بسم الله الرحمن الرحيم

تعليم العربية لغير الناطقين بها
د. عبده الراجحي

للعربية تجربة تاريخية فريدة في الانتشار خارج الجزيرة العربية، وفي فترات زمنية قياسية، والحق أنه لا توجد بين أيدينا دراسات موثقة عن الطريقة التي اتبعها المسلمون في نشر العربية في البلاد التي فتحها الإسلام؛ أكان ذلك بالاختلاط المباشر أم بتعليم منظم على هيئة ما؟ وهو موضوع نراه حقيقًا بالدرس المتتبع بحثًا عن الوقائع الملموسة في هذا الميدان. ومهما يكن من أمر فإن النتيجة تجاوز التصور للجهد البشري العادي؛ لأن انتشار العربية لم يتخذ طابع تعلُّم لغة أجنبية أو تعليمها، وإنما صار انصهارًا كاملًا في هذه اللغة بحيث تحولت إلى لغة أولى عند أُناس كانت لهم لغاتهم الأولى، وليس أمرًا عاديًّا أن نرى عددًا هائلًا من كبار العلماء في غير ميدان لم تكن العربية لغتهم الأولى، وقد يصعب على تفكير غير إسلامي أن يعلم أن أهم كتاب في نحو العربية هو «الكتاب» الذي ألفه سيبويه غير العربي، وهو الكتاب الذي ظل المصدر الأول لنحاة العربية على امتداد القرون.
ومهما يكن من نقص المعلومات الموثقة فإن الذي لا شك فيه أن
العربية انتشرت هذا الانتشار في نوعه وفي سرعته؛ لأن الإسلام والعربية كانا شيئًا واحدًا، ولم يكن يُتصور فصلُ أحدهما عن الآخر. ذلك تاريخ عظيم ينقصه الدرس لكنه ماثل للعيان، فما وضعُنا نحن الآن في تعليم العربية لغير أبنائها؟
لن تجد نفسك في حاجة إلى جهد كي تقرر دون تردد أن العالم العربي
تأخر تأخرًا غير مقبول في هذا الميدان؟ والمقارنة بين ما نصنعه الآن في
تعليم العربية لغير الناطقين بها بما صنعه الأسلاف مقارنة ظالمة بكل المقاييس.
وليس بمستغرب عندنا أن الذين تولوا تعليم العربية لغةً أجنبيةً في العصر الحديث لم يكونوا – في الأغلب الأعم – من المسلمين، بل إن أكبر المراكز التي اهتمت بذلك تنتمي إلى المؤسسات والجامعات الغربية، ولا تزال المناهج والمقررات والمصطلحات السائدة هي تلك التي وضعها المستشرقون مثل بروكلمان وفيشر ورايت وآمبروس وغيرهم. وقد كان هذا الاهتمام صادرًا عن أسباب كثيرة، ليست داخلة في موضوعنا الآن، لكن أهمها كان محاولة فهم الحضارة الإسلامية في دوائر الاستشراق. ثم تغير الوضع في الأربعين سنة الأخيرة حين تحول الاهتمام إلى العربية المعاصرة نظرًا لأهمية العالم العربي الاستراتيجية والاقتصادية. وأشهر الجامعات التي تقدم أعمالًا مهمة في تعليم العربية تجدها الآن في الولايات المتحدة الأمريكية وفي بريطانيا وألمانيا وإيطاليا. بل إن أنشط المراكز في تعليم العربية لغةً أجنبية في العالم العربي مراكز تتبع مؤسسات غربية؛ كان أشهرها معهد شملان البريطاني الذي كان يعمل في لبنان إلى عهد قريب، والجامعة الأمريكية بالقاهرة ولها جهودها المشهودة في هذا المجال، لا في تعليم المقررات اللغوية فحسب، بل في إعداد المدرسين لهذا العمل الخاص.
وفي العقود الثلاثة الأخيرة بدأ العالم العربي يهتم –إلى حدٍّ ما– بتعليم العربية لغير أبنائها؛ فظهرت معاهد ومؤسسات في غير بلد عربي، لكنها جميعها لا تهدف إلى غايات واحدة، ومن ثم فإن الفروق النوعية بينها كبيرة، ويمكننا –فيما نرى– أن نصنفها في نوعين:
النوع الأول: نشأ استجابة لحاجة «السوق»؛ إذ يبحث كثيرون من البلاد الأجنبية –في الأغلب من الغرب– عن معهد يقدم العربية في بيئة عربية؛ ومن ثم فإن الهدف يصبح النفع المالي، ولا بأس من أن يؤدي وجوده إلى بعض الفوائد العلمية من حيث ممارسة التجربة العملية في وضع المقررات والتدريس وغيرها. لكن هذا النوع –بحكم طبيعته– يستجيب في الأغلب لحاجات «عملائه»، ويعمل على «إرضائهم»؛ فيقدم لهم ما يحتاجون إليه من دروس في «العاميات» العربية، وفي أنماط معينة في العربية الفصحى، خاصة عربية وسائل الإعلام. وهذه هي الحال في مصر، وفي تونس، وفي الأردن. ولقد نشأ مركز تعليم اللغة العربية للأجانب التابع لجامعة الإسكندرية مثلًا بناء على اتفاقية مع الجامعات البريطانية التي تدرس العربية، بهدف إرسال طلابها لقضاء عام دراسي كامل في بيئة عربية، وهي فكرة ممتازة لأصحابها، وتؤتي نتائج مهمة. لكن المقررات الدراسية تحدد بالتنسيق مع الجامعات البريطانية لتتواءم مع متطلباتها، ولستَ في حاجة إلى البحث عن طبيعة تعليم اللغة العربية في الجامعة الأمريكية.
والنوع الثاني: هو الذي يمثل رسالة محددة لا يحيد عنها، هي تعليم العربية باعتبارها لغة الإسلام؛ ومن ثمَّ فلا مجال هنا للمنفعة المادية، بل إن هذا النوع هو الذي يقدم المنح للطلاب؛ لأنهم طلاب مسلمون يريدون أن يتعلموا لغة دينهم ليعودوا إلى أهليهم دعاةً على علم بحقيقة هذا الدين. نجد هذا النوع فيما كان يقدمه الأزهر، ولا يزال للوافدين للدراسة فيه في مدينة البعوث الإسلامية، لكن المقررات الدراسية ليس لها نظام علمي متماسك.
وهذا النوع من المعاهد هو الذي تبنته المملكة العربية السعودية باعتبار تعليم العربية للمسلمين غير الناطقين بها فرضًا واجبًا ينبغي أن يحظى بما يستحقه من دعم ومن جهد؛ ففي المملكة وحدها معهد تابع لجامعة الملك سعود، ومعهد تابع لجامعة أم القرى، ومعهد تابع للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ومعهد تابع لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي أنشأت معاهد أخرى لأبناء المسلمين في بعض البلاد الأجنبية.
ونحن نذكر هذه الحقائق عن تعليم العربية لغير الناطقين بها لنصل إلى ما نريد أن نؤكده من أنه لا بد من وجود أهداف بعيدة لأي تعليم؛ ولسنا نشك لحظة في أن الإنجليز لا يُعلِّمون لغتهم للأجانب من أجل السياحة أو الاقتصاد، ولا كذلك يفعل الألمان أو الفرنسيون، ولكنهم جميعًا يعلمون لغتهم باعتبارها وعاء «الثقافة» الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية، بل إن الفرنسية عند أصحابها تمثل الشرف الفرنسي؛ فالمدرس الفرنسي الذي يذهب لتعليم الفرنسية في الخارج يُعفى من التجنيد الإجباري في الجيش، باعتباره يحمل مهمة وطنية لا تقل عن مهمة الدفاع عن الوطن، والنظرة نفسها عند الألمان الذين ترتبط اللغة في قلوبهم «بالقومية» الألمانية، وهي على ما تعرف في التاريخ القريب.
وتعليم العربية لغير الناطقين بها يجب أن تكون له غاية واضحة محددة، وهي غاية لا نستحيي من الجهر بها، وما ينبغي لنا ذلك، هذه الغاية هي تعليم العربية باعتبارها لغة الإسلام، وإذا اتضحت الغاية هكذا دون لبس
أو مناورة تحددت بعد ذلك مناهج العمل؛ في التخطيط، واختيار المقررات، وطرائق التعليم. ونعرض الآن لبعض ما نراه ضروريًّا في هذا المضمار.
التخطيط:
وتخطيط تعليم العربية لغير الناطقين بها ينبغي أن يستند إلى قرارات صادرة عن المستويات العليا، فما يصح أن يترك الأمر لأفراد يُفكرون في إنشاء معهد «خاص» لهذا الغرض، ولا لجامعة مفردة باعتبار هذا العمل استكمالًا لمجالات العمل الجامعي، وإنما لابد من المستويات العليا في اتخاذ قرارات عن تعليم العربية لغير الناطقين بها؛ لأنه يحتاج إلى إمكانيات مالية وبشرية هائلة، وهذا هو الوضع في البلاد المتقدمة التي نجحت في نشر لغاتها. وانظر إلى بريطانيا تجد أن تعليم الإنجليزية لغةً أجنبية من اختصاص مؤسسة وطنية ضخمة هي المجلس البريطاني British Council الذي أصبح الآن من أكبر المؤسسات العلمية والتعليمية في العالم، وهو يجاوز قدرات كثير من الجامعات. وانظر كذلك إلى معهد جوته Das Goethe Onstitue، باعتباره المؤسسة الوطنية المسؤولة عن تعليم الألمانية لغة أجنبية، واذهب لترى فروعه المنتشرة في ألمانيا وفي خارج ألمانيا، بل اذهب إلى مركزه الرئيسي في ميونيخ تدرك حجم العمل الهائل الذي يجري فيه. ومن العجيب أن ألمانيا الديموقراطية وقتذاك أنشأت هي الأخرى مؤسسة تنافس بها في تعليم الألمانية لغة أجنبية هي
معهد هردر Das Harder Institue ، والمنهج هنا مختلف؛ لأنهم يقدمون الألمانية التي تحمل «الثقافة» الماركسية. ولعلك تذكر معهد شملان البريطاني الذي حدثناك عنه؛ لم يكن مؤسسة خاصة بطبيعة الحال، بل كان مؤسسة بريطانية وطنية أنشئ بناء على قرارات عالية؛ إذ كان تابعًا لوزارة الخارجية البريطانية.
إن العمل في هذا الميدان لا يمكن أن يكون عملًا صغيرًا، بل هو بطبيعته عمل كبير جدًّا لا تنهض به إلَّا مؤسسات وطنية كبيرة، إذ كانت هناك «رسالة» واضحة محددة لهذا العمل.
وحيث إن القرارات العليا موجودة؛ فإن التخطيط يجب أن يكون علميًّا؛ يحدد الغايات والأهداف، ويحدد طريقة العمل في إعداد البحوث والمقررات والتنفيذ، ويحدد طريقة المتابعة والمراجعة والاختبار. ويحدد فوق ذلك طريقة التنسيق بين المراكز التي تتبع جامعات مختلفة، وهذه مسألة ينبغي التوقف عندها قليلًا. إن وجود معاهد مختلفة نافع جدًّا لا شك في ذلك؛ لأن التنافس عنصر جوهري في التقدم، لكن تعدد المعاهد يقتضي التنسيق، ويقتضي الاتصال العلمي المباشر حتى يمكن الإفادة من خبرات الآخرين، وحتى يمكن تحاشي أخطاء الآخرين، وحتى يمكن توفير كثير من الجهد والوقت والمال. والحق أن هذا التنسيق باهت جدًّا في الوقت الحاضر، ويكاد ينحصر في بعض المسائل الشكلية التي لا تجدي نفعًا، ونراه مطلبًا جوهريًّا حقيقًا باللفت له والتنبيه إليه؛ إذ من غير المنطقي أن نجد المعاهد التابعة لجامعة واحدة تعمل في انفصال كامل، بل تتبع جهات إشرافية متعددة، وذلك –دون جدال– لا يعين على النهوض بالرسالة.
اختيار المحتوى:
كل خطوة بعد ذلك في تعليم العربية لغير الناطقين بها تختلف اختلافًا ما عما عرضنا له في تعليم العربية لأبنائها؛ فنحن أمام متعلم له ثقافته، وله لغته الأولى، وله أهدافه من تعلم العربية.
ولا تزال المشكلة الكبرى تكمن في اختيار محتوى المقررات التعليمية، وليس في العالم العربي إلى الآن مقررات منظمة إلَّا تلك التي تقدمها الجامعات السعودية. لكنها على أية حال لا تزال في مراحل التجربة، ولا نزال ننتظر اختبارها الواقعي، وهي خطوة تمهيدية يمكن أن تثمر مقررات أكثر مواءمة مع مقتضيات هذا العمل.
وإذا كنا قد اقترحنا تحديد الغايات البعيدة في تعليم العربية لغة أجنبية في الهدف الإسلامي، فإن تحديد الأهداف التعليمية يجب أن تأخذ حظها من العناية؛ ماذا يهدف كل مقرر؟ وماذا يهدف المتعلم من كل مقرر؟ وعلينا أن نسعى أن تتلاقى أهداف التعليم وأهداف التعلم؛ لأن ذلك يسهم إسهامًا فاعلًا في نجاح العملية التعليمية كلها.
اختيار النمط:
ذكرنا أن اختيار المحتوى يتأثر بعوامل خارجية أهمها الأهداف، ومستوى المقرر، والوقت المحدد له. وحيث إن تعليم اللغة الأجنبية يتشعب في الأغلب إلى المرحلة المبتدئة والمتوسطة والمتقدمة؛ فإن المرحلة المبتدئة تقتضي اختيار النمط اللغوي من «النواة العامة» Common core للغة الفصيحة، وهي التي تكون أساس اللغة، ولا يمكن أن يستغني عنها متعلم. وهنا يظهر سؤال: أليس من المفيد أن نختار –إلى ذلك– نمط العامية العربية يتعلمها الطالب طالما أنه يعيش في بيئة عربية، وأنه مفروض عليه أن يتواصل في هذه البيئة بلهجتها السائدة فيها؟ هذا رأي يراه كثير من المهتمين بتعليم العربية لغير أبنائها خاصة في لبنان ومصر وتونس، ولكنا لا نوافق عليه بما شهدناه من تجربة الإسكندرية، ومما هو معمول به في المعاهد السعودية؛ ذلك أن تعليم العامية إلى جانب النمط الفصيح يفضي إلى ارتباك المتعلِّم، وهو يستغرق من الوقت المخصص للمقرر ما يمكن أن يكون أكثر نفعًا إذا وجه إلى درس الفصحى؛ ثمَّ إن العامية التي يتعلمها تعلمًا نظاميًّا لا تنفع إلَّا في بيئة محددة، وهو في الأغلب يريد أن يتعامل مع العالم العربي باختلاف اللهجات فيه. وقد أثبتت التجربة السعودية أن المتعلم يجيد الفصحى في زمن معقول، وهو في الوقت نفسه يستطيع أن يتواصل بالعامية السعودية دون أن تكون جزءًا من المقرر الدراسي، وذلك عن طريق التعامل المباشر في المجتمع، وهو في الحق لا يحتاج إلَّا إلى الاستعمالات العامية العامة التي تقترب اقترابًا كبيرًا من الفصحى، وذلك في مواقف الاستعلام والتحية والشراء. أما المواقف الأخرى فلا يجد مشكلة إذا استعمل النمط الفصيح.
على أن اختيار «النواة العامة» في اللغة الفصيحة ليس بالأمر الهين؛ لأنه يحتاج إلى جهود كبير تمهد له بعمل دراسات الشيوع على مستوى الكلمات وعلى مستوى الأبنية النحوية، وهو –على ما ذكرنا– ما لم يتم منه شيء حتى الآن في العالم العربي.
وفي المرحلتين المتوسطة والمتقدمة لا بد أن نبدأ بمزج الفصيحة المعاصرة بفصحى التراث، على أن يكون هذا المزج ممثلًا لروح «الثقافة» الإسلامية. ومن المنطقي ألا تكون المرحلة المتقدمة لأغراض عامة؛ بل يغلب عليها أن تكون موجهة لأغراض خاصة؛ ذلك أن المتعلم الذي يتعلم العربية لأغراض الاتصال العام يمكنه أن يكتفي بالمرحلتين الأولى والمتوسطة، أما الذي يريد أن يتقن علمًا خاصًّا فعلينا أن نختار له النمط اللغوي الذي يعينه على ذلك؛ وقد لاحظنا أن معظم الوافدين من البلاد الإسلامية لتعلم العربية يريدون دراسة الشريعة، أو أصول الدين، أو اللغة العربية، وبعضهم يريد دراسة الطب أو الهندسة، وهؤلاء ينبغي ألا يكون مقررهم التعليمي مقصورًا على المقرر اللغوي العام، بل لابد من اختيار «اللغة» التي تعده لدراسته التالية، ومن المهم جدًّا لأولئك الذين يتوجهون إلى الدراسات العملية ألا تخلو مقرراتهم من اللغة الخاصة بالثقافة الإسلامية.
سبق أن ذكرنا أن اختيار النمط يقتضي مقارنات علمية داخل اللغة، وهو ما لم نبدأ فيه حتى الآن.
بعد ذلك نبدأ في اختيار الكلمات، والأبنية الصرفية والنحوية وفقًا لقوائم الشيوع فيها. ولابد أن نشرع في دراسة العربية تقابليًّا باللغات الأُخرى، ونبدأ باللغات التي ينتمي إليها أكثر المتعلمين، حينذاك يمكن اختيار محتوى المقررات اختيارًا علميًّا.
ومن البدهي أن نتخلص من المقررات المبنية على النصوص المصطنعة غير الطبيعية؛ وأن تكون المقررات وظيفية، مؤسسة على التدريج الدوري، شاملة للمواقف والأدوار الاجتماعية التي سيواجهها المتعلم. وهذا كله يقتضي وجود أجهزة خاصة؛ ينهض كل جهاز بعمل محدد، لعل من أهمها وجود جهاز يعمل على جمع النصوص اللغوية الطبيعية ويصنفها وفق سياقاتها بحيث يكون لدينا «بنك للنصوص» يستمد منه واضعو المقررات ما يرونه مناسبًا للمرحلة والأهداف.
ومن الجوانب التي لا تزال ناقصة نقصًا معيبًا عدم وجود معاجم عربية أحادية حديثة، ومعظم المتعلمين للأسف الشديد يضطرون إلى استعمال معاجم ثنائية كتلك التي قدمها هانز فير Hans Wehr أو شرجله Schregle. والمعاجم اللغوية الثنائية تعوق التقدم السريع في تعلم اللغة وهو يشبه استعمال لغة وسيطة في قاعات الدرس، وهو أمر مرفوض في تعليم اللغات لغير أبنائها.
الإجراءات التعليمية:
لاشك أن العمل الذي يجري الآن في تعليم العربية لغير الناطقين
بها يَفْضلُ من حيث بعض الإجراءات التعليمية ما هو معمول به في
تعليم العربية لأبنائها؛ فثمة عدد من المختصين في علم اللغة ممن يعرفون الوصف العلمي للغات، ويتصلون بالجوانب الأخرى في العملية التعليمية كعلم اللغة النفسي وعلم اللغة الاجتماعي، ولديهم الاستعداد للتواؤم مع ما يستحدث من وسائل لتطوير تعليم اللغة الأجنبية، ويسعون في الأغلب إلى متابعة المؤتمرات التي تزخر بها المجتمعات المتقدمة في هذا الميدان، لكن ذلك كله لا يزال في حاجة إلى تطوير حقيقي؛ فليس مهمًّا أن تكون لدينا معامل لغوية، أو وسائل سمعية بصرية، أو حاسبات آلية، لكن المهم أن تكون لدينا «المواد» العربية الخاصة بهذه الوسائل من المكتبة الصوتية الشاملة، وأفلام المواقف اللغوية، والتدريب الذاتي، وبرامج الحاسب الآلي التي نُعدها نحن وفقًا لأهداف المقررات.
إعداد المدرسين:
وهذا عنصر من أهم عناصر القضية؛ إذ عليه يتوقف التنفيذ الفعلي في قاعات الدرس، وقد كان الشائع ولا يزال أن أي متخصص في اللغة العربية يصلح أن يدرس العربية لغةً أجنبية، بل إن عددًا من غير المختصين في العربية يتول تعليمها في أماكن كثيرة من العالم، وهذا خطأ بالغ، لا هؤلاء ولا أولئك يصلحون لهذا العمل؛ لأنه يحتاج إلى إعداد خاص، يشترط أولًا تخصصًا في العربية بحيث يكون عارفًا بتاريخها وأنماطها ونصوصها واستعمالها في الاتصال. ثم لابد له من إعداد علمي في علم اللغة التطبيقي يقف فيه على أساليب تعليم اللغة الأجنبية، ويمارس التجربة العملية تحت الإشراف، ثم لا يتوقف عند هذا الحد، بل لابد أن يتلقى كل فترة دورة تدريبية يطلع فيها على «تقويم» التجارب السابقة، وعلى ما يجد من مقررات وأساليب ووسائل.
والعالم العربي ينقصه ذلك، ولا توجد برامج علمية تنهض بهذا العبء
إلَّا الجامعة الأمريكية في القاهرة، والجامعات السعودية، على أن الدراسات التي تقدم هنا تحتاج إلى مراجعة حقيقية؛ من حيث شروط القبول،
ومواد الدراسة، وطريقة تنفيذها. ونود أن نلفت هنا إلى أن هذا التخصص يقتضي التفرغ الكامل؛ فلا تصلح معه الدراسات المسائية المتبعة حتى
الآن؛ لأنها تمثل –نفسيًّا– عملًا هامشيًّا؛ ولأن الدارس يأتي إليها وقد أرهقه عمله الصباحي، ونتائجها على أية حال غير مشجعة حتى الآن. وليس من المنطقي أن ننشئ أجهزة كبيرة ونزودها بالإمكانيات ثم لا نعتني بأهم عنصر في التنفيذ.

وبعد؛ فلم نشأ أن نفصل القول هنا في الجوانب الفنية في تعليم العربية لغير الناطقين بها؛ إذ نجتزئ هنا بما عرضناه من الخطوط العامة في هذا البحث. وإنما نعود إلى النقطة الجوهرية فيما نقصد إليه، وهو أن تعليم العربية لغير الناطقين بها يجب أن تكون غايته تعليم لغة الإسلام، وأنه لذلك فرض كفاية، لا تستطيع أن تنهض به إلَّا المؤسسات الكبيرة التي تتوافر لها الإمكانيات اللازمة، ونقترح مرة أخرى أن يكون هذا الواجب من واجبات «مركز بحوث تعليم اللغة العربية» الذي أشرنا إليه في الفصل السابق، على أن يكون له فرع خاص به، وقد يكون مفيدًا جدًّا في مراحل متقدمة أن يتكامل العملان.
الحمد لله رب العالمين