قال تعالى: " وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً " [الأنبياء:78].
قال ابن تيمية - -: " هذان نبيان كريمان حكما في حكومة واحدة، فخص الله أحدهما بفهمهما، مع ثنائه على كل منهما بأن آتاه حكماً وعلماً. فكذلك العلماء المجتهدون للمصيب منهم أجران وللآخر أجر، وكلٌّ منهم مطيعٌ بحسب استطاعته، ولا يكلفُ اللهُ [ المجتهدَ ] ما عجزَ عن علمه ".

وبمثله قال القرطبي ـ ـ: " وقال جمهور أهل السنة ـ وهو المحفوظ عن مالك وأصحابه ـ : إن الحق في مسائل الفروع في الطرفين، وكل مجتهد مصيب، والمطلوب إنما هو الأفضل في ظنه ".

ومن هنا تأتي القاعدة الذهبية: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي المخالِف خطأ يحتمل الصواب
وهي قاعدة جليلة ليت الشباب يجعلونها شعاراً لهم، ففيها إظهار التواضع والضعف والتذلل لله وعدم ادعاء العصمة مِن الزلل التي هي لمالك الملك وحده .
لقد كانت شعار السلف من العلماء وطلبة العلم كما نقل ابن نجيم - - في الأشباه والنظائر: " إذا سُئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفينا في الفروع يجب علينا أن نجيب: بأن مذهبنا صواب يحتمل الخطأ، ومذهب مخالفينا خطأ يحتمل الصواب؛ لأنك لو قطعت القول لم يصح قولنا: إن المجتهد يخطئ ويصيب ".

ومن أقوالهم في هذا الباب:
- قال سفيان الثوري ـ ـ: " ما اختلف فيه الفقهاء فلا أنهى أحداً من إخواني أن يأخذ به ".
- وقال يحيى بن سعيد ـ ـ: " ما برح أولو الفتوى يختلفون، فيُحِل هذا ويحرم هذا، فلا يرى المحرّم أن المحل هلك لتحليله، ولا يرى المحل أن المحرم هلك لتحريمه ".
- وقال أبو حنيفة ـ ـ: " هذا رأيي فمن جاءني بخيرٍ منه قبلناه ".
- قال ابن القيم ـ ـ معقباً: " ولو كان هو عين حكم الله لمَا ساغ لأبي يوسف ومحمد [ابن الحسن الشيباني] وغيرهما مخالفته فيه.. ولو علِموا ـ ـ أن أقوالهم يجب اتباعها؛ لحرموا على أصحابهم مخالفتهم ".
- ومن أجمل الحكايات فيها ما قال ابن حزم ـ ـ: " قد يخطئ الفاضل ـ ما لم يكن معصوماً ـ، ولو أن ذلك الفاضل لاح له ما لاح لك لرجع إليك، ولو لم يفعل لكان غير فاضل.
وأخبِرُكَ بحكاية لولا رجاؤها في أن يسهُل بها الإنصاف عَن مَن لعله ينافر، ما ذكرناها وهي: أني ناظرت رجلاً من أصحابنا في مسألة فعلوتُهُ فيها لبكوء [تلعثم] كان في لسانه وانفضَّ المجلس على أني ظاهر. فلما أتيت منزلي حاك في نفسي منها شيء، فتطلبتها بعض الكتب فوجدت برهاناً صحيحاً يبين بطلان قولي وصحة قول خصمي، وكان معي أحد أصحابنا ممن شهد ذلك المجلس فعرَّفته بذلك، ثم إني قد عَلَّمت على المكان من الكتاب.
فقال لي: ما تريد؟
قلت: حمْلَ هذا الكتاب وعرضَه على فلان، وإعلامَه بأنه المحِق، وأني كنت المبطل، وأني راجعٌ إلى قوله.
فهجم عليه من ذلك أمر مبهت، وقال لي: وتسمح نفسك بهذا ؟
فقلت له: نعم، ولو أمكنني ذلك في وقتي هذا، ما أخرته إلى غد ".

ألست يا أُخيَّ تطلب الحق ؟
بما أنك تطلب الحق فينبغي عليك الفرح به من أي مكان ظهر، سواء أكان ظهوره على يديك أم من طريق مخالِفك.