع الواسع، وهي في النهاية لا تحمل بذور العنصرية([5])، ولقد انتصر هذا الاتجاه واستمرت الإنجليزية الفصيحة النمط اللغوي في مقررات التعليم.
وأنت تذكر أن علماء اللغة التطبيقيين يرون أن أفضل نمط في اختيار المحتوى هو النمط الذي يكون له امتداد تاريخي، وبُعْد ثقافي.
فإذا كان هذا الشأن في مجتمع كالمجتمع الأمريكي المتعدد الروافد، وإذا كان هذا هو رأي أهل الاختصاص، فلا مجال إذن للحديث عن اختيار الأنماط اللهجية في محتوى تعليم العربية.
والعربية – على ما قدمنا – لغة لها وضعها الخاص من حيث استمرار الحياة التاريخية، ومن حيث ارتباطها بالإسلام. والنمط الذي يجب أن يكون مصدر اختيار المحتوى هو المزج بين الفصيحة المعاصرة وفصيحة التراث. أما الفصيحة المعاصرة فيهمنا منها أولًا ذلك النمط العام الذي تمثله لغة وسائل الإعلام، واللغة المستعملة في الخطب العامة، وفي المحاضرات، ثم النمط الفني الذي يمثله الإنتاج الأدبي على مختلف أنواعه. وأما فصيحة التراث فهي من أهم ما ينبغي العناية به؛ لأنها هي التي تحمل ثقافة الأمة الإسلامية، وهي ثقافة متصلة لا تعرف الانقطاع. ويكون الاختيار منها موافقًا لمعايير الاختيار السابق ذكرها؛ فنبدأ بما هو مألوف للتلاميذ مما هو قريب من الفصيحة المعاصرة، وهو كثير جدًّا لا يعجز من يتوفر عليه للاختيار منه، ثم نتدرج بعد ذلك خطوة خطوة حتى يصل الطالب إلى نهاية المرحلة الثانوية وقد تمكن من فصحى التراث تمكنه من الفصيحة المعاصرة. ومن المهم جدًّا ألا نؤخر تقديم نماذج من هذه الفصحى إلى المرحلة المتوسطة أو الثانوية؛ بل إنه من الواجب أن يقف تلاميذ المرحلة الابتدائية على النماذج الأدبية الكبرى في تراثهم وإن اقتضى الأمر «تبسيط» النص في هذه المرحلة. وهذا ما هو مطبق في البلاد المتقدمة حيث يدرس شكسبير في المرحلة الابتدائية في بريطانيا، ويدرس جوته في المرحلة نفسها في ألمانيا، في نصوص يتوفر عليها مختصون لتبسيطها لهذه المرحلة، والتبسيط Simplification أسلوب علمي له طرائقه الخاصة.
وهذا النهج مهم جدًّا؛ لأنه يزود التلاميذ الصغار بالمعالم الكبرى في تاريخهم الأدبي حتى إذا وصلوا إلى المرحلة التي يستطيعون فيها أن يتصلوا بهذا الأدب في نصوصه الأصلية وجدوا ذلك أمرًا طبيعيًّا ميسورًا. والأمر كذلك في العربية؛ من الواجب ألا نؤخر تعليم الصغار نماذج «مبسطة» من الإنتاج العالي في التراث، ومن اليسير جدًّا أن نعرفهم بنماذج من الجاحظ والمتنبي وأبي العلاء وابن سينا وغيرهم وغيرهم، وهكذا حتى يصبح تاريخ الأمة مكونًا أساسيًّا من المكونات النفسية للمجتمع، وحتى نتحاشى ما نحن فيه الآن من جهل كثير من متخرجي الجامعات بأعلام تراثهم. ولا نزال نذكر مذيعة التلفاز المصرية التي نطقت اسم أبي العلاء المعري فقالت: أبو العلاء المصري؛ لأنها أول مرة تقع عيناها على اسمه.
وقبل هذا وبعده فإن اختيار المحتوى من النص القرآني ومن الحديث النبوي الشريف أمر ليس موضع جدال، المهم أن يكون الاختيار مبنيًّا على معايير صحيحة. وهناك الآن دعوة عامة لتعليم القرآن الكريم والحديث الشريف في المقررات اللغوية، وهذا حق، لكن يجب أن ننتهي من الدعوات العامة، ونجعل المسألة موضوعًا لبحث علمي مخلص حتى يؤتي ثماره.
الإملاء:
وتعليم الإملاء أو التهجي خطوة جوهرية أولية، ولا مجال فيها للاختيار؛ لأن العناصر التي تكوّن النظام الكتابي في اللغة محدودة جدًّا، ولها درجة عالية جدًّا من الشيوع، ومن ثم لا نستطيع أن نختار حروفًا ونترك أخرى، ولكن تعليم الإملاء يحتاج إلى تنظيم.
والوضع الحالي في تعليم العربية معروف؛ لا يتقن تلاميذ المرحلة الابتدائية كتابة الكلمات، ويصل الأمر أن نجد متخرج الجامعة يقع في أخطاء إملائية صارت من الشيوع بحيث ظن الناس أنها جزء من طبيعة اللغة.
وحين تطَّلِع على مقررات الكتابة والإملاء في التعليم العام تجد
اختيارات عشوائية ليست لها معايير واضحة للتنظيم، وقد رأيت بعض المدرسين يكلف تلاميذه بنسخ بعض الموضوعات من كتب القراءة
أو النصوص أو التوحيد ثلاث مرات في دفتر الواجبات المنزلية، فلما سألتُه عن ذلك قال إن التلاميذ يخطئون في الإملاء، وهذه الطريقة تعودهم على الكتابة الصحيحة (؟!) ومن الواضح أن هذا «العلاج» يتحول إلى «داء» فتاك؛ لأن التلميذ يشعر أنه «آلة»، وأنه يفقد الإحساس بالنص الذي ينسخه، وينسحب هذا على قابليته لتعلم اللغة، وعلى دافعيته، ويَقِر في نفسه أن درس العربية شيء كريه يتطلع إلى التخلص منه، وتسقط المسألة كلها في بئر سحيقة من الكآبة والإحباط.
يعرض كثير من أساتذة التربية لتعليم الهجاء، ويؤكد معظمهم على الاتجاه الذي يقرر أن «الهدف من تعليم الهجاء أن يتمكن التلاميذ من كتابة الكلمات التي يستعملونها أو يحتاجون إليها في حاضرهم وفي مستقبلهم كتابة صحيحة»([6]). وهذا كلام في حاجة إلى مراجعة؛ لأن معناه أن هناك نظامًا آخر للتهجي في الكلمات غير الشائعة يحسن تجنبه، وهذا غير صحيح؛ لأن العناصر في النظام واحدة ومحدودة جدًّا، إلَّا إذا كان القصد التدريب في المراحل الأولى على الكلمات المألوفة للتلاميذ.
على أن التربويين حين يعرضون لأسباب الخطأ في الرسم الكتابي يركزون
–بطبيعة الحال– على الجوانب النفسية والتعليمية ولا يشيرون إلى النظام العام للغة([7]).
كان المنهج في الغرب يجري في تعليم الهجاء على أساس تقابل الصوت بالحرف الكتابي Phoneme-grapheme لكن ذلك أيضًا كان ينهض على بحوث علمية تربط بين النظام الصوتي والكتابة([8])، على النحو الذي قدمه علماؤنا القدماء في دراسة رسم المصحف. ثم بدأ الاقتناع أن الهجاء يستند إلى «النظام» العام للغة؛ أي إنه يرتبط بالنظام الصوتي، والصرفي، والنحوي، والدلالي. وظهرت بحوث في هذا الاتجاه كتلك التي أجريت في جامعة ستانفورد Stanford لبرمجة حاسبية باستخدام المفاتيح الصوتية، ثم المفاتيح النحوية والدلالية([9]).
وهذا أيضًا مما ينبغي أن ندركه في تعليم الهجاء في العربية. صحيح أن التقابل بين الصوت والحرف الكتابي في العربية أقوى بكثير منه في الإنجليزية والفرنسية، لكن الأهم أن مقررات تعليم الهجاء يجب أن تكون مبنية على نظرية لغوية شاملة. والأمثلة كثيرة جدًّا على ارتباط الكتابة بأنظمة الصرف والنحو والدلالة.
ونتوقف هنا قليلًا عند أكثر الأخطاء الإملائية شيوعًا لنرى ارتباطها بالأنظمة الصرفية والنحوية والدلالية.
وأول ذلك ما نعهده من شيوع الخلط بين همزتي القطع والوصل؛ مثلًا: «أخرج» و«اخرج» لا يمكن أن تكونا كلمة واحدة؛ والفارق بينهما دليل على قاعدة صرفية تؤدي إلى اختلاف الدلالة؛ فالأولى فعل مزيد بالهمزة حوَّلته فعلًا متعديًا يمكن أن يستعمل فعلًا ماضيًا أو أمرًا: «أخرج المسلم زكاة ماله». أو «أخْرِجْ زكاة مالك». أما الثانية فلا تكون إلَّا أمرًا من الفعل الثلاثي اللازم: «اخرُجْ من هنا!».
والألف التي يسمونها ألفًا فارقة ليست زينة وإنما هي علامة على فروق صرفية ونحوية ودلالية، انظر مثلًا إلى:
هؤلاء لاعبوا الفريق الفائز.
هؤلاء لاعبو الفريق الفائز.
الأولى «لاعَبُوا» فعل ماض، والواو فيه ضمير الفاعل، و«الفريق» مفعول به، ويكون ضبط الجملة هكذا.
هؤلاء لاعَبُوا الفريقَ الفائز.
أما في الثانية فـ«لاعبو» ليست فعلًا، بل هي اسم على صيغة جمع المذكر السالم، وهي هنا خبر للمبتدأ، و«الفريق» مضاف إليه، ويكون ضبط الجملة:
هؤلاء لاعِبُو الفريقِ الفائز.
والفرق كبير في معنى الجملتين.
وكلمة «ابن» التي يخطئ الناس في كتابتها كثيرًا تدل على نظام نحوي دلالي أيضًا، مثلًا:
1- زيدُ بُن علي هنا.
2- زيدُ ابنُ الأكارم هنا.
3- زيدٌ ابنُ علِيّ.
أما الأولى فكلمة «بن» نعت، والنظام الهجائي العربي يفرض حذف الألف منها إذا وقعت نعتًا لعَلَم بشرط أن تكون مضافة إلى عَلَم. ولذلك عادت الألف إليها في الجملة الثانية؛ لأن المضاف إليه «الأكارم» ليس اسم علم. أما في الجملة الثالثة فإن كلمة «ابن» وقعت بين علمين لكنها ليست نعتًا، وإنما هي خبر عن المبتدأ، والمعنى: زيدٌ هو ابن علي.
وقد أشرنا سابقًا إلى الخطأ الشائع في الخلط عند كتابة «الهاء» و«التاء» في آخر الكلمة مثل: «قاتلة»، و«قاتله». الأولى لا يمكن أن تكون إلَّا اسمًا؛ لأن التاء يستحيل أن تلحق الأفعال في النظام العربي، و«قاتلة» مؤنث «قاتل».
أما الثانية فيمكن أن تكون فعلًا ماضيًا أو أمرًا والهاء ضمير مفعول به «قاتَلَه» أو «قاتِلْه»، ويمكن أن تكون اسمًا والهاء ضمير مضاف إليه «قاتِلُهُ».
والأمر كذلك في الخطأ الشائع في كتابة «ما» حين يسبقها حرف جر.
فيمَ كانوا يختلفون؟
...فيما كانوا يختلفون.
الأولى لا يمكن أن يلحقها ألف «ما»؛ لأنها اسم استفهام، والنظام العربي يحذف ألف «ما» الاستفهامية حين تكون مسبوقة بحرف جر، تمييزًا لها من غيرها، والمعنى:
في أي شيء كانوا يختلفون؟
والثانية لا يمكن إلَّا أن تكون اسمًا موصولًا، والمعنى:
... في الذي كانوا فيه يختلفون؟
وهكذا ترى أن تعليم النظام الإملائي للعربية ليس مسألة آلية، وإنما هو يرتبط بالنظام اللغوي الشامل للغة، وهو ما أكدناه غير مرة من أن اللغة «نظام من أنظمة» أي إن كل نظام يرتبط ارتباطًا عضويًّا بالأنظمة الأخرى.
اختيار الكلمات:
واختيار الكلمات في محتوى المقرر شاهد قوي آخر على ما في تعليم العربية من خلل، وهو اختيار عشوائي يستند إلى الحدس والخبرة وما تمليه لحظة الاختيار.
لقد عرفت أن هناك معايير علمية تتخذها الأمم المتقدمة في اختيار الكلمات، ليس منها شيء في العالم العربي؛ فليس لدينا حتى الآن أعمال جادة عن «قوائم الكلمات» العربية على مستوى العربية الفصيحة المعاصرة، ولا على مستوى فصحى التراث، بحيث نعرف المائة كلمة الأكثر شيوعًا فنختارها للصف الأول الابتدائي، ثم التي تليها، ثم التي تليها ... وهكذا.
وليست عندنا فيما نعلم أية بحوث عن طبيعة الكلمات العربية من حيث قابليتها للاستدعاء، وللتذكر، وقابليتها للتعلم والتعليم.
واقرأ أي كتاب عن مقررات تعليم العربية في المراحل الدراسية الأولى فلن تجد نظامًا عن عدد الكلمات الجديدة في كل وحدة، وطريقة التسلسل بينها في الوحدات المختلفة، ثم انتقل إلى كتب المراحل المتقدمة في التعليم الثانوي فلن تجد وسيلة معيارية لإدخال الكلمات التي تنتمي إلى المجالات الخاصة كالطب والاجتماع والفيزياء والتاريخ والفقه ... وغيرها.
والأمر إذن في اختيار الكلمات في تعليم العربية لأبنائها هو الآن في مرتبة الصفر.
اختيار محتوى النحو:
والنحو في تعليم العربية حقيق بوقفة متأنية؛ لأنه يجسد الخلل العام خير تجسيد؛ ولأن الناس يعلقون مشكلات العربية عليه. وهو جانب واحد من جوانب القضية، لكنها حالة ما ينبغي لنا أن نتجاهل الحق فيها؛ فقد تبين لنا أن مقررات النحو في المدارس العربية سبب جوهري لكراهية التلاميذ للعربية بوجه عام، وظهر أن نسبة الرسوب فيه تكاد تكون من أعلى النسب بين مواد التعليم قاطبة، وقد لاحظنا أن طلاب الشهادة الثانوية المصرية
–وهم يحرصون على كل جزء من كل درجة بسبب التنافس الشديد على مقعد في الجامعة– يسقطون من حسابهم الإجابة على سؤال النحو لما تَمكَّن في نفوسهم من يأس من هذه المادة. ولقد سألنا طلاب كلية الآداب عن سبب عزوفهم عن الالتحاق بقسم اللغة العربية فكان إجماعهم أنه قسم صعب بسبب النحو وهم لم يروا بعد ماذا يدرسون في الجامعة لكنه الشعور الذي استقر عندهم بعد انتهائهم من التعليم الثانوي وقد كانت العربية مادة إجبارية وأمامهم الآن الفرصة في الجامعة للإفلات منها فما الذي يجبرهم عليها؟
وهذه الحالة لا يمكن أن تكون ظاهرة كاذبة أو مخادعة؛ لأنها واقع لا ريب فيه، وهي أيضًا ليست ظاهرة إقليمية، بل هي عامة –بدرجات متفاوتة– في أقطار العالم العربي. من أجل ذلك جرت محاولات غير قليلة «لإصلاح» النحو أو «تيسيره»، لكنها جميعها أخطأت البداية فلم تصل إلى غاية؛ ذلك أنها ظنت أن تيسير النحو ييسر تعليمه، وهذا غير صحيح. فقد بينا أن ثمة فرقًا جوهريًّا بين النحو وتعليم النحو؛ الأول علم النحو، وهو علم يقدم وصفًا لأبنية اللغة، وهو حين يفعل ذلك إنما يلجأ إلى «عزل» الأبنية من سياق الاستعمال، ويضعها في إطار «التعميم» و«التجريد»، أما تعليم النحو فشيء آخر نشأ له علم أشرنا إليه باسم النحو التعليميPedagogical grammar، وهو يأخذ من الوصف الذي توصل إليه علم النحو لكنه لا يأخذه «كما هو»، إنما يطوعه لأغراض التعليم، ويُخضعه لمعايير أخرى تستعين بعلم اللغة النفسي في السلوك اللغوي عند الفرد، وبعلم اللغة الاجتماعي في الاتصال اللغوي، وبعلوم التربية في نظريات التعلم وإجراءات التعليم، وكل ذلك كان غائبًا عن محاولات الإصلاح والتيسير، ومن ثم لم تؤد هذه المحاولات إلى تغيير في المستوى العام لتعليم العربية اللهم إلَّا إثارة بعض البلبلة في استخدام المصطلح، وليس هو المشكلة على أية حال.
ومع ذلك أود أن أؤكد أن النحو العربي ليس مصدر المشكلة في تعليم العربية كما يدعي كثيرون؛ فكل اللغات المتقدمة لها أنحاؤها العلمية التي تقدم وصفًا علميًّا للغاتها، لكن هذه الأنحاء ليست هي نفسها التي تُتخذ مقررات لتعليم اللغة في المدارس، ولكنها مصدر أوَّلي يخضع بعد ذلك لما أشرنا إليه منذ قليل. على أن النحو العربي قد يمتاز عن الأنحاء الأوروبية بأشياء؛ أولها أن الأنحاء الأوروبية قد بُنِيت في صورتها التقليدية على النحو اللاتيني، وليس الأمر كذلك في النحو العربي الذي صدر عن العربية، وثانيها أن علماء
اللغة البنائيين ينقدون النحو العربي بأنه نحو «معياري» «تعليمي»، ونحن لا ننكر جانب المعيارية في النحو العربي إلى جانب وصفيته([10])، ومن ثم فالفرصة هنا أكثر مؤاتاة في استثمارها في اختيار نحو تعليمي، وهو ما لم نفعله حتى الآن.
ولعله من المفيد أن ننظر في بعض مقررات النحو في المدارس
العربية، ونختار مثالًا منها كتب «قواعد اللغة العربية» المقررة على الصفوف الثلاثة بالمدارس المتوسطة بالمملكة العربية السعودية، وقد وقع اختيارنا عليها لأسباب؛ منها أن دروس اللغة العربية تحظى بعناية خاصة في
التعليم العام في المملكة تزيد كثيرًا في النوع وفي الحجم وفي الوقت المخصص لها عنها في البلاد الأخرى، ومنها أن مادة اللغة العربية تتشعب إلى مواد مستقلة؛ منها مادة خاصة بالنحو، إضافة إلى أن المرحلة المتوسطة تقع بين المرحلة الابتدائية والمرحلة الثانوية وهي لابد أن تقدم صورة عما قبلها وتمهد لما بعدها.
ونبدأ أولًا بسرد الموضوعات المقررة على كل صف.
الصف الأول([11]):
المعرب والمبني:
المبنيات: الحروف، المبني من الأفعال، الماضي، الأمر، المضارع مع نون النسوة ونون التوكيد.
أنواع الخبر: مفرد – جملة – شبه جملة.
النواسخ:
الأفعال الناسخة: كان وأخواتها تامةً وناقصة.
أفعال المقاربة والرجاء والشروع.
إن وأخواتها، أنواع خبر إن، كسر همزة إن وفتحها.
عمل لا النافية للجنس.
الفعل اللازم والمتعدي:
الأفعال المتعدية لمفعولين أصلهما المبتدأ والخبر (أفعال الظن واليقين والتحويل).
الأفعال المتعدية لمفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
الصف الثاني([12]):
إسناد الأفعال بجميع أنواعها إلى الضمائر؛ الأفعال الصحيحة والمعتلة، الجملة الفعلية.
الفعل – تأنيث الفعل مع الفاعل.
نائب الفاعل– ما ينوب عن الفاعل بعد حذفه؛ المفعول به، المصدر، الظرف، الجار والمجرور.
تكملة الجملة الفعلية:
المفعول به، المفعول المطلق، ما ينوب عن المفعول المطلق (؟!) من المرادف والإشارة والآلة والعدد والضمير والكلمات المبهمة.
المفعول لأجله، الظرف، المفعول معه.
الحال وأنواعها.
النعت الحقيقي؛ المفرد، والجملة، النعت السببي. المستثنى بإلا، وغير وسوى، وخلا وعدا وحاشا.
التمييز الملفوظ والملحوظ.
التوكيد المعنوي واللفظي.
العطف.
البدل؛ بدل المطابق، بدل البعض ، بدل الاشتمال.
الصف الثالث([13]):
المنادى؛ أدوات النداء: يا، هيا، أي، الهمزة، إعراب المنادى، نداء ما فيه أل.
الإضافة.
الممنوع من الصرف لعلتين ولعلة واحدة.
أدوات الشرط ومعانيها؛ الجازمة وغير الجازمة.
اقتران جواب الشرط بالفاء.
الاستفهام؛ هل والهمزة، بقية أدوات الاستفهام.
كم الاستفهامية والخبرية.
التعجب.
المدح والذم.
الاختصاص.
توكيد الفعل.
المجرد والمزيد.
المصادر وعملها، المصدر الميمي، إعمال المصدر.
اسم المرة والهيئة.
المشتقات؛ اسم الفاعل، صيغ المبالغة، عمل اسم الفاعل وصيغ المبالغة، اسم المفعول وعمله، اسم التفضيل وحالاته، اسم الزمان والمكان، اسم الآلة.
هذه هي الموضوعات المقررة، ولسنا نقدم هنا فحصًا مفصلًا لها، لكنا نكتفي بالحقائق الآتية:
1- إن الذين نهضوا باختيار محتوى هذه المقررات ذهبوا إلى كتب النحو، ووضعوا أيديهم فيها، وأخذوا منها ما أرادوا دون تغيير، والأغلب أنهم رجعوا إلى بعض كتب المتأخرين التي تمتلئ بالحواشي والهوامش والتقارير، أو رجعوا إلى بعض «الملخصات» النحوية مما أفضى إلى بعض الأخطاء. والمهم هنا أن البداية خاطئة؛ لأن المادة النحوية كما هي في كتب النحو ليست مادة تعليمية، ومن ثم فإن كل ما يترتب على هذه البداية الخاطئة لا غرابة فيه.
2- عُرضت الموضوعات كلها تحت سيطرة «العامل» النحوي، وهو نظرية صحيحة وصالحة في رأينا، لكنها لا ينبغي أن تكون العنصر المهيمن على المادة التعليمية. (انظر مثلًا إلى إعمال المصدر وإعمال اسم الفاعل وصيغ المبالغة في مقرر الصف الثالث).
3- لم يُراعَ في اختيار الموضوعات تناسبها مع القدرات المعرفية للتلاميذ؛ لسببٍ بدهي ومفهوم؛ وذلك لعدم وجود بحوث حقيقية عن هذا الجانب في العالم العربي، ولا يحاول المؤلفون أن يصلوا إلى شيء منه وإن يكن بالخبرة الشخصية، وانظر مثلًا إلى تلميذ في الصف الأول المتوسط يبلغ من العمر اثني عشر عامًا كيف له أن يدرك النصب في خبر أفعال المقاربة وهو مصدر مؤول من أن والفعل المضارع، وكيف له أن يدرك القاعدة التي تصرخ في وجهه: تفتح همزة إن إذا حلت مع ما بعدها في محل مصدر مؤول وقع فاعلًا أو نائب فاعل أو مجرورًا بحرف جر؟ لقد حاولت أن أستخلص مفهوم المصدر المؤول من عدد من طلاب الجامعة فلم أحظ بطائل إلَّا بجهدٍ جهيد.
وكيف لهذا التلميذ أن يفرق بين «رَأَى» البصرية التي تنصب مفعولًا واحدًا، و«رَأَى» اليقينية التي تنصب مفعولين، وكذلك الحال مع «عَلِم» بمعنى عَرَف، و«عَلِمَ» بمعنى أيقن؟
وكيف لتلميذ في الصف الثاني المتوسط أن يدرك النعت السببي، وبدل الاشتمال؟ لقد أجريت تجربة على عشرين متخرجًا في كلية اللغة العربية يعمل معظمهم في التعليم، فطلبت منهم فجأة أن يقدموا أمثلة على النعت السببي فلم يفلح منهم غير أربعة (!!).
4- ذكرنا أن العربية لم تحظ حتى الآن ببحوث عن قوائم الكلمات، وليس فيها بطبيعة الحال بحوث عن قوائم الأبنية النحوية والصرفية مما ييسر معرفة نسبة الشيوع فيها، لكن ذلك ليس مبررًا لمؤلفي المقررات النحوية؛ فالذي لا شك فيه أن الخبرة يمكن أن تعين على التمييز إلى حدٍّ ما بين ما هو شائع وما هو غير شائع. من أجل ذلك جاءت هذه المقررات حافلة بمواد ليس لها نسبة شيوع تبرز اختيارها في هذه المرحلة، ونضرب مثلًا بكان وأخواتها حين تكون «تامة»، والفعل «أنشأ» في الشروع في مقرر الصف الأول، وما ينوب عن المفعول المطلق من المرادف والإشارة والآلة والضمير، والمفعول معه، والنعت السببي، وبدل الاشتمال في مقرر الصف الثاني.
5- جاء تقديم القواعد النحوية –كما هو متوقع– من جمل معزولة عن سياقاتها الاستعمالية، تسبقها نصوص تمهيدية ليست نصوصًا واقعية، وإنما هي نصوص «مصنوعة» بهدف تقديم أمثلة على موضوع الدرس. وهذا المنهج يجعل من العربية جملًا «محنطة» لا صلة لها بالحياة.
6- لم يخل تقديم القواعد من أخطاء، وبخاصة في الموضوعات الواضحة
مما يشكك التلميذ الصغير في العمل كله. خذ مثلًا على ذلك ما جاء في
مقرر الصف الثاني (ص33) من أنه «لا يحدث تغيير في الفعل السالم
أو المهموز إذا أسندا إلى الضمائر سواء أكان الفعل ماضيًا أم مضارعًا أم أمرًا»، أو ما ورد في (ص43) من أنه «لا يحدث في الفعل المثال تغيير إذا أسند إلى ضمائر الرفع البارزة سواء أكان الفعل ماضيًا أم مضارعًا أم أمرًا. كيف للتلميذ أن يثق بهذا التقعيد وهو ينطق ويسمع كل يوم أفعالًا من مثل: «خُذْ» و«كُلْ» بحذف الهمزة في الأمر، و«يقف» و«يصف» و«قِفْ» و«صِف» بحذف الواو في المضارع والأمر؟
7- جاءت التدريبات كلها آلية، وهذا طابع عام في كتب النحو في المدارس، بحيث يستطيع التلميذ بعد فترة أن يجيب عن الأسئلة التدريبية؛ لكنه لا يستطيع أن ينطق أو يكتب جملة صحيحة إذا أراد أن يعبر عن نفسه تعبيرًا طبيعيًّا في مواقف مختلفة.
8- جاء تنظيم المقررات –كما هو متوقع أيضًا– على التدريج الطولي؛ بحيث يُقدم الموضوع مرة واحدة بكل أجزائه، ثم لا يرجع إليه مرة أخرى، دون مراعاة للمعايير العلمية التي أشرنا إليها في موضعها، وقد عرفتَ ما في هذه الطريقة من أخطار على تعليم اللغة، ولك أن تتصور أن الطالب عليه أن ينتظر إلى الصف الثالث المتوسط حتى يدرس «هل والهمزة» في الاستفهام على ما تعرف لهما من شيوع؛ لأن المؤلفين جعلوا الاستفهام في الصف الثالث، وهكذا ترى الطالب في الصف الأول المتوسط يدرس كل شيء عن الأسماء المبنية، وكل شيء عن النواسخ، وكل شيء عن الأفعال اللازمة والمتعدية.
وبعد، فأظنك لست في حاجة إلى جهد لتدرك أن المرحلة الجوهرية في تعليم العربية وهي اختيار المحتوى لا تتصل بالمنهج العلمي في تعليم اللغة بسبب، وهذه المرحلة هي التي تؤثر بعد ذلك على «التنفيذ» في قاعة الدرس؛ فالنتيجة المتوقعة إذن طبيعية؛ عدم استجابة الطلاب لهذه المقررات، ثم كراهيتهم للنحو، ثم تطلعهم إلى التخلص من دروس العربية ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.
علم اللغة في تعليم العربية:
من الملاحظ أن مقررات تعليم العربية لأبنائها تخلو من أي شيء عن علم اللغة باعتباره منهجًا «علميًّا» حديثًا لدرس اللغة، وهذا أيضًا أمر منطقي؛ لأن علم اللغة حمل معه شبهات كثيرة حين وفد إلى العالم العربي منذ العقد الخامس في هذا القرن؛ إذ كان يحمل معه دعوة إلى دراسة اللغة المنطوقة في صورها «اللهجية»، وتخصص عدد من أصحابه في درس اللهجات، فظن الناس أنه جاء يحارب الفصحى، وانضاف إلى ذلك ما بدا في كتبهم من غرابة، ومن مصطلحات غير مألوفة، ومن نقد للتراث اللغوي عند علماء العربية القدماء. ومع ذلك كله فإن «علم اللغة» صار نموذجًا في العالم المتقدم لكثير من العلوم بما أصَّل من نظريات وبما طوَّر من مناهج للتحليل، وهو حقيق بأن يألفه طلابنا في التعليم العام؛ لأنه يساعد على تشكيل نمط التفكير العلمي عندهم.
أليس من الغريب حقًّا أن طالب الجامعة عندنا ممن يتخصص في العربية لا يعرف الفرق بين الأصوات الصائتة Vowels والأصوات الصامتة Consonants، ويعرف ذلك تلميذ المرحلة الابتدائية في أوروبا؟ وهو لا يعرف أن علماءه القدماء كانوا روَّادًا في دراسة الصوت اللغوي وقدموا فيها إبداعات معروفة وبخاصة في درسهم للأداء القرآني في التجويد وعلم القراءات.
ونحن نقترح أن تضم مقررات تعليم العربية معلومات مستقاة من علم اللغة، ويمكن أن يبدأ ذلك في المرحلة الابتدائية عن مخارج الأصوات وبعض صفاتها، وبعد ذلك نتقدم خطوة خطوة في المرحلة المتوسطة بمعلومات عن الصرف، وعن النحو، حتى إذا جئنا إلى المرحلة الثانوية قدمنا هذا العلم صريحًا مباشرًا في إيجاز كي يعرف الطالب شيئًا عن النظرية اللغوية، وعن مستويات التحليل المختلفة، وعن اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية، ثم لابد أن يعرف شيئًا عن جهود علمائه القدماء. إن ذلك سوف يعين –فيما نرى – على تغيير نظرة طلابنا إلى دراسة اللغة، وعلى فهم أفضل للظواهر اللغوية، وعلى إدراك لقيمة تراثه اللغوي.
الإجراءات التعليمية:
والحديث عن الإجراءات التعليمية يكشف لك ما في تعليم العربية من تأخر، ولنقتصر من هذه الإجراءات على ما يجري في قاعة الدرس. حاول أن تبحث عن جديد مختلف عما كان يجري منذ أربعين سنة فلن تحصل على شيء؛ المدرس معه دفتر تحضير، والكتاب المقرر، والسبورة، وهو يتكلم معظم الوقت، كل أولئك وقد تطورت الوسائل التعليمية إلى ما تعرف من استخدام الإذاعة، والتلفاز، وآلات العرض، وغيرها، ومن استخدام للمعامل اللغوية، ومن تنويع للنشاط داخل القاعة كالألعاب اللغوية، ومن تغيير الموقف التعليمي من كفاءة التعليم إلى كفاءة التعلم، أما الحاسب الآلي فمدرس العربية أبعد الناس عنه بما يؤكد نظرة التلميذ إليه بأنه المدرس الذي لا يعيش عصره.

وبعد؛ فلم يكن هذا العرض كي نوحي باليأس في أحوال تعليم العربية، ولكن كي نبرز القضية باعتبارها قضية جوهرية للعالم العربي. ونحن نؤكد أن الحل لا يستطيع أن ينهض به فرد، ولا جامعة، وإنما لا بد له من مؤسسة على مستوى عال، تُزود بإمكانيات مالية وبشرية تمكنها من النهوض بالإشراف على تعليم اللغة العربية، ولعلي أقترح هنا إنشاء مركز خاص «لبحوث تعليم اللغة العربية» يضم مختصين في كل ما يتصل بهذا الميدان في علم اللغة، وعلم اللغة النفسي، وعلم اللغة الاجتماعي، والتربية، على أن يكونوا متفرغين تفرغًا كاملًا لإجراء البحوث على كل ما يتصل بالقضية من الإحصائيات اللغوية لعمل قوائم للكلمات، وقوائم للأبنية الصرفية والنحوية، ودراسة خصائص السلوك اللغوي عند الفرد في البيئات العربية، ودراسة قواعد الاتصال اللغوي في كل بيئة، ومعرفة خصائص المتعلم، وتطوير إجراءات التعليم. ويجب أن يكون هذا المركز مؤسسة كبيرة، قوية الأركان، يناط بها التخطيط، وتنفيذ ما تطوره من برامج، ثم متابعته، واختباره، وتزويده بكل ما يَجِدُّ في مجاله، ويناط بها وضع تصور للنهوض بتكوين مدرس اللغة العربية، وبتدريبه في أثناء العمل كي يقف على كل مستحدث، إلى آخر ما هنالك مما يفرضه تعليم اللغة على ما نعرفه في البلاد المتقدمة، وليس ذلك بكثير على لغة اختارها الله تعالى لسانًا لدينه الخاتم.


([1]) ندوة التعريب ودوره في تدعيم الوجود العربي والوحدة العربية، منشورات مركز الوحدة العربية - بيروت 1982 ص 359.

([2]) انظر كتابنا: النحو العربي والدرس الحديث، دار النهضة العربية - بيروت 1979 الفصل الخاص بالنحو التحويلي.

([3]) عبد القادر الفاسي الفهري، المعجم العربي-نماذج تحليلية جديدة-دار توبقال 1986ص20-21.

([4]) Malmstrom, J., First language teaching, in: Wardhaugh, R. and H.D. Brown; A survey of applid linguistics, Ann Arbor, 1976, p. 44..

([5]) Ibid, 49.

([6]) فتحي يونس، ومحمود الناقة، وعلي مدكور، أساسيات تعليم اللغة العربية والتربية الدينية، دار الثقافة، القاهرة 1981 ص 236.

([7]) السابق: 234.

([8]) انظر مثلًا:
-Hall,R.A. Sound and spelling in English, Philadelphia 1961.
- Fries, C.C., Linguistics and Reading, New York 1962.

([9])Hanna, P.R., Hodges, and Hanna, J.s., Spelling: structure and strategies, boston,1971.

([10]) انظر كتابنا «النحو العربي والدرس الحديث» (45-107).

([11]) قواعد اللغة العربية للصف الأول المتوسط، وزارة المعارف، الشؤون المدرسية، إدارة المقررات، الطبعة التاسعة 1408هـ-1988م.

([12]) الطبعة الثامنة 1408هـ-1988م.

([13]) الطبعة السابعة 1406 هـ- 1986م.