قراءة شحرور للقصص القرآني تحريف وتخريف (7)
إبراهيم يكتشف الله تعالى!!
طارق مصطفى حميدة
مركز نون للدراسات القرآنية/ فلسطين

تكاد تكون قراءة شحرور لقصة إبراهيم أكثر قراءاته تلبيساً وتدليساً، إذ تضمنت العديد من المقدمات المفبولة أو المحتملة، والتي يمكن أن تجعل بعض القراء يطمئنون ويسلمون له القياد فيغمضوا أعينهم وعقولهم عن الكلام الآتي.
وقد لا حظت أنه في بعض طروحاته المناقضة لأصول الدين كان يجعلها على جرعات، فيطرح بعض المقدمات المقبولة أو المشتملة على خليط من الحق الواضح والباطل المموه غير المكتمل، ثم يدخل في مواضيع متعددة، ليعود إليه بعد صفحات فيطرحه مباشرة وصراحة، ولكن وزيادة في التمويه والتلبيس يجعله مقترنا بقضية ثانية.
v اكتشاف الرب!!
يقول الشحرور فض فوه :" عندما اهتدى إبراهيم للذي فطر السماوات والأرض حنيفا، واكتشف عبر رحلته الطويلة بين الشك واليقين أن الله هو الواحد الأحد الذي لا يتغير ولا يتبدل، وأن الكون بكل ما فيه متحرك حنيف، احتار ماذا يفعل ليتقرب من هذا الإله، فالناس يقدمون قرابين لآلهة مزيفة لا تملك ضراً ولا نفعاً لأحد"[1].
يتضمن الاقتباس السابق تحريفين كبيرين أولهما: حديثه عن اكتشاف إبراهيم لله تعالى، والثانية كلامه عن حيرة إبراهيم كيف يتقرب إلى ربه والتي سيتوصل من خلالها إلى أن رؤيا إبراهيم أنه يذبح ابنه لم تكن سوى أحلام ناتجة عن شدة انشغاله بالموضوع ولم تكن رؤيا وحي من الله تعالى!!
ولقد بدأ ينغم ويلحن لهذه الفكرة منذ البدء عندما تحدث عن قصة إبراهيم في سورة الأنعام وفهم من خلالها أن إبراهيم كان يبحث عن ربه: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) ﴾.
أقول فهم شحرور أن إبراهيم كان يبحث عن ربه ليس موافقة له، ولكن افتراضا مني أنه قد فهم ما فهمه فريق من العلماء والمفسرين، حيث انقسموا فريقين أحدهما رأى أن إبراهيم كان ينظر والآخر فهم أنه لم يكن ناظراً وإنما كان مناظراً لقومه وهو الذي يترجح لدى كاتب هذه السطور.
إن قوله تعالى: ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾، تؤكد أن إبراهيم كان في حالة مناظرة ومحاجة لقومه ولكنه كان يجاريهم ويتدرج بهم للوصول إلى توحيد الله تعالى، وحتى لو افترضنا أن إبراهيم ابتدأ ناظراً وانتهى مناظراً، فلا بد من ملاحظة أمرين:
أ) أن هذا النظر من إبراهيم لم يكن بحثاً عن الله تعالى، ولكن اختباراً لآلهة مزعومة كان القوم يشركون بها مع الله تعالى، ولم يكن الله تعالى مجهولاً عندهم، ولذلك رأينا إبراهيم يقول:﴿ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾.
ب) أن إبراهيم قد توصل بما أراه الله تعالى، وأراد أن يتوصل قومه، إلى حقيقة أن التعرف على الله تعالى، لا يكون بالنظر بل بهداية الله وتوفيقه، وذلك في قوله بعد أفول القمر: ﴿ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ﴾، ذلك أن العقل قد يوصل صاحبه إلى أن للكون خالقاً، وقد يتوصل إلى بعض صفاته، وكذا الفطرة قد يدفعها الشعور بالضعف والاحتياج والخطر للتوجه إلى رب تلجأ إليه وتعبده، لكن لن يستطيع البشر متفرقين ولا مجتمعين، لا في المرحلة البدائية ولا في أوج التطور والتراكم العلمي والمعرفي، أن يتعرفوا على اسم هذا الخالق، ولا باقي صفاته ولا مراده ممن خلقهم، ولذك كان تأكيد إبراهيم أنه سيكون من القوم الضالين ما لم يهده الله تعالى.
وبهذا يتأكد ويتقرر أن إبراهيم لم (يكتشف) الله تعالى، كما يقول شحرور، حيث مقتضى كلامه أن العقل البشري خلال نظره وبحثه، ونتيجة للتراكم المعرفي قد توصل إلى الله واكتشفه!!، وهذا تعبير ملطف ومخفف من قولهم: إن الإنسان هو الذي خلق الإله وليس العكس، فليؤمن الشحرور بما شاء ولكن لن يخدعنا باستنباط مقولات الكفر من آيات التنزيل الحكيم، كما يحب أن يكرر في كتابه.
ولا داعي لأن يقول مثلاً وهو يتحدث عن تطور اسم الإله:" لقد رأينا كيف شاع التشخيص قبل إبراهيم، وانتشرت ظاهرة تعدد الآلهة من كواكب ونجوم وأصنام وتماثيل، وكيف كان مفهوم الإله المجرد غامضاً لا اسم له لعدم اكتمال القدرة العقلية على التجريد عند أهل تلك العصور؛ فقد كان اسمه عند الأسباط ( إله إبراهيم)، وذلك في قوله تعالى: ﴿ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحداً ونحن له مسلمون ﴾ [ البقرة: 123]، وكان اسمه عند فرعون: ( إله موسى )، كما في قوله تعالى: ﴿ وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى﴾[ غافر: 36-37]، وكان اسمه عند سحرة فرعون: ( رب العالمين)، و ( رب موسى وهارون)، كما في قوله تعالى: ﴿ قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهارون﴾[ الأعراف: 121- 122]، أو لم يكن له اسم على الإطلاق كما عند فرعون في قوله تعالى: ﴿ حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾[ يونس: 90]، ثم يأتي إبراهيم ليبدأ رحلته الطويلة في البحث عن الله من المشخص إلى المجرد، وليولد عنده مفهوم الإسلام والتسليم لهذا الإله المجرد لأول مرة في تاريخ الإنسان بدلالة قوله تعالى: ﴿ ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل﴾[ الحج: 78]"[2].
والملاحظ في هذا الاقتباس الطويل عدد من التدليسات والتلبيسات والمخادعات:
1) تظاهر الشحرور بأنه سيعرض تطور اسم الإله قبل إبراهيم، لكن جميع الأمثلة التي ذكرها هي بعد إبراهيم، فأبناء يعقوب الذين سماهم الأسباط هم أبناء حفيد إبراهيم، وفرعون وسحرته جاؤوا بعد إبراهيم بمئات السنين.
2) لقد تجاهل شحرور أن الأنبياء من لدن نوح كانوا يدعون أقوامهم إلى تقوى (الله) وطاعته – وذلك بنص القرآن -، فقد ورد قوله تعالى: ﴿ فاتقوا الله وأطيعون﴾، في سورة الشعراء على لسان نوح وهود وصالح وهؤلاء قبل إبراهيم ، وعلى لسان لوط وشعيب حيث عاصره الأول وتلاهما الثاني، كما تجاهل شحرور أن أقوام الأنبياء كانوا يعرفون الله تعالى باسمه ولذك كان من ردودهم على أنبيائهم ما جاء على لسان قوم نوح مثلاً:﴿ ولو شاء الله لأنزل ملائكة﴾[ المؤمنون: 24]، وكيف نسي شحرور كلام أحد ابني آدم لأخيه:﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ... إني أخاف الله رب العالمين﴾[ المائدة: 27، 28]؟
3) إن أبناء يعقوب الذين ذكروا ( إله إبراهيم) كانوا يؤكدون لأبيهم أنهم لن يحيدوا عن دينه ودين آبائه ولم يكن ذلك منهم جهلاً بالله تعالى واسمه، وفي سورة يوسف ورد اسم الله تعالى على ألسنتهم أكثر من مرة.
4) وسحرة فرعون كذلك بعد إيمانهم، لم يكن إعلان إيمانهم برب العالمين رب موسى وهارون جهلاً منهم باسمه سبحانه، بل كان في سياق التحدي لفرعون وإعلان أن من يستحق العبادة هو رب العالمين وليس فرعون الذي يدعي ربوبيته لمصر ومن فيها، ومن جهة لإظهار انحيازهم لقيادة موسى وهارون لأن الإيمان ليس موقفا عقليا وفكريا بارداً بل هو انحياز للحق وأهله في معركته مع الباطل وأهله، وقد أورد القرآن لفظ الجلالة على ألسنتهم: ﴿ إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى﴾[ طه: 73].
5) وأما كلام فرعون عن إله موسى فقد كان في سياق التهكم، وعندما تحدث عن الإله الذي آمنت به بنو إسرائيل كان ذلك وهو يغرق، الأمر الذي يشي بمقدار مشاعر التذلل والضعف والصغار عند فرعون في تلك اللحظة وذاك الموقف.
لقد تضمنت قراءة الشحرور الكثير من المغالطات والتلبيسات والانحرافات والتحريفات، مما سنتابع أبرزها بإذن الله تعالى في الحلقات القادمة.



[1] ) شحرور، القصص القرآني، 2/ 109.

[2] ) شحرور، القصص القرآني، 2/ 105.