الغاية من الخطاب النبوي وأثرها في الاستعارة.
لاشك أن الخطاب النبوي له خصوصية تجعلنا نقف أمامه وقفة طويلة قبل أن نحلله ، والغية في الخطاب النبوي هي التعليم والإرشاد ، وتأتي كل الوسائل البلاغية ممكنة لهذه الغاية ، ومن ثم تكون الاستعارة في الخطاب النبوي ممكنة للغاية التعليمية.
ومن المؤسف أن نجد دراسات كثيرة لم تفرق بين البلاغتين ، أو بين البلاغات إن جاز ذلك ، فلم تفرق بين بلاغة الشعر وبلاغة النثر عامة ، وبين بلاغة الشعر والنثر وبلاغة القرآن والسنة خاصة ، فجاء الخلط واضحا . وأنا أضع بين يدي المهتمين بخدمة القرآن والسنة هذه الكلمات لعلها تحرك راكدا ، أوتثير تساؤلا ، وهذا ما أقصد إليه، ومن أسوأ ما رأيت وطالعت أن تُطبق البلاغة باعتبارها قواعد ثابتة ويأتي القرآن أو الحديث مجرد شواهد وأدلة وهو ما يسمى بـ(البلاغة التعليمية). القرآن والحديث النبوي خطابان تعليميان توجيهيان ، والخطاب التعليمي عند الغرب في منزلة متدنية من الخطابات على ما نرى عند سيلدن ، فقد عرض رامان سلدن لآراء البلاغيين الأوربيين في أنواع الأساليب في كتابه نظرية النقد من أفلاطون حتى الآن (The theory of criticism , from Plato to the present) فذكر أنواع الأساليب الثلاثة: المتدني والمتوسط والرفيع، في عرضه لآراء (سيسرو Cicero) في أنواع الخطابة، مشيراً إلى أن لهذه المهمات الثلاث للخطيب ثلاثة أساليب: الأسلوب الواضح للدليل، والأسلوب المتوسط للمتعة، والأسلوب الرفيع للإقناع. وفي الأسلوب الأخير تكمن القوة الكاملة للخطيب، ثم يصف أصحاب الأسلوب التعليمي بأنهم " واضحون وموجزون في الأسلوب، يشرحون كل شيء ويؤثرون الوضوح على الغموض، ويستخدمون أسلوباً مهذباً ومركزاً، وخالياً من الزينة والزخرفة([1])، قد يجمع الأسلوب التعليمي مثلاً بين خصائص متعددة تحقق الغاية الإقناعية والتـأثيرية ولا تكون بمنأي عن الغاية الجمالية، ويأتي الحديث النبوي ليحقق نموذجاً فريداً لخصائص النص في انفراده واطراده وديمومته، فالنص منفرد لأنه نموذج خاص من النصوص يعتمد في خصائصه على الجمع بين الإيجـاز وتحقيق غاية الإفهام والإبانة وما تقتضيانه من الوضوح، ومن المعروف الجلي أن التبليغ والإفهام وتمكين المعنى في نفس المتلقي من الغـايات الجوهرية للقول البليغ، ولعل تعريف أبي هلال العسكري للبلاغة بأنهـا: " كل ما تُبلِّغ به المعنى قلب السامع، فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن"([2])يرمي إلى هذه الغاية ويؤسس لها. أما الاطراد فهو من العوامل التي تحقق لنص الحديث النبوي خصوصيته وتؤكد على تفرد خصائصه في الجمع بين هذه الغايات باطراد دائم، وتكمن أهمية الاطراد في أنه ينفي عن الحديث النبوي صفة الاستثناء الذي لا تعضده قاعدة عريضة مطردة، كما ينفي عنه صفة الصدفة التي لا تقبل التكرار، ومن ثم يأتي الحديث النبوي نمطاً فريداً من الخطاب يجدر بوقفة متأنية مدققة، تأخذ نفسها بتتبع الظواهر وتحليلها. ولعل في الوقوف على خصائص الأسلوب التعليمي في الحديث النبوي الشريف ما يفسر لنا مقولة جوامع الكلم التي وردت في حديث النبي r (بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ)([3])، فتلك الجوامع تفسر هذه الظاهرة الفريدة وتتفسر بها في الوقت نفسه، إذ جمعت الأحاديث بين الوضوح ـ ظاهرة سائدة ـ والإفهام والإيجاز والإحكام، وقد أشار ابن جني إلى بُعد الإفهام المتعلق بالرسالة اللغوية نفسها، أو ما يتعلق بالمتلقي " قيل لأبى عمرو بن العلاء: أكانت العرب تطيل ؟ فقال: نعم لتبلغ، قيل: أفكانت توجز ؟ قال: نعم، ليُحفظ عنها"([4])،وقد لفت ابن وهب إلى هذه الغاية أيضاً في حديثه عن المواضع التي يحسن فيها الإيجاز، إذ جاء منها: " المواعظ والوصايا التي يُراد حفظها ونقلها، ولذلك لا ترى في الحديث عن رسول الله r والأئمة شيئاً يطول، وإنما يأتي على غاية الاقتصار والاختصار"([5]). أما ما يتسم به الأسلوب المتوسط من تحقيق الغاية الجمالية فهو متحقق أيضاً في الحديث النبوي الشريف إذا أخذنا في حسابنا أن الجمال غاية تتفاوت في ذاتها وفي مظاهرها، كما يتفاوت الناس في إدراكها، وفيما يتعلق بالجمال اللغوي نجد أنه لا يقتصر على جمال الصور التحسينية التزيينية وفق ما ألمح إليه رامان سلدن في بيانه للأسلوب المتوسط من أنه " أسلوب لامع، مفرط في التنميق، مزين، ومصقول بالفعل، وفيه تكون كل جماليات اللغة والفكر غير مقبولة من قِبَل الخطباء الواضحين ـ خطباء الخطاب التعليمي ـ، ومرفوض بواسطة خطباء النموذج الرفيع، فهو يجد مكانة في الطبقة المتوسطة التي أتحدث عنها"([6]). إن نسبية الجمال بالإضافة إلى إمكان تحقق الغايات المتوزعة بين أنواع الأساليب في الأسلوب الواحد يجعل اجتماع البُعد الجمالي مع غايتي الإقناع والتعليم ممكناً، فالغاية التعليمية المتعلقة بالتشريع في الحديث النبوي قوامها الدقة والإتقان والإحكام، ومتى تحقق التناسب بين الموضوع والأسلوب تحقق وجه من أوجه البعد الجمالي تبعاً لتحقق التناسب، الذي عده بشر بن المعتمر من أنماط التناسب المقامي " ومن أَرَاغَ معنىً كريماً فليلتمِسْ له لفظاً كريماً؛ فإنّ حقّ المعنى الشريفِ اللفظُ الشّريف، ومن حقِّهما أن تصونهما عما يفسدُهما ويهجِّنُهمَا، وعمّا تعودُ من أجله أن تكونَ أسوأَ حالاً مِنك قبل أن تلتمس إظهارَهُما، وترتهِن نفسَك بملابستِهما وقضاءِ حقِّهما"([7])، فالجمال هنا هو جمال التناسب بين موضوع الحديث والإيجاز الأسلوبي الذي صيغ فيه، وما يحقق هذا التناسب من تركيز في بناء التراكيب بالوسائل الأسلوبية المختلفة، يُضاف إلى هذا أن البعد التشريعي في الحديث النبوي يستلزم الدقة في الصياغة، ولن تتوفر الدقة والإحكام إلا بالوسائل الأسلوبية المحققة لذلك، ومن هنا يُصبح البحث في بلاغة الحديث النبوي هو بحث في الكيفية الأسلوبية التي تحققت بها الدقة والإحكام وصرامة تحديد المواقف، وليس هناك شك في أن هذه غاية تعليمية بالدرجة الأولى تقصد إلى الإيضاح والإفهام، فالتناسب بين الموضوع والأسلوب ـ من جهة ـ وبين الغاية التعليمية التشريعية والأسلوب، من جهة أخرى، إنما هو جمال نسبي يحقق لهذا الأسلوب التعليمي غايات الأسلوب الرفيع، فهذا النمط من الخطاب قد يصل إلى أقصى درجات التفوق والسبق والرفعة " فالمتحدث الذي قد تفوق في الأسلوب الواضح (التعليمي)؛ لأنه تمكن من الخطابة بمهارة وتناسق، هو بالتأكيد خطيب عظيم، إذا لم يكن الأعظم"([8])، وهذا الحكم يصدق أتم صدق على بلاغة الخطاب التعليمي في بلاغة الحديث النبوي. بقى أن نشير إلى أن الغاية الجمالية الإمتاعية الخالصة لا تتناسب عادة مع الخطاب الجاد، فالحقيقة غاية مغايرة للبلاغة التحسينية التزيينية، فالتحسين يحقق غاية إمتاعية بغض النظر عن الغاية التعليمية وما تقتضيه من الإبانة والإيضاح أو الغاية الإقناعية وما تقتضيه من إحكام الحجة وقصد الحقيقة، نخلص من هذا إلى أن الخطاب التعليمي ـ بشكل عام ـ يحقق غايته بمقدار ما ينجزه من تمكين الحقائق في النفوس، وبقدر بُعده عن التصوير الذي مرده إلى المبالغة ومنبعه الخيال؛ ومن ثم فهو فيما يتعلق بالبلاغة النبوية ينبغي أن ينظر إلى بلاغته على أنها بلاغة حقيقة، وليست بلاغة خيال أو زينة، فهي بلاغة هادفة إلى تمكين حقائق معينة في النفوس والقلوب والعقول، ساعية إلى إقرار منهج حياة وتقويم سلوك الأفراد والجماعة، فيما يمكن أن نطلق عليه: التحول بالقول إلى منجز في الواقع، ومن هنا تختلف بلاغة الخطاب التعليمي في الحديث النبوي الشريف عن بلاغة الخطاب الشعري كما تختلف أيضاً من بعض الوجوه مع بلاغة الخطاب الحجاجي. ومن شواهد ذلك حديث من فارق الجماعة قدر شبر ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه . أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبي ذر بلفظ : [ ص: 79 ] شبرا " ولم يقل أبو داود : " قدر شبر " وقال الحاكم في روايته : " قيد شبر " ورواه الحاكم من حديث ابن عمر بلفظ : من خرج عن الجماعة قيد شبر ، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه ، حتى يراجعه ، ومن مات وليس عليه إمام جماعة ، فإن موتته موتة جاهلية ورواه أحمد والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه من حديث الحارث الأشعري ، ورواه الحاكم من حديث معاوية أيضا ، والبزار من حديث ابن عباس .
مُفَارَقَةُ الْجَمَاعَةِ : تَرْكُ السُّنَّةِ وَاتِّبَاعُ الْبِدْعَةِ . وَالرِّبْقَةُ فِي الْأَصْلِ : عُرْوَةٌ فِي حَبْلٍ تُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْبَهِيمَةِ أَوْ يَدِهَا تُمْسِكُهَا ، فَاسْتَعَارَهَا لِلْإِسْلَامِ ، يَعْنِي مَا يَشُدُّ بِهِ الْمُسْلِمُ نَفْسَهُ مِنْ عُرَى الْإِسْلَامِ : أَيْ حُدُودِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ . وَتُجْمَعُ الرِّبْقَةُ عَلَى رِبَقٍ ، مِثْلَ كِسْرَةٍ وَكِسَرٍ . وَيُقَالُ لِلْحَبْلِ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ الرِّبْقَةُ : رِبْقٌ ، وَتُجْمَعُ عَلَى أَرْبَاقٍ وَرِبَاقٍ . والاستعارة هنا عنصر من عناصر المعنى لا تنفك عنه ، فقد جاءت لتصور مدى إحاطة الدين بالعبد وشموليته بجميع جوانب الحياة ، فالعبد المسلم ينبغي أن يحيط نفسه بـ (افعل ولا تفعل) ، ينبغي عليه أن يظل دائرا في فلك الدين لا ينفك عنه البتة. وهذا ما يحرص عليه المسلم الحق ، فإذا ما عرف أنه لن يكون في هذا الفلك وفي هذه الدائرة بخروجه عن الجماعة فإنه سيجتهد كل الاجتهاد كي لايفارق الجماعة ، وفي الحديث بيان لأهمية الجماعة ،وحث على ضرورة الالتزام بها. فلعلك تلاحظ مدى دقة الاستعارة وقدرتها على التأثير في المتلقي الذي يحرص على طاعة الله ، فسوف يقبل على الهدي النبوي بكل شغف حبا في أن يكون منتسبا لهذا الدين الحنيف. ومن الاستعارات النبوية قوله "أكثروا من ذكر هادم اللذات فإنكم إن ذكرتموه في ضيق وسعة عليكم" رواه الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعا وابن حبان والحاكم وصححاه وابن السكنوابن طاهر، وأعله الدارقطني بالإرسال، ولفظه عند العسكري عنه مر رسول الله بمجلس من مجالس الأنصار وهم يمرحون ويضحكون، فقال أكثروا ذكر هاذم اللذات، فإنه لم يذكر في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلاكثره ولا في ضيق إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقها. فاستعار هاذم اللذات للموت، وهو مطوي الذكر، ولو ظهر لم يكن هناك استعارة، وفي هذه الاستعارة نجد ترهيبا من الاشتغال بالدنيا ، والعدول عن الموت إلى هادم اللذات فيه دعوة إلى الزهد والحذر من الدنيا والعمل لما بعد الموت. ولعلنا ندرك تمازج الامتاع بالإقناع في حديث "القوارير"حيث كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في سفَرٍ ، وكان غُلامٌ يَحدو بهنَّ يُقالُ له أنجَشَةُ ، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( رُوَيدَك يا أنجَشَةُ سَوقَك بالقَواريرِ ) . قال أبو قِلابَةَ : يعني النساءَ . حدَّثَنا إسحقُ : أخبَرنا حِبَّانُ : حدَّثَنا هَمَّامٌ : حدَّثَنا قَتادَةُ : حدَّثَنا أنسُ بنُ مالكٍ قال : كان للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حادٍ يُقالُ له أنجَشَةُ ، وكان حسَنَ الصوتِ ، فقال له النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ( رُوَيدَك يا أنجَشَةُ ، لا تَكسِرِ القَواريرَ ) . قال قَتادةُ : يعني ضَعَفَةَ النساءِ . الراوي: أنس بن مالك المحدث: البخاري - المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 6210 أنجشه غلام كان يسوق الإبل التي تحمل النساء في هوادجهن في بعض أسفاره ـ ـ ، وكان أنجشه يحدو فتسرع الإبل في سيرها ، وكانت هذه السرعة تزعج النساء وتخيفهن ولا تتناسب مع طبعهن .. ولا (مع الهوادج ) التي تحملهن ،فقال النبيـ هذا الحديث متضمنا تلك الاستعارة التي تحمل من الدلالات ما تحمل،فـ(القوارير) الزجاج جمع (قاروره) وهي الزجاجة والزجاج معروف بقابليته للكسر لذا يكون حامله على حذر ، ونلاحظ مدى أدب النبي ورفقه ، فلم ينهر الحادي ، بل خاطبه باسمه تكريما ولينا .وهذا النداء يجعل المتلقي أحرص على الاستجابة ، ونلاحظ أن النبي صلى الله عليه ولم لم يستخدم صيغة الأمر الإلزامية بل جاء بالمصدر الذي يحمل دلالة الطلب ولكن في لطف ورقة.
فاستعارة القوارير (القوارير)للنساء تحمل دلالة الرقة والضعف أو هما معا ، حيث يكون جمال المرأة في ضعفها ، فلو قال النساء لما دلت على هذه الدلالات ،إضافة إلى أن صورة الزجاج الذي يتعرض للكسر أدعى للخوف عليه ، وهذا يدعو أنجشه للكف عن السرعة . فقد أوجزت الاستعارة كلاما طويلا وحملت دلالات كثيرة ، ولعل هذا من جوامع كلم النبي .