التَّوْجِيْهَاتُ العَشَرَةُ المُعِيْنَةُ على حِفْظِ كُتُبِ السُّنَّةِ
وبَعْضِ أسَانِيْدِهَا

هَذَا أوَانُ الشُّرُوْعِ إلى ذِكْرِ التَّوْجِيْهَاتِ العَشَرَةِ المُعِيْنَةِ على حِفْظِ كُتُبِ السُّنَّةِ وبَعْضِ أسَانِيْدِهَا، كَمَا أدَّاهُ اجْتِهَادِي الكَلِيْلُ، وبَلَغَهُ فِكْرِي العَلِيْلُ، ومَا على المُحْسِنِيْنَ مِنْ سَبِيْلٍ، فمِنْ هَذِهِ التَّوْجِيْهَاتِ والوَصَايَا مَا يَلي باخْتِصَارٍ :
أوَّلًا : يَنْبَغِي على طَالِبِ العِلمِ مِمَّنْ تَغَيَّا حِفْظَ «الصَّحِيْحَيْنِ» أنْ يَسْتَحْضِرَ شَرْطَ الإخْلاصِ، وإلَّا فَلَا يَتَعَنَّى؛ لِأنَّ الطَّرِيْقَ مَسْدُودٌ في الآخِرَةِ!
ثُمَّ عَلَيْهِ بَعْدَئِذٍ أنْ يَحْمِلَ نَفْسَهُ على العَمَلِ بِمَا يَحْفَظُهُ مِنَ العِلْمِ، وإلَّا فَلا يَتَكَلَّفْ؛ لِأنَّ الطَّرِيْقَ مَسْدُودٌ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ!
ومَا كَانَ حِفْظُ القَوْمِ إلَّا بِالعَمَلِ! لِذَا كَانَ مِنْ مَسَالِكِ عِلْمِ السَّلَفِ أنَّهُمْ يَعْمَلُوْنَ بِمَا يَعْلَمُوْنَ، لأجْلِ هَذَا كَانُوْا يَسْتَعِيْنُوْنَ على الحِفْظِ بِالعَمَلِ .
ثُمَّ عَلَيْهِ أنْ يُوَطِّنَ نَفْسَهُ على هِمَّةٍ عَالِيَةٍ، وإرَادَةٍ حَازِمَةٍ، وفَهْمٍ صَافٍ، ووَقْتٍ مُنَاسِبٍ، وإلَّا فَإنَّ الَطَّرِيْقَ سَيَطُوْلُ، ورُبَّمَا انْقَطَعَ بِهِ، وهُوَ بَعْدُ!
ثُمَّ عَلَيْهِ أنْ يَسْتَعِيْنَ باللهِ تَعَالى في حِفْظِهِ أوَّلًا، ثُمَّ لَهُ بَعْدَئِذٍ أنْ يَسْتَعِيْنَ بِمَنْ شَاءَ مِنْ طُلَّابِ العِلْمِ الصَّادِقِيْنَ على حِفْظِ «الصَّحِيْحَيْنِ»؛ تَسْلِيَةً لِلنَّفْسِ على المُوَاصَلَةِ، وتَنْفِيْسًا لِلقَلبِ على المُرَاغَمَةِ .
وإلَّا فَمَعَ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا أسْلَمَ لَهُ وأفْضَلَ؛ لأنَّهُ أجْمَعَ لنَفْسِهِ وقَلْبِهِ، وأنْفَعَ لضَبْطِهِ وحِفْظِهِ؛ لِصَفَاءِ الذِّهْنِ، واجْتِمَاعِ النَّفْسِ، وشَاهِدُ الحَالِ قَائِمٌ.
وأيَّا كَانَ الأمْرُ مِنْهُمَا؛ فَعَلَيْهِ أنْ يَقْطَعَ نَفْسَهُ عَنِ الصَّوَارِفِ والشَّوَاغِلِ، لأنَّ الصَّوَارِفَ تَقْطَعُ عَلَيْهِ الطَّرِيْقَ، والشَّوَاغِلَ تُطِيْلُهُ بالمِلالِ والسَّآمَةِ، وكِلَاهُمَا عَائِقٌ قَلَّ مَنْ نَجَى مِنْهُمَا، والحَافِظُ هُوَ اللهُ تَعَالى!
ثُمَّ اعْلَمْ؛ أنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَوْجِيْهَاتٍ هُنَا؛ لَمْ تَكُنْ خَاصَّةً بحَافِظِ السُّنَّةِ وقَاصِدِهَا، بَل هِيَ لَهُ، ولِكُلِّ مَنْ سَلَكَ طَرِيْقًا إلى طَلَبِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ بِعَامَّةٍ!
* * *
ثُمَّ ثَانِيًا : عَلَيْهِ أنْ يَبْدَأ أوَّلًا بِحِفْظِ «صَحِيْحِ البُخَارِيِّ»، ثُمَّ يُعَرِّجَ ثَانِيًا على حِفْظِ «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ»، وفي تَقْدِيْمِ البُخَارِيِّ على مُسْلِمٍ بَحْثٌ جَاءَ مُفَصَّلًا في كُتُب عُلُومِ الحَدِيْثِ، ولاسِيَّما فِيما ذَكَرَهُ ابنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ الله في كِتَابِهِ : «هُدَى السَّاري»، فَانْظُرْهُ مَشْكُوْرًا .
ومَنْ أرَادَ تَقْدِيْمَ «صَحِيْحَ مُسْلِمٍ» على «صَحِيْحِ البُخَارِيِّ»؛ فَلَهُ مَا يُرِيْدُ، بالشَّرْطِ المُعْتَبرِ عِنْدَنا، كَمَا جَاءَ هُنَا في تَقْدِيْمِنَا للبُخَارِيِّ على مُسْلِمٍ .
* * *
ثُمَّ ثَالِثًا : عَلَيْهِ أنْ يَحْفَظَ «صَحِيْحَ البُخَارِيِّ» كَامِلًا، أيْ : حِفْظَ أحَادِيْثِهِ وآثَارِهِ ومُعَلَّقَاتِهِ، وذَلِكَ مِنْ خِلَالِ نُسْخَةٍ صَحِيْحَةٍ مُعْتَمَدَةِ، ويَحْضُرُني الآنَ مِنْهَا : طَبْعَةُ وتَحْقِيْقُ أخِي الشَّيْخِ نَظْرٍ الفَارِيابيُّ، وطَبْعَةُ دَارِ طَوْقِ النَّجَاةِ، ولِكُلٍّ مِنْهُما مَيْزَةٌ وفَضِيْلَةٌ، والأولى أفْضَلُ للحِفْظِ والمُرَاجَعَةِ .
* * *
ثُمَّ رَابِعًا : عَلَيْهِ أنْ يُحَدِّدَ لَهُ في الحِفْظِ كُلَّ يَوْمٍ عَدَدًا مِنَ الأحَادِيْثِ، لا تَقِلُّ عَنْ خَمْسِيْنَ حَدِيْثًا تَقْرِيْبًا، وإلَّا يَكُنْ، فَهُوَ بِالخِيَارِ .
ولَهُ أيْضًا أنْ يَخْتَارَ مِنَ الأوْقَاتِ : أسْكَنَهَا للقَلْبِ، وأصْفَاهَا للذِّهْنِ، ولا أظُنُّهُ غَالِبًا إلَّا بَعْدَ صَلاةِ الفَجْرِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ عَامَّةُ أهْلِ العِلْمِ .
وأيًّا كَانَ اخْتِيَارُ الوَقْتِ؛ فالعِبْرَةُ بِمَا هُوَ أنْفَعُ للحَافِظِ، وأجْمَعُ لحِفْظِهِ.
* * *
ثُمَّ خَامِسًا : عَلَيْهِ أنْ يُرَاعِيَ في حِفْظِهِ مَا يَلي :
أنْ يَحْفَظَ الأحَادِيْثَ القَصِيْرَةَ لَفَظًا ومَعْنًى، وأمَّا حِفْظُ الأحَادِيْثِ الطَّوِيْلَةِ فَلْيَكُنْ بِالمَعْنَى والتَّدَبُّرِ .
وإنْ كَانَ مِمَّنْ أُوْتِيَ ذِهْنًا صَافِيًا وحَافِظَةً وَقَّادَةً؛ فَلَهُ حِفْظُهَا كَالقَصِيْرَةِ لَفَظًا ومَعْنًى، ومِثْلُ هَذِهِ الحَافِظَةِ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا، بَلْ لهَا حُكْمُ النَّادِرِ .
ثُمَّ اعْلَمْ (هَدَاني اللهُ وإيَّاكَ) : أنَّ أكْثَرَ رُوَاةِ الحَدِيثِ وأهْلِهِ (بَعْدَ عَصْرِ التَّدْوِيْنِ) لَمْ يَكُنْ حِفْظُهُم لِلأحَادِيْثِ الطِّوَالِ قَائِمًا على حِفْظِ الحَدِيْثِ بَفِصِّهِ ونَصِّهِ، بَلْ كَانَ حِفْظُهُم مُنْصَبًّا على المَعْنَى، ومَعَ هَذَا فَقَدْ كَانَ بَيْنَهُمْ نَفَرٌ : هُم حُفَّاظٌ مُتْقِنُونَ!
لأجْلِ هَذَا؛ فَإنِّي أدْعُوْا إخْوَاني طُلَّابَ العِلْمِ ألَّا يَقِفُوْا كَثِيْرًا مَعَ حِفْظِ ألْفَاظِ الأحَادِيْثِ الطِّوَالِ، بَلْ يَكْفِي مِنْهَا المَعْنَى، الَّذِي لا يَسْتَقِيْمُ لَهُم إلَّا بَعْدَ التَّدَبُّرِ والتَّأمُّلِ في ألْفَاظِ الحَدِيْثِ .
ومَا ذَكَرْتُهُ هُنَا؛ لم يَكُنْ إلَّا بَعْدَ أنْ بَاتَ مَعْلُوْمًا لعَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ الأحَادِيْثَ النَّبَوِيَّةَ قَدْ دُوِّنَتْ في الدَّوَاوِيْنِ؛ لِذَا فَهِي مَحْفُوْظَةٌ مَصُوْنَةٌ مِنَ التَّصْحِيْفِ والتَّحْرِيْفِ .
كَمَا أنَبِّهُ أيْضًا؛ أنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ قَبْلَ التَّدْوِيْنِ، وبَعْدَ تَدْوِيْنِهِ، فَافْهَمْ هَذَا فَإنَّهُ عَزِيْزٌ .
هَذَا إذَا عَلِمْنَا جَمِيْعًا؛ أنَّ أكْثَرَ أهْلِ العِلْمِ مِنَ المُحَدِّثِيْنَ والفُقَهَاءِ وغَيْرِهِمْ قَدْ ذَهَبُوا إلى جَوَازِ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ بِالمَعْنَى، بِشَرْطِ ألَّا يُحِيْلَ المَعْنَى، أو يُفْسِدَ المَبْنَى، في غَيْرِهَا مِنَ الشُّرُوْطِ المُعْتَبَرَةِ عِنْدَ أهْلِ الأثَرِ .

* * *
ثُمَّ سَادِسًا : عَلَيْهِ أنْ يُرَاعِيَ في حِفْظِهِ مَا يَلي :
أنْ يَحْفَظَ مِنَ «الصَّحِيْحَيْنِ» المُتُونَ دُوْنَ الأسَانِيْدِ، وهَذِهِ الحَيْثِيَّةُ لِمَنْ رَامَ الاشْتِغَالَ بِالعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ الأخْرَى : مِنْ تَفْسِيْرٍ وعَقِيْدَةٍ وفِقْهٍ ولُغَةٍ إلى آخِرِهَا .

بِمَعْنَى : أنَّ مَنْ أرَادَ مِنْ نَفْسِهِ أنْ يَكُوْنَ طَالِبًا مُتَفَنِّنًا، ونَاظِرًا مَوْسُوْعِيًّا في أغْلَبِ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ الأخْرَى، فَلا يَتَعَنَّى حِفْظَ أسَانِيْدِ كُتُبِ السُّنَّةِ!
أمَّا مَنْ أرَادَ النُّبُوْغَ والتَّخَصُّصَ في عِلْمِ الحَدِيْثِ، وأنَّ يَكُوْنَ مِنْ زُمْرَةِ المُحَدِّثِيْنَ، أيْ : يَكُوْنَ حَافِظًا مُحَدِّثًا، عَالمًا بعِلْمِ الرِّوَايَةِ والدِّرَايَةِ، مُشْتَغِلًا بكُتُبِ السُّنَّةِ تَصْحِيْحًا وتَضْعِيْفًا، ووَاقِفًا على رِجَالاتِهَا تجْرِيْحًا وتَعْدِيلًا ... فَلَهُ والحَالَةُ هَذِهِ أنْ يَحْمِلَ نَفْسَهُ على حِفْظِ أحَادِيْثِ الكُتُبِ السِّتَّةِ مَتْنًا وسَنَدًا، وإلَّا بَيْنَهُ وبَيْنَ حُفَّاظِ الحَدِيْثِ وأهْلِهِ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ، وقَدْ بَسَطْنَا الحَدِيْثَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ في كِتَابِنَا «أوْهَامِ الرَّائِدِ»، فَفِيْهِ زِيَادَةُ تَفْصِيْلٍ .
أمَّا أنْ يُرِيْدَ طَالِبُ العِلْمِ الاشْتِغَالَ بِحِفْظِ الأسَانِيْدِ، ثُمَّ يُرِيْدُ مَعَ هَذَا أيْضًا أنْ يَكُوْنَ إمَامًا في التَّفْسِيْرِ والفِقْهِ والعَقِيدَةِ؛ فَهَذَا شَيْءٌ قَدْ انْطَوَى بِسَاطُهُ مِنْ أزْمَانٍ بَعِيْدَةٍ، واللهُ المُسْتَعَانُ!
ومَعَ هَذَا فَهُنَاكَ نَفَرٌ لَا يَتَجَاوَزُوْنَ أصَابِعَ اليَدِ الوَاحِدَةِ مِنْ أهْلِ عَصْرِنَا قَدْ رَامُوْا مِثْلَ هَذِهِ المَرَاتِبِ، مِنَ الحِفْظِ والنُّبُوْغِ والتَّحْصِيْلِ والإحَاطَةِ بِأكْثَرَ العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، ومَعَ هَذَا أيْضًا فَإنَّهُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِم، والوَاقِعُ شَاهِدٌ على مَا هُنَا، واللهُ خَيْرُ شَاهِدٍ .
* * *
لِذَا؛ فَمَنْ أرَادَ تَسَنُّمَ مَرَاتِبَ المُحَدِّثِيْنَ : فَعَلَيْهِ ألَّا يَقْتَصِرَ على حِفْظِ رِجَالِ الصَّحِيْحَيْنِ فَقَطَ، وإلَّا كَانَ مُغَالِطًا لنَفْسِهِ، مُخَالِفًا لتَرْسِيْمِ أهْلِ الحَدِيْثِ في نَهْجِ حِفْظِهِم للسُّنَّةِ!
فقُلِّي برَبِّكَ! مَا ذَا يُرِيْدُ الطَّالِبُ بحِفْظِ رِجَالِ الصَّحِيْحَيْنِ دُوْنَ حِفْظِ رِجَالِ السُّنَنِ الأرْبَعِ؟
هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ رِجَالَ الصَّحِيْحَيْنِ : قَدْ تَجَاوَزُوا القَنْطَرَةَ، كَمَا قِيْلِ!
فَالاقْتِصَارُ على حِفْظِ رِجَالِ الصَّحِيْحَيْنِ فَقَطُ : هُوَ في حَقِيْقَتِهِ تَحْصِيْلُ حَاصِلٍ، لا يَسْتَقِيْمُ والحَالَةُ هَذِهِ مَعَ مَنْ أرَادَ أنْ يَكُوْنَ عَالمًا رَاسِخًا مُتَفَنِّنًا في عَامَّةِ العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لأنَّ الزَّمَنَ يَسِيْرُ، والعُمُرُ قَصِيْرٌ، والعِلْمُ كَثِيْرٌ!
كَمَا فِيْهِ : مُنَاغَصَةٌ للإخْلاصِ، ومُدَاخَلَةٌ لسَبِيْلِ الرِّيَاءِ، كَمَا فِيْهِ مُسَارَقَةٌ لحُظُوْظِ النَّفْسِ!
ومَا عَسَاهُ يُرِيْدُ المُقْتَصِرُ على حِفْظِ رِجَالِ الصَّحِيْحَيْنِ؟
فَإذَا كَانَ يُرِيْدُ أنْ يَقِفَ على مَعْرِفَةِ صَحِيْحِ أحَادِيْثِ «الصَّحِيْحَيْنَ» مِنْ ضَعِيْفِهَا، فحَسْبُهُ أنَّ الإجْمَاعَ وَاقِعٌ على صِحَّةِ أحَادِيْثِ «الصَّحِيْحَيْنِ» إلَّا مَا كَانَ في أحْرُفٍ يَسِيْرَةٍ .
كَمَا عَلَيْهِ أنْ يَعْلَمَ : أنَّ للرِّيَاءِ مَوَاطِنَ وعُشَشًا لا يَخْلُو مِنْهَا مَجْلِسُ عِلْمٍ غَالِبًا، لاسِيَّما مَجَالِسُ الإمْلاءَاتِ الحَدِيْثِيَّةِ، يَوْمَ كَانَ المُحَدِّثُوْنَ يَتَكَاثَرُوْنَ في سَرْدِ أسَانِيْدِ أحَادِيْثِهِم بَيْنَ طُلَّابِهِم، الأمْرُ الَّذِي دَفَعَ بَعْضَ أهْلِ الحَدِيْثِ إلى الإمْسَاكِ عَنِ التَّحْدِيْثِ خَوْفًا مِنَ الرِّيَاءِ والعُجْبِ، (وقَلَّ أحَدٌ سَلِمَ مِنْهُم إلَّا مَنْ سَلَّمَهُ الله، وقَلِيْلٌ مَا هُم!)، لِذَا كَانَ أكْثَرُهُم يَتَحَرَّجُ مِنْ سَرْدِ الأسَانِيدِ إلَّا مَا لا بُدَّ مِنْهُ، وإنْ شِئْتَ أنْ تَقِفَ على أخْبَارِ المُحَدِّثِيْنَ المُسْنِدِيْنَ الصَّادِقِيْنَ، فَلا إخَالُكَ تَجِدُهُم إلَّا في كِتَابٍ أو تَحْتَ تُرَابٍ، أمَّا اليَوْمَ فَلَعَلَّ وعَسَى أنْ يَكُوْنُوا!
لِذَا كَانَ مِن لَطِيْفِ الشَّفَقَةِ والنَّصِيْحَةِ بطَالِبِ الحَدِيْثِ إذَا أرَادَ أنْ يَحْفَظَ نَفْسَهُ مِن دُخُوْلاتِ الرِّيَاءِ والسُّمْعَةِ : فَعَلَيْهِ أنْ يَحْفَظَ أسَانِيْدَ الكُتُبِ السِّتَّةِ جَمِيْعًا، كَيْ يَسْلَمَ مِنْ ذَا وغَيْرِه، لأنَّهُ بحِفْظِهِ للرِّجَالِ جَمِيعًا يَكُوْنُ بَعِيْدًا عَنْ مَظْنُوْنَاتِ الرِّيَاءِ والسُّمْعَةِ، لأنَّ العَادَةَ جَارِيَةٌ بَيْنَ أهْلِ الحَدِيْثِ أنَّ الرَّجُلَ إذَا أرَادَ أنْ يَدْخُلَ في زُمْرَةِ المُحَدِّثِيْنَ : أنْ يَكُوْنَ حَافِظًا لأسَانِيْدِ كُتُبِ السُّنَّةِ، لاسِيَّما أسَانِيْدُ الكُتُبِ السِّتَّةِ، لأنَّهُ بِهَذَا سَوْفَ يَقِفُ ضَرُوْرَةً على مُحَاكَمَةِ رِجَالِ كُتُبِ السُّنَّةِ رَدًّا وقَبُوْلًا، جَرْحًا وتَعْدِيْلًا، لِذَا كَانَ في حِفْظِهِ للرِّجَالِ هُنَا تَحْقِيْقًا لدَعْوَاهُ، وتَصْدِيْقًا لانْتِسَابِهِ للمُحَدِّثِيْنَ، وإلَّا كَذَّبُوا دَعْوَاهُ، وحَذَّرُوا مِنْهُ!

* * *
ثُمَّ سَابِعًا : على طَالِبِ العِلْمِ ألَّا يَقِفَ كَثِيْرًا مَعَ مُرَاجَعَةِ أحَادِيْثِ «البَابِ» الَّذِي قَدْ حَفِظَهُ مِنْ «صَحِيْحِ البُخَاري» .
أيْ : لَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يَأْخُذَ عَهْدًا على نَفْسِهِ بألَّا يُغَادِرَ بَابًا مِنْ أبْوَابِ «صَحِيْحِ البُخَارِيِّ» إلَّا وقَدْ أتْقَنَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلبٍ، بَل يَكْفِيْهِ مِنْ ذَلِكَ أنْ يُرَاجِعَهُ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلَاثَةً فَقَط، لأنَّهُ سَوْفَ يَقِفُ ضَرُوْرَةً على مُرَاجَعَةِ أكْثَرِ الأحَادِيْثِ تِبَاعًا، وذَلِكَ عِنْدَ حِفْظِهِ لمَا سَيَأتي مِنَ بَقِيَّةِ أحَادِيْثِ «الصَّحِيْحِ»، يُوَضِّحُهُ
مَا يَلي :
أنَّ أحَادِيْثَ البُخَارِيِّ، فِيْمَا قِيَلَ : أنَّها تَزِيْدُ على نَيِّفٍ وثَلَاثِمَائَةٍ وسَبْعَةِ آلافِ حَدِيْثٍ بِالمُكَرَّرِ (7397)، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ في طَبْعَةِ الرِّسَالَةِ نَاشِرُوْنَ .
وبِدُوْنِ المُكَرَّرِ نَحْوُ ألْفَيْنِ وسِتِّمَائَةِ حَدِيْثٍ تَقْرِيْبًا (2600)، الأمْرُ الَّذِي سَيَقِفُ بطَالِبِ العِلمِ ضَرُوْرَةً على مُرَاجَعَةِ أكْثَرِ الأحَادِيْثِ الَّتِي مَرَّتْ مَعَهُ سَابِقًا .
وبِهَذَا؛ يَسْتَطِيْعُ حَافِظُ «صَحِيْحِ البُخَارِيِّ» أنْ يَقْطَعَ بِأنَّهُ في حَقِيْقَةِ الأمْرِ لم يَحْفَظْ مِنَ «الصَّحِيْحِ» إلَّا أقَلَّ مِنَ الثُّلُثِ تَقْرِيْبًا، بِمَعْنَى أنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ إلَّا الأصُولَ غَيْرَ المُكَرَّرَةِ، ومَا جَاءَ بِطَرِيْقِ التَّكْرَارِ فَهُوَ زِيَادَةٌ لَهُ في الحِفْظِ والتَّذْكِيْرِ لمَا مَضَى مِنَ الأحَادِيثِ .
* * *
ثُمَّ ثَامِنًا : عَلَيْهِ أيْضًا بَعْدَ حِفْظِهِ «لِصَحِيْحِ البُخَارِيِّ» ألَّا يَقِفَ كَثِيْرًا مَعَ مُرَاجَعَتِهِ .
أيْ : لَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يَأْخُذَ عَهْدًا بِألَّا يُغَادِرَ «صَحِيْحَ البُخَارِيِّ»؛ حَتَّى يُتْقِنَهُ حَدِيْثًا حَدِيْثًا .
بَل عَلَيْهِ أنْ يَنْتَقِلَ إلى حِفْظِ «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ» مُبَاشَرَةً، لأنَّهُ سَوْفَ يَقِفُ ضَرُوْرَةً على مُرَاجَعَةِ أحَادِيْثِ «صَحِيْحِ البُخَارِيِّ» تِبَاعًا، وذَلِكَ عِنْدَ حِفْظِهِ لأحَادِيْثِ «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ»، يُوَضِّحُهُ مَا يَلي :
أنَّ أحَادِيْثَ مُسْلِمٍ، فِيْمَا قِيَلَ : أنَّهَا تَزِيْدُ بِالمُكَرَّرِ على سَبْعَةِ آلافِ حَدِيْثٍ تَقْرِيْبًا (7563)، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ في طَبْعَةِ الرِّسَالَةِ نَاشِرُوْنَ .
وبِدُوْنِ المُكَرَّرِ قَرِيْبًا مِنْ أرْبَعَةِ آلَافِ حَدِيْثٍ (4000) .
* * *
ثُمَّ إذَا أرَدْنَا أنْ نَتَحَقَّقَ مِنْ زَوَائِدِ «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ» على «صَحِيْحِ البُخَارِيِّ» فَلا بُدَّ أنْ نَقِفَ على أقْوَالِ أهْلِ العِلْمِ في تَحْرِيْرِهِم لضَابِطِ الاتِّفَاقِ بَيْنَ الأحَادِيْثِ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ مَذْهَبَيْنِ ووَسَطٍ، كَمَا يَلي :
المَذْهَبُ الأوَّلُ : مَنْ حَدَّ ضَابِطَ الاتِّفَاقِ بَيْنَ الأحَادِيْثِ : بالنَّظَرِ إلى اتِّفَاقِ مَخْرَجِ الحَدِيْثِ سَنَدًا ومَتْنًا مَعًا، كَما لو أخْرَجَ البُخَارِيُّ المَتْنَ مِنْ طَرِيْقِ أبي هُرَيْرَةَ، وخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيْقِ ابنِ عُمَرَ، فَكِلاهُما : حَدِيْثَانِ، وهَكَذَا .
فَكُلُّ حَدِيْثٍ اخْتُلِفَ مَخْرَجُهُ يُعْتَبَرُ : حَدِيْثًا آخَرَ، ولَو اتَّفَقَ لَفْظُهُ ومَعْنَاهُ .
وهَذَا التَّحْقِيْقُ هُوَ الجَارِي على اصْطِلاحِ جَمْهُوْرِ المُحَدِّثِيْنَ؛ لأنَّهم لا يُطْلِقُوْنَ الاتِّفَاقَ على الأحَادِيْثِ إلَّا إذَا اتَّحَدَتْ مَخَارِجُهَا واتَّفَقَتْ مُتُوْنُهَا .
وعَلَيْهِ جَرَى اصْطِلاحُهُم في مَعْرِفَةِ ضَابِطِ زَوَائِدِ الأحَادِيْثِ بَعْضِهَا على بَعْضٍ، وذَلِكَ بالنَّظَرِ إلى اخْتِلافِ الرَّاوي، ولو اتَّفَقَتْ مُتُوْنُ الأحَادِيْثِ، وكَذَا بالنَّظَرِ إلى اخْتِلافِ بَعْضِ الألْفَاظِ، ولو بزِيَادَةٍ يَسِيْرَةٍ، سَوَاءٌ في زَوَائِدِ «الصَّحِيْحَيْنِ» أو غَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ .

المَذْهَبُ الثَّاني : مَنِ اعْتَبَر اتِّفَاقَ الأحَادِيْثِ : بالنَّظَرِ إلى اتِّفَاقِ اللَّفْظِ فَقَطُ، دُوْنَ اعْتِبَارٍ في اخْتِلافِ الرَّاوي، وهَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الحَافِظُ أبو بَكْرٍ الجَوْزَقيُّ رَحِمَهُ الله .
وعَلَيْهِ؛ جَرَى اصْطِلاحُهُ رَحِمَهُ الله في مَعْرِفَةِ زَوَائِدِ مُسْلِمٍ على البُخَارِيِّ : بالنَّظَرِ إلى اخْتِلافِ اللَّفْظِ، لا باخْتِلافِ الرَّاوي .
أيْ : كُلُّ حَدِيْثٍ اخْتُلِفَ مَخْرَجُهُ، واتَّفَقَ لَفْظُهُ يُعْتَبرُ عِنْدَهُ : حَدِيْثًا وَاحِدًا .
كمَا لو أخْرَجَ البُخَارِيُّ المَتْنَ مِنْ طَرِيْقِ أبي هُرَيْرَةَ، وخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيْقِ ابنِ عُمَرَ، فَكِلاهُمَا : حَدِيْثٌ وَاحِدٌ .

القَوْلُ الوَسَطُ : وهُوَ التَّفْرِيْقُ بَيْنَ أحَادِيْثِ «الصَّحِيْحَيْنِ» وبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ أحَادِيْثِ كُتُبِ السُّنَّةِ .
بمَعْنَى : أنَّ مَذْهَبَ الجَمْهُوْرِ مُتَحَقِّقٌ ومُتَعَيِّنٌ في ضَبْطِ اتِّفَاقِ أحَادِيْثِ غَيْرِ «الصَّحِيْحَيْنِ» مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ الأخْرَى، وأنَّ مَذْهَبَ الحَافِظِ الجَوْزَقيِّ جَارٍ ومُتَّجهٌ في أحَادِيْثِ «الصَّحِيْحَيْنِ» فَقَط .
وجَاءَ تَرْجِيْحُ هَذَا القَوْلِ عِنْدَنَا لأمُوْرٍ سَيَأتي ذِكْرُهَا إنْ شَاءَ الله .
عِلمًا أنَّني لا أعْلَمُ أحَدًا سَبَقَني إلى هَذَا الجَمْعِ، إلَّا أنَّهُ مِنَ المَسَالِكِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي يَسَعُهَا بَابُ الاجْتِهَادِ، لاسِيَّما وأنَّني لم أخْرُجْ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، ولم أخْرُجْ عَنْهُما، فمِنَ الأمُوْرِ المُرَجِّحَةِ عِنْدَنَا لهَذَا القَوْلِ أمْرَانِ :

الأمْرُ الأوَّلُ : أنَّ غَالِبَ أحَادِيثِ «الصَّحِيْحَيْنِ»، لا يَحْتَاجُ تَصْحِيْحُهَا إلى مُتَابَعَاتٍ وشَوَاهِدَ، لكَوْنِهَا صَحِيْحَةً بذَاتِهَا، خِلافًا لأحَادِيْثِ كُتُبِ السُّنَةِ الأخْرَى الَّتِي يَحْتَاجُ تَصْحِيْحُ أكْثَرِ أحَادِيْثِهَا إلى مُتَابَعَاتٍ وشَوَاهِدَ، ممَّا هُوَ مَعْلُوْمٌ لَدَى أهْلِ الشَّأنِ .
لِذَا؛ فَقَدِ اسْتَقَرَّتْ كَلِمَةُ عَامَّةِ المُسْلِمِيْنَ على أنَّ عَزْوَ الحَدِيْثِ إلى الصَّحِيْحَيْنِ أو أحَدِهِمَا؛ لهُوَ كَافٍ في صِحَّةِ الحَدِيْثِ وقَبُوْلِهِ، خِلافًا للرَّافِضَةِ المَجُوْسِيَّةِ، وغَيْرِهِم مِنْ أهْلِ البِدَعِ والأهْوَاءِ!

الأمْرُ الثَّاني : لقَدْ تَقَرَّرَ مِنْ قَاعِدَةِ أهْلِ الحَدِيْثِ : أنَّ جَهَالَةَ الصَّحابيِّ لا تَضُرُّ .
وعَلَيْهِ؛ فَلا جَرَمَ مِنْ رِوَايَةِ الحَدِيْثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ في «الصَّحِيْحَيْنِ» مِنْ أيِّ طَرِيْقٍ مِنْ طُرُقِ الصَّحَابَةِ، سَوَاءٌ جَاءَ مِنْ طَرِيْقِ صَحَابِيَّيْنِ أو ثَلاثَةٍ، كَمَا لَوْ أخْرَجَ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ حَدِيْثًا مِنْ طَرِيْقِ أبي هُرَيْرَةَ، وخَرَّجَهُ أيْضًا البُخَارِيُّ مِنْ طَرِيْقِ ابنِ عُمَرَ، وخَرَّجَهُ أيْضًا مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيْقِ ابنِ عَبَّاسٍ، فَلَيْسَ بالضَّرُوْرِيِّ أنْ يَعْزُوَهُ طَالِبُ العِلْمِ إلى ثَلاثَتِهِم، بَلْ بحَسْبِهِ أنْ يَعْزُوَهُ إلى أحَدِهِم، لأنَّ كُلَّ الصَّحَابَةِ عُدُوْلٌ مُوَثَّقُوْنُ في قَوْلِ عَامَّةِ أهْلِ العِلْمِ .
* * *
ومِنْ خِلالِ اخْتِلافِ أهْلِ العِلْمِ في ضَابِطِ الاتِّفَاقِ بَيْنَ الأحَادِيْثِ، يَتَّضِحُ لَنَا : أنَّ زَوَائِدَ مُسْلِمٍ على البُخَارِيِّ تَخْتَلِفُ أعْدَادُهَا باخْتِلافِ أصْحَابِ المَذْهَبَيْنِ، كَمَا يَلي :
فعَلى مَذْهَبِ جَمْهُوْرِ المُحَدِّثِيْنَ : فَإنَّ عِدَّةَ زَوَائِدِ أحَادِيْثِ مُسْلِمٍ على البُخَارِيِّ لا تَتَجَاوَزُ ألْفًا ومَائَتَيْنِ حَدِيْثًا (1200) تَقْرِيبًا .
وعلى مَذْهَبِ الحَافِظِ أبي بَكْرٍ الجَوْزَقيِّ : فَإنَّ عِدَّتَها نَحْوُ سِتَّمائَةِ حَدِيْثٍ تَقْرِيبًا (600)، وهُوَ المَذْهَبُ المُخْتَارُ عِنْدَنَا .
ومَهْما يَكُنْ مِنْ تَفَاوُتٍ بَيْنَ العَدَدَيْنِ إلَّا أنَّها تَسْلِيَةٌ لكُلِّ طَالِبٍ يُرِيْدُ أنْ يَحْفَظَ أحَادِيْثَ «الصَّحِيْحَيْنِ»، ثُمَّ هُوَ بحِفْظِهِ بَعْدَئِذٍ «لصَحِيْحِ مُسْلِمٍ» سَوْفَ يَقِفُ ضَرُوْرَةً على أكْثَرِ أحَادِيْثِ «صَحِيْحِ البُخَارِيِّ» .
وَبِهَذَا؛ يَسْتَطِيْعُ الحَافِظُ أنَّ يَقْطَعَ بِأنَّهُ في حَقِيْقَةِ الأمْرِ لَمْ يَحْفَظْ مِنْ «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ» إلَّا سُدْسَهُ تَقْرِيْبًا، وذَلِكَ بحَسَبِ اصْطِلاحِ جَمْهُوْرِ المُحَدِّثِيْنَ، أيْ : نَحْوَ ألْفٍ ومَائَتَيْنِ حَدِيْثًا .
أمَّا إذَا أخَذْنَا بمُصْطَلَحِ الحَافِظِ الجَوْزَقيِّ، فحَقِيْقَةُ الحِفْظِ : لا يَتَجَاوَزُ تُسْعَ «صَحِيْحِ مُسْلِمٍ»، أيْ : نَحْوَ سِتِّمائَةِ حَدِيْثٍ، بِمَعْنَى أنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ إلَّا الأصُولَ غَيْرَ المُكَرَّرَةِ، وغَيْرَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، ومَا جَاءَ بِطَرِيْقِ التَّكْرَارِ والاتِّفَاقِ فَهُوَ زِيَادَةٌ لَهُ في الحِفْظِ والتَّذْكِيْرِ لمَا مَضَى مِنَ الأحَادِيْثِ .
عِلمًا أنَّنَا قَدْ أخَذْنَا هُنَا بمَذْهَبِ الجَمْهُوْرِ مُوَاضَعَةً لمَا هُوَ جارٍ اليَوْمَ بَيْنَ طُلَّابِ العِلْمِ .
ثُمَّ أيْضًا تَأتي كُبْرَيَاتُ الحَقَائِقِ هُنَا : وهِيَ أنَّ الحَافِظَ في حَقِيْقَةِ الأمْرِ لَمْ يَحْفَظْ مِنَ أحَادِيْثِ «الصَّحِيْحَيْنِ» إلَّا رُبْعَهُما تَقْرِيْبًا، أيْ : نَحْوَ ثَلاثَةِ آلافٍ وثَمَانَ مَائَةِ حَدِيْثٍ (3800)، ومَا زَادَ عَلَيْهِمَا فَهُوَ مُعَادٌ مَا بَيْنَ مَكْرُوْرٍ ومُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، الأمْرُ الَّذِي سَيَزِيْدُ الحَافِظَ تَرْسِيْخًا لمَحْفُوْظَاتِهِ، وتَذْكِيْرًا لمُطَالَعَاتِهِ .
وقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ حُفَّاظِ السُّنَّةِ وغَيْرِهِم أنَّ التَّكْرَارَ مِظِنَّةُ الحِفْظِ والرُّسُوْخِ، وهَذَا مَا ذَكَرَهُ الحَافِظُ عَليُّ بنُ المَدِينِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى : «التَّفَقُّهُ في مُعَادِ (أيْ : تَكْرَارَ الحَدِيْثِ) الحَدِيْثِ نِصْفُ العِلْمِ، ومَعْرِفَةُ الرِّجَالِ نِصْفُ العِلْمِ»، انْظُرْ : «الجَامِعَ لأخْلاقِ الرَّاوي» للخَطِيْبِ البَغْدَاديِّ (2/211) .
* * *
تَنْبِيْهٌ : اعْلَمْ أنَّ تَحْقِيْقَ عَدَدِ أحَادِيْثِ الصَّحِيْحَيْنِ سَوَاءٌ المُكَرَّرُ مِنْهَا أو دُوْنَهُ، هِي مَحَلُّ خِلافٍ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ؛ لِذَا فَإنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ عَدَدِ الأحَادِيْثِ فِيْهَما؛ فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّقْرِيْبِ لا التَّحْدِيْدِ، والله تَعَالى هُوَ المُوَفِّقُ .
* * *
وتَقْرِيْبًا لمَا ذَكَرْنَاهُ هُنَا؛ يَتَّضِحُ بالحِسَابِ الآتي :
أحَادِيْثُ البُخَارِيِّ بالمُكَرَّرِ، نَحْوُ : (7397) حَدِيْثًا تَقْرِيْبًا .
وأحَادِيْثُ مُسْلِمٍ بالمُكَرَّرِ، نَحْوُ : (7563) حَدِيْثًا تَقْرِيْبًا .
ولهُمَا بالمُكَرَّرِ، نَحْوُ : (14960) حَدِيْثًا تَقْرِيْبًا .
وأحَادِيْثُ البُخَارِيِّ دُوْنَ المُكَرَّرِ، نَحْوُ : (2600) حَدِيْثٍ تَقْرِيْبًا .
وأحَادِيْثُ مُسْلِمٍ دُوْنَ المُكَرَّرِ، نَحْوُ (4000) تَقْرِيْبًا .
ولهُمَا بدُوْنِ المُكَرَّرِ، نَحْوُ : (6600) حَدِيْثًا تَقْرِيْبًا .
ولأفْرَادِ مُسْلِمٍ عَنِ البُخَارِيِّ، نَحْوُ : (1200) حَدِيْثًا تَقْرِيْبًا .
ولهُمَا بدُوْنِ المُكَرَّرِ، وبِدُوْنِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، نَحْوُ : (3800) حَدِيْثًا تَقْرِيْبًا، أيْ : بمُعَدَّلِ خُمْسِ مَجْمُوْعِ أحَادِيْثِ «الصَّحِيْحَيْنِ» .
وهَذَا تَحْقِيْقُ جَمْعِنَا للآتي : (2600) + (1200) = (3800) حَدِيْثًا، والله تَعَالى أعْلَمُ .
والحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِيْنَ الَّذِي يَسَّرَ لَنَا حِفْظَ «الصَّحِيْحَيْنِ»، ومَا جَعَلَ عَلَيْنَا فِيْهِمَا مِنْ حَرَجٍ!
* * *
ثُمَّ تَاسِعًا : عَلَيْهِ بَعْدَ حِفْظِهِ «للصَّحِيْحَيْنِ»، أنْ يَقِفَ على قِرَاءَةِ شُرُوْحِهِمَا المُخْتَصَرَةِ .
هَذَا إذَا عَلِمْنَا أنَّ في قِرَاءَةِ شَرْحِ «الصَّحِيْحَيْنَ» زِيَادَةً للحَافِظِ في ضَبْطِ مَحْفُوْظَاتِهِ، وتَأكِيْدًا لَهُ في مَعْرِفَةِ المُتَّفَقِ بَيْنَهُما، والمُنْفَرِدِ لهُما .
وأخَصُّ مِنْ تِيْكَ الشُّرُوْحِ : «التَّوْشِيْحَ شَرْحَ الجَامِعِ الصَّحِيْحِ» لِلحَافِظِ السُّيُوطِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، تَحْقِيْقَ رِضْوَانَ بنِ جَامِعٍ .
وَكِتَابَ : «الدِّيْبَاجِ على صَحِيْحِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجَّاجِ» للسِّيُوْطِيِّ، تَحْقِيْقَ أبِي إسْحَاقٍ الحُوَيْنِيِّ .
ثُمَّ إذَا أرَادَ الحَافِظُ بَعْدَئِذٍ زِيَادَةَ عِلْمٍ وفِقْهٍ؛ فَلَهُ أنْ يُعِيْدَ قِرَاءَةَ شَرْحِهِمَا مِنْ خِلَالِ المُطَوَّلَاتِ، وأخُصُّ مِنْهَا : «فَتحَ البَارِي بِشَرْحِ صَحِيْحِ البُخَارِيِّ» لِلحَافِظِ ابْنِ حَجَرٍ العَسْقَلَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، تَحْقِيْقُ الشَّيْخِ شُعَيْبٍ الأرْنَاؤوطِ وآخَرِيْنَ، طَبْعَةُ مُؤسَّسَةِ الرِّسَالَةِ العَالميَّةِ .
ومِنْهَا كِتَابُ : «المِنْهَاجِ في شَرْحِ صَحِيْحِ مُسْلِمِ بْنِ الحَجَّاجِ» لِلحَافِظِ النَّوَوِيِّ رَحِمَهُ اللهُ .
* * *
ثُمَّ عَاشِرًا : عَلَيْهِ بَعْدَ حِفْظِ «الصَّحِيْحَيْنِ» أنْ يَحْفَظَ مُتُوْنَ السُّنَنِ الأرْبَعِ : ابْتِدَاءً «بِسُنَنِ أبي دَاوُدَ» أوَّلًا، ثُمَّ يُعْرِّجُ على «سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ» (المُسَمَّى : بِالجَامِعِ الكَبِيْرِ)، ثُمَّ يُثَلِّثُ «بِسُنَنِ النَّسَائِيِّ» (المُجْتَبَى)، ثُمَّ يُرَبِّعُ «بِسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ» .
* * *
تَنْبِيْهٌ : إنَّ مِنْ أفْضَلِ طَبَعَاتِ «السُّنَنِ الأرْبَعِ» ما أخْرَجَتْهُ مُؤخَّرًا مُؤَسَّسَةُ الرِّسَالَةِ العَالَمِيَّةِ ببَيْرُوْتٍ، وذَلِكَ مِنْ خِلالِ تَحْقِيْقٍ عِلمِيٍّ جَيِّدٍ، واللهُ تَعَالى أعْلَمُ .
أمَّا إذَا أرَادَ طَالِبُ العِلْمِ أنْ يَعْرِفَ دَرَجَةَ أحَادِيْثِ «السُّنَنِ الأرْبَعِ» مِنْ حَيْثُ الصِّحَّةِ والضَّعْفِ؛ فعَلَيْهِ بهَذِهِ الكُتُبِ، ففِيْهَا كِفَايَةٌ وغُنْيَةٌ لمنْ ألْقَى السَّمْعَ وهُوَ شَهِيْدٌ :
كِتَابُ : «بَيَانِ الوَهْمِ والإيْهَامِ» للحَافظِ أبي الحَسَنِ ابنِ القَطَّانِ، و«تَنْقِيْحِ التَّحْقِيْقِ» للحَافظِ ابنِ عَبْدِ الهَادِي، و«البَدْرِ المُنِيرِ» للحَافظِ ابنِ المُلَقِّنِ، و«التَّلْخِيْصِ الحَبِيْرِ»، و«نَتَائِجِ الأفْكَارِ» كِلاهُمَا لابنِ حَجَرٍ، و«نَصْبِ الرَّايَةِ» للحَافظِ الزَّيْلَعِيِّ، و«إرْوَاءِ الغَلَيْلِ»، و«السِّلْسِلَتَيْنِ» كَلاهُمَا للألبَانيِّ، وغَيْرَهَا مِنْ كُتُبِ التَّخْرِيْجِ والتَّحْقِيْقِ .

وبَادِي ذِي بَدْءٍ؛ فلْيَمْشِي طَالِبُ العِلْمِ في حِفْظِهِ لِلسُّنَنِ الأرْبَعِ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ في حِفْظِهِ «لِلصَّحِيْحَيْنِ»، فَلْيَحْفَظِ الأحَادِيْثَ القَصِيْرَةَ لَفْظًا ومَعْنًى، وليَكُنْ حَفِظُهُ لِلطَّوِالِ بِالمَعْنَى والتَّدَبُّرِ، إلَّا إذَا كَانَ مِمَّنْ رُزِقَ حَافِظَةً صَافِيَةٌ، فَلَهُ والحَالَةُ هَذِهِ أنْ يَحْفَظَ أحَادِيْثَ الكُتُبِ السِّتَّةِ بِألْفَاظِهَا، وقَدْ مَرَّ مَعَنَا بَيَانُ ذَلِكَ آنِفًا .

وهذا مقال مستل من
كتاب توريق المنة
ص 13
للشيخ د / ذياب بن سعد الغامدي