الكرسي

هذه الآلةُ التي اخترعها الإنسانُ قديماً ارتبط اسمُها ـ في العصور المتأخرة ـ بالمنصب العالي غالباً، وما مِنْ شخصٍ يَصِل إلى كرسيٍّ إلا بعد ذهابِ مَنْ قبله، فتلك سنةُ الله في هذه المناصب!
والمفارقة في هذا الكرسي ـ ومع معرفة الجميع بسنة الله فيه ـ إلا أن الأكثر تصيبه السَّكرة إذا علاه، ويَظن أنه كالجبل الراسي الذي لا تُحركه رياحُ التغيير! فهل لهذا الاشتراك القويّ بين أحرف (الكرسي) و(السَّكرة) أَثَر؟ ربما يجمعها أنّ مَن ذاق لذته أدْمَن عليه، كما قال ابن القيم ـ في حقّ عُبّاد الكراسي ـ: "فإن الرياسه سَكْرَةٌ كسكرة الخمر أو أشدّ، ولو لم يكن للرياسة سَكرة لما اختارها صاحبُها على الآخرة الدائمة الباقية"([1]).

وللكرسي في نصوص الوحيين حضورٌ واضح، يجمعها: التحذيرُ من الاستشراف لها، والتطلع للجلوس عليها، وأنه من تطلّع لها وكل إليها، ومن بلغها دون تطلّع أعين عليها، وأنها لا تصلح إلا لمن جمع شرطي القوة والأمانة، وما سوى ذلك «فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة»([2]).


متى ما شعر صاحبُ "الكرسي" الذي رشّحه مَن فوقه أنه موظفٌ يخدم المسلمين بمجرد جلوسه، لا أنه فرصةٌ للتكسّب، أو التعالي على الخلق، والاحتجابِ دون حوائجهم، وأنه لم يجلس عليه إلا بعد ذهاب مَن قبله؛ متى شعر بذلك، هان عليه الأمر، بل وجد لذّةً في أداء ما أُنيط به، وراحةً عندما يقال له: انزل عنه ليَحُل بدلك.


ومتى ما تحول "الكرسيُّ" إلى مصالح خاصة، وغفلةٍ عن كونه وكيلاً عن الأمة عندما جلس على هذا "الكرسي"؛ فهذا عنوان الشقاء والبؤس المعجّل، وأوّل أوان حسراته يومَ نَزْعِه منه، وما يعقبُ ذلك من امتلاء قلبه حزناً على ما فاته، فضلاً عما ينتظره عند الله من حساب إذا اجتمعت الخصوم عند من لا تضيع عنده مثاقيل الذرّ!


ومِن مظاهر الأسى المعجّل لأصحاب الكراسي المعزولين بغير رضاهم: فرحُ الناس بسقوطهم من تلك الكراسي، وهي ـ لعمر الله ـ فضيحةٌ دنيوية، فكيف بيوم العرْض الأكبر إذا تعلّق به آلاف وربما ملايين الناس، يطلبون من الله حقهم منه؟!


ألا وإنّ مِن أشد ما يُبتلى به بعضُ عُبّادِ الكرسي: أن يلبّسوا بغيَهم وظلمَهم وعدوانَهم لبوسَ الدِّين، ولو أنّه كان بدون ذلك لكان عظيماً، فكيف والأمر كذلك؟! فيا ويل هذا النوع من العبيد حين توضعُ الموازين، وتُنشرُ الكتب التي لا تغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصتها، يومَ ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾[الروم: 57].


ويبلغُ الكرسيُّ أسوأ آفاته حين يتخلى الإنسانُ ـ بسببه ـ عن مبادئه، ويَقبل بأنصاف وأرباع الحلول، ويقدّم التنازلات تلو التنازلات من أجل الوصول إلى هذا الكرسي!

لقد أدركتُ في حياتي وزراء أُعْفوا من مناصبهم، فأما أحدُهم فتقاطر الناس على بيته عَصْرَ ذلك اليوم مهنئين له بحسن السيرة، وقوته وأمانته، وممن حضَر وزراءُ وعلماءُ وأعيانُ البلد ووجهاؤه، بل إن الموظف الذي كان يقدّم له القهوة والشاي في مكتبه كان من أوائل من حضر ليقدم القهوة والشاي لضيوف صاحب المعالي الذي كان على كرسيه أمسِ، وآخرون لم ينته المذيعُ مِن خبر إقالتهم من مناصبهم إلا ومَنْ حولي يسجدون شكراً لله على ذلك! يا لها من مفارقة! ونعوذ بالله أن نكون شامتين، ولكن العاقل من اعتبر، واستفاد مما يجريه الله مِن العِبَر.


([1]) بدائع الفوائد (3/ 132).
([2]) البخاري ح(7148).



المقال على الموقع: http://almuqbil.com/web/?action=articles_inner&show_id=1592