قراءة شحرور للقصص القرآني بين التحريف والتخريف (3)
قراءته لقصة نوح (ب)

طارق مصطفى حميدة
مركز نون للدراسات القرآنية/ فلسطين


استكمالاً لما بدأناه في الحلقة السابقة من فضح لتلبيسات شحرور وأباطيله بالنسبة لقصة نوح ، نعرض لنقاط جديدة في هذه المقالة الثالثة والتي ستشمل الرد على مزاعمه في خلو رسالة نوح من الشعائر و التشريعات، وسنوات لبثه في قومه.
أولاً: زعمه بأن رسالة نوح لم تتضمن شعائر ولا تشريعات
من العبر والعظات التي يستنبطها شحرور من قصة نوح في القرآن الكريم:" عدم وجود تشريعات من أي نوع، لأن مفهوم التشريع لم يوجد بعد، والمجتمعات ما زالت بدائية لا تجارة فيها ولا بيع ولا شراء، وجريمة القتل الأولى التي حصلت مع ابني آدم لم يشرع تحريمها إلهيا إلا على بني إسرائيل".
تلك كانت العبرة السادسة التي استخلصها شحرور من قصة نوح، وأما العبرة السابعة حسب قوله فهي:" عدم وجود شعائر تمثل أركان الإيمان كالصلاة والصوم والحج"[1].
والسؤال للشحرور أإذا لم تجد في قصة نوح ذكراً للتشريعات، تسارع إلى نفيها، وهل عدم الذكر يدل بشكل قاطع على عدم الوجود؟
إن حديث القرآن عن خطايا قوم نوح في قوله سبحانه:﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا فأُدخلوا ناراً﴾، يدل على تشريعات خالفوها، وكذلك فإن كلام نوح عن فجور قومه، في قوله: ﴿ إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً﴾، يفيد أن جريمة القوم تضمنت أمراً عقدياً بدلالة عبارة: ( كفاراً)، وآخر سلوكياً تشريعياً، بدلالة عبارة: ( فاجراً).
ثم بأي عقل يستنبط الشحرور أن جريمة القتل التي قام بها أحد ابني آدم بحق أخيه لم يشرع تحريمها إلهياً إلا على بني إسرائيل؟ وفيم قال القتيل لأخيه: ﴿ لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين﴾[ المائدة: 28-29]؟
فإذا لم يكن القتل محرماً فلمَ يخاف هذا الأخ من الله إن قتل أخاه، ثم يصف القتل بأنه إثم وظلم، وفيم يحذر أخاه من النار؟
وأين عقل الشحرور وهو يستنبط أن جريمة القتل لم يشرع تحريمها إلهياً إلا على بني إسرائيل؟ والآية الكريمة التي أراد أن يلوي عنقها لا تسعفه، وهي قوله تعالى: ﴿ من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾[ المائدة: 32]، إذ لا تتحدث الآية عن بدء تحريم القتل كما زعم، وإنما هي تتضمن تحذيراً شديد اللهجة، إن صح التعبير، لقوم لا يقيمون وزنا للحياة الإنسانية كي يرتدعوا عن القتل بتعظيم إثمه وعقابه، وفيها حث وترغيب في الحفاظ على الحياة الإنسانية وتعظيم لجزائه.
وحين يقول الشحرور: " وجريمة القتل الأولى التي حصلت مع ابني آدم لم يشرع تحريمها إلهيا إلا على بني إسرائيل"، فكأنه يوحي بأن الشرائع البشرية كشريعة حمورابي، قد سبقت التشريع الرباني، ومن يدري فلعل الوحي قد اتبع خطوات حمورابي في التشريع كما فعل في رواية قصة الطوفان على حد زعم شحرور!؟.
ثم ألا يذكر الشحرور بأن التشريعات الربانية للناس قد رافقت المسيرة البشرية منذ أول يوم؟، وإلا فما معنى الأمر لآدم وزوجه بالأكل من الجنة جميعها غير شجرة واحدة؟، ثم اتجه إليهم الخطاب: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾[ البقرة: 38-39]، بمعنى أن الله تعالى لن يترك البشر دون تشريعات.
وما قيل بالنسبة للتشريعات يقال للشعائر التعبدية، بمعنى أن عدم ذكرها لا يعني بالضرورة عدم وجودها، ومن جهة أخرى فالملاحظ أن الشحرور يجعلها ضمن أركان الإيمان خلافاً للحديث الشريف الذي يصنفها من أركان الإسلام.
ثانياً: عمر نوح
يقول الشحرور:" كانت الأعمار في عهد نوح لا تزيد أبداً عن الأعمار في يومنا هذا، بل لعلها كانت أقل، فلقد أثبتت الوثائق التاريخية أن متوسط الأعمار عند الفراعنة لا يزيد عن 40 عاماً، أما الزعم بأن عمر آدم كان ألف عام، وأن ( نوحاً )[2] لبث في قومه تسعمائة وخمسين عاماً يدعوهم إلى الإسلام فهذا ضرب من العبث والتخريف، لا نلوم عليه أصحاب التراث التوراتي لأن علوم التاريخ كانت مجهولة لديهم، لكننا نلوم المعاصرين الذين ما زالوا يظنون ويفرضون علينا ظنهم، أن الإنسان كان يعيشِ ألف عام وأكثر"[3].
المضحك المبكي أن الدكتور المهندس والمفكر العصري يستدل بالأعمار في العصر الفرعوني على الأعمار في فجر البشرية زمن نوح .
وأما الذين يتمسكون بصريح القرآن الكريم فهم عبثيون مخرفون عند الشحرور الذي يعمد إلى ( تأويل ) النص الصريح وحجته للتأوبل " أنه من حيث المبدأ ، إذا تعارض ظاهر نص قرآني مع حقيقة علمية ثابتة وجب اللجوء إلى التأويل، وإن تعارض فهمنا لنص قرآني مع حقيقة علمية ثابتة حكمنا بأن فهمنا للنص هو الخطأ وليس النص بذاته، لأن كلام الله تعالى بداهة لا يمكن ولا يجوز أن يتعارض مع كلماته أي مع قوانينه ونواميسه"[4].
ولن نناقش الشحرور في "المبدأ"!، بل سننظر كيف طبقه، حيث نلاحظ أنه يجعل كلام المؤرخين والبيولوجيين وعلماء الآثار بمثابة الحقائق العلمية اليقينية التي لا تقبل النقاش، وهذا ما لا يقول به حتى أولئك العلماء أنفسهم، ومن الطبيعي أن يكون في أقوالهم ما هو من قبيل النظريات أو الفرضيات والحقائق، فكيف يريدنا الشحرور أن نكذب كلام ربنا ونلوي أعناق آياته قي مواجهة نظريات لم تثبت وفرضيات لم تصمد، وتلفيقات متضاربة؟
لكنه قبل ذلك يطيل الاقتباس عن ما يسميه ( وثيقة تعود للقرن الثالث قبل الميلاد) تتحدث عن الملوك السومريين الذين حكموا بلاد الرافدين قبل الطوفان وبعدها، ثم يتحدث الزمن النسبي والسنة التي بألف مما نعدّ، ليقلبها فتصبح السنة في زماننا أكثر من 25 عاما من أعوام نوح وقومه.
وبعد ذلك يحاول أن يفرق بين مفردتي السنة والعام، وليقرر أن عبارة:﴿ ألف سنة إلا خمسين عاماً﴾، لا تساوي 950، حيث هما وحدتان مختلفتان، وهذا الذي يقرره ذكره العديد من العلماء، ومنهم من قرر بأن السنة في القرآن تطلق على الشمسية وقد تفيد الشدة، والأعوام للقمرية وقد تأتي للسعة والرخاء، والظاهر أن نوحاً لبث رسولا ألف سنة شمسية، منها خمسون عاماً قمرية مع المؤمنين بعد الطوفان، هذا إضافة إلى سنوات حياته قبل الرسالة، والله أعلم,
لكن شحرور لم يكن يبحث عن الحقيقة بل كان معنيا بالتلبيس والتدليس، وكان واضحا في هذا الموطن ومواطن عديدة أخرى أنه يلف ويدور ليلبس على القراء، حيث يطبق عملية الاجتهاد والتأويل ليقرر " أن القرآن استعمل التقويم الذي كان سائداً في عهد نوح وليس في تقويمنا نحن، فمتوسط أعمار البشر في نمو مستمر وليس العكس"[5].
فالسنون والأعوام عندهم كانت أقل بكثير من السنين والأعوام عندنا كما يقرر الشحرور، وبالتالي فالألف سنة التي تحدث عنها القرآن قد لا تساوي 40 عاما.
وإلى الملتقى بإذن الله.




[1]) شحرور، القصص القرآني، 2/ 17.

[2] ) في الكتاب : نوح

[3] ) شحرور، القصص القرآني، قراءة معاصرة، 2/ 49.

[4] ) شحرور، القصص القرآني، 2/ 51.

[5] ) شحرور، 2/ 53