الغاية من الخطاب القرآني وأثرها في الاستعارة.
الغاية من الكلام هي التي تحدد الكيفية التي يكون بها ، فالاستعمال التواصلي اليومي لا غاية له إلا التواصل بين الناس فتستخدم اللغة قناة بين المرسل والمرسل إليه ، وهذا يعني أن اللغة وسيط وليست غاية ، فهي إذن ليست مقصودة لذاتها ، ولكنها مجرد وسيلة لتحقيق هذا التواصل ، ولذا فإنها تقف عند حدود المعنى الحرفي ، وإذا فارقت اللغة في الاستعمال التواصلي اليومي المعنى الحرفي، وقد تستعمل الإشارة لتؤدي نفس الغرض وإن جاءت اللغة غامضة أدى هذا عدم وصول الرسالة.
أما اللغة في الاستعمال البلاغي فهي تجاوز هذا الغرض التواصلي الصرف ؛فتحمل المعاني الثواني المضمنة ، وهو ما أطلق عليه عبد القاهر الجرجاني "معنى المعنى" وبداية يرى الباحث أن اللغة وما تحمله من دلالات تتشكل حسب الغاية من الخطاب ، فهي لن تكون واحدة في الشعر والخطابة والرسائل والحديث النبوي الشريف والقرآن الكريم.
فالغاية تحدد لنا غرض البحث البلاغي ،ولذ نجد د.عيد بلبع يلفت لبحثين في البلاغة إلى ضرورة توخي الحذر عند التطبيق البلاغي وذلك في كتابه " مقدمة في نظرية البلاغة النبوية " حيث يشير إلى أن " وضْعَ الباحثِ نصب عينية الغايةَ من الخطاب الذى يمثل مادة التحليل الذى يقوم به يُعَدُّ أحدَ أهم المبادئ النظرية التي تؤسس لعملية تحليل دقيقة ؛ لأن مراعاة هذه الغاية يحدد للباحث عن أي شيء يبحث ؟ ومن ثم يحدد له الغاية من عملية التحليل البلاغي الأسلوبي التي يقوم بها ([1]) .

  • فما الغاية التي يتغياها الخطاب القرآني؟

القرآن لكريم خطاب الله تعالى لخلقه من الإنس والجن ، خطاب يقصد إلى إقناعهم بوحدانية الله ، المراد منه تمكين دين الله في الأرض ، وهو يخاطب المؤمن وغير المؤمن ، يخاطب المصدق والمكذب ، يخطب الموقن والمرتاب ، يخاطب المُعلِّم والمتعلم ، يخاطب الجميع ، فلابد وأن تكون له خصوصيته التي تجعله قادرا على تأدية الغاية منه.
إن أبعاد الخطاب القرآني متداخلة لايمكن فصل أحدها عن الآخر ، فلايمكن أن ننفي البعد الجمالي عنه ، أو أن نجعله حجاجيا صرفا ، ولايمكن أن نزعم بأنه خطاب تعليمي فقط ، فالقرآن معجز ولعل واحدا من أسباب إعجازه هو هذا التداخل والتمازج والتماسك النصي .
وإذا أردنا أن ندرس أثر الغاية في الاستعارة القرآنية فإنه من الضروري أن نشير إلى أن أغلب أئمة التفسير أجازوا القول بالمجاز ولن أخوض في هذه القضية كثيرا ، فعلى الرغم من أن كثيرا من تفاسير أهل السنة لاتعنى كثيرا بالتوجيه البلاغي ، إلا أننا نجد التوجيه بالمجاز بينا فيها ، مما يدل على إثباتهم له وتقريرهم إياه ، ومن هؤلاء الأئمة :ابن جرير الطبري (310هـ)وأبو أحمد الكرجي القصاب (360هـ)وأبو المظفر السمعاني(489هـ) والبغوي(516هـ)وابن كثير (774هـ)وغيرهم كثير([2]) .
ومما تجدر الإشارة إليه أن معظم من تصدى من القدماء لدراسة الاستعارة القرآنية اقتصر على ذكر أنواعها من استعارة محسوس لمحسوس بجامع عقلى، ومن استعارة محسوس لمعقول ،ومن استعارة معقول لمعقول أو لمحسوس، ومن استعارة تصريحية أو مكنية ومن مرشحة أو مجردة إلى غير ذلك من ألوان الاستعارة ،وهم يذكرون هذه الألوان ويحصون ما ورد في القران منها، ويقفون عند ذلك فحسب طنا منه أنه بذلك قد أدى ما عليه من بيان الجمال الفني في هذا اللون من التصوير .
ولم يقفوا –في الأغلب- على جماليات الاستعارة وتفاعلها مع السياق الذي وردت فيه ، والفرق بين المعنى الاستعاري والمعنى الحرفي التواصلي .
وسنحاول أن نشير إلى ذلك خلال شواهد المبحث ولكن بإيجاز شديد لعلنا نوسعه فيما بعد بإذن الله تعالى.
فسيدنا زكريا يريد أن يعبر عن مدى ألمه وحزنه لكبر سنه وعدم وجود ذرية له من بعده يحملون الرسالة ويدعون إلى الله فنراه يقول ربّ إني وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا وهنا لا تقف كلمة اشتعل عند معنى انتشر فحسب، ولكنها تحمل معنى دبيب الشيب في الرأس في بطء وثبات، كما النار في الفحم مبطئة ولكن في دأب واستمرار، حتى إذا تمكنت من الوقود اشتعلت في قوة لا تبقى ولا تذر كما يحرق الشيب ما يجاوره من شعر الشباب ،حتى لا يذر شيئا إلا التهمة واتى عليه، وفي إسناد الاشتعال إلى الرأس مايوحى بهذا الشمول الذي التهم كل شي في الرأس.فنجد أن التقديم والتأخير هنا أفاد معنى العموم والشمول ، كأن سيدنا زكريا أراد أن يقول : إن الشيب لحق شعري كله فلم يترك فيه شعرة واحدة وهذا بعد (وهن العظم مني) وفيه كناية عن كبر السن ، فأصل الكلام قبل التقديم والتأخير (استعل شيب الرأس ) فلما تقدم المضاف إليه وتأخر الفاعل ( المضاف) أفاد معنى العموم.
فغاية الخطاب هي إبداء حزنه وألمه ولكن بتلطف وعدم إظهار اعتراض على قضاء الله وقدره ، ولعل هذا ما أفاده المعنى الاستعاري ، فلو كان التعبير بغير استعارة "إني كبرت" لكان مشعرا باعتراض أو غضب .
فغاية الخطاب –هنا- هي ما دفع إلى الاستعارة فليست الاستعارة غاية لذاتها بل هي وسيلة لتحقيق غاية .
ونجد ذلك جليا في تصوير الريح بأنها عقيم في قوله تعالى "وفي عاد إذا أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شي أتت عليه إلا جعلته كالرميم" ففي العقم ما يحمل إلى النفس معنى الإجداب الذي تحمله الريح معها. وفضل الاستعارة على الحقيقة يكمن فيما تثيره الصورة المشكلة من دلالة نفسية تؤثر في السامع أو القاريء ، لأن كلمة عقيم ذات أثر أقوى في السمع ، إذ حقق انتقال دلالة الاستعارة (عقيم) من معناها الأول (عدم الإنجاب ) إلى الريح أثرا نفسيا ، فعملية الجدب هنا تولد الامتعاض والحزن ، فهي تعني انتهاء تجدد الحياة ، وهنا نجد أن العبارة القرآنية اكتسبت معاني متجددة أضفت الديمومة على النص القرآني.
وكذلك نجد الاستعارة توضح مدى الاضطراب والفزع الذي يحل بالناس يوم القيامة، وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا فكلمة ( يموج ) لا تقف عند استعارتها لمعنى ( الاضطراب ) بل إنها تصور هذا الجمع الحاشد من الناس الذي لا تدرك العين مداه حتى صار هذا الحشد الزاخر كبحر ترى العين منه ما تراه في البحر الزاخر من حركة وتموج واضطراب، ولا تأتي كلمة يموج إلا موحية بهذا المعنى ودالة عليه.
وكذلك نجد الخطاب يضفي على الاستعارة معنى الوَحْدة والتآلف ، وذلك في قوله تعالى "واعتصموا بحبل الله جميعا" وقوله " قال تعالى:) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ( ففي هذه الآية الكريمة، استعير لفظ ( حبل الله- الصراط المستقيم) للدين الحق لتشابههما في أن كلاً منهما يوصل إلى المطلوب، والقرنية- حالية – فالله سبحانه لا يهدي إلى الطريق الحسي إنما المراد الهداية إلى الدين الحق على التشبيه.
وإجراء الإستعارة يكون على هذه الصورة شبهنا الدين الحق بالحبل في الأولى و بالطريق المستقيم في الثانية، بجامع الهداية في كل، ثم أهمل وادعي أن المشبه فرد من أفراد المشبه به وداخل في جنسه ثم استعير المشبه به للمشبه على طريقة الإستعارة التصريحية الأصلية.
ففي هذه الاستعارة امتزاج بين الغاية من الخطاب والاستعارة ، فالسياقان يشيران إلى أهمية الوحدة والتآلف والتماسك ، وتأتي الاستعارة لتؤكد هذا المعنى وتقنع به وتمكنه في النفوس ، فدين الله حبل ينبغي التمسك به كاملا وبقوة ، وهو طريق مستقيم لا تشعبات له ولا تعرجات به.
ولكن ينبغي الحذر عند معالجة الاستعارة القرآنية ، فقد نظن أن في الآية استعارة وهي ليست كذلك ، ويبين سياق القرآن هذا الأمر ، ومن شواهد ذلك قوله تعالى"حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "فقد يتوهم أن في الآية استعارة وأن الأمر على سبيل المجاز ،ولكن الآية التي تلت هذه الآية مباشرة توضح أن الأمر حقيقة لا مجاز ، وأن الجلد والأسماع والأبصار سوف يشهدون على الإنسان ، فما يجوز لله لايجوز لغيره ، يقول "وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ "
ومثل ذلك ما نراه في سورة الأعراف وقد طالعت من عده استعارة بل وأخذ يصفه بأوصاف تليق بتعبير البشر ولكنها – في رأيي- بعيدة عن الحق ، يقول تعالى :" إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ "
يقول الباحث:"فالاستعارة المكنية في مسخرات تضفي على الكون تشخيصا نبضا بلحية من خلل الخيال الذي يسري في القلب ، والذي يلقي على هذه الموجودات الجامدة صفة الحياة لتُزيح الغطاء المادي ، فتنكشف روحها للمتلقي فتتجاوب روحه معها ويتعمق شعوره وإحساسه بها"[3]
فهذه العبارات لو وضعت تحت تحليل بيت من الشعر لكان أجدر ، فقد جاءت لبرهن على أن كثيرا من الباحثين لايفرقون بين الأدوات الإجرائية البلاغية في السياقات والخطابات المختلفة ، فإن هذه المخلوقات لها قدرة على الاستجابة والتفاعل ولكننا لاندركها بإدراكنا القاصر ، ولعل قوله تعالى في سورة فصلت "ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ" فيه رد الكافي. ولايمكن أن تفسر استجابة السماء والأرض على أنها مجاز.