فوائِد عجوز درعا !
ثبث عن الرسول أنه قال : ” قال الله : إنِّي خلقتُ عِبادي حُنفاء فاجتالتهم الشياطين ” . أخرجه مسلم في صحيحه .
قديماً كان الجويني (ت: 478هـ) تعالى يتعلَّم من عجائز نيسابور ويفتخر بذلك في كتبه . ومن أشهر أقواله “ إشهدوا عليَّ أني قد رجعتُ عن كل مقالة قلتُها أخالفُ فيها ما قال السلف الصالح .. وإنِّي أموتُ على ما تموتُ عليه عجائز نيسابور .
وكان الشهرستانى (ت: 548هـ) تعالى يقول: ” عليكم بدين العجائز ، فهو من أسنى الجوائِز” . واليوم تظهر لنا عجوز من درعا لنتعلَّم من بيانها .عجوز درعا هي التي ظهرت في مقطع قصير بتصوير ضوئي متحرِّك (فيديو ) ، وكانت تنصح بعض الجماعات الإسلامية في الشام بعدم التقاتل والتناحر : ارجعوا إلى الله.. وقد كرَّرت هذه الجملة عدة مرات بشفقة وعطف وصدق ، مع إستدلال بآيات كريمات وبعض أبيات الشعر .هذه العجوز واسمها ” عائشة الزعبي ” وهي راعية غنم ، ومن بيت علم وتقوى . وقد تعلَّمت في بلاد حوران عند عمها ” الشيخ حسين طه “ تعالى .
مثل هذه العجوز الصادقة قد تكون سبباً من أسباب الهداية للقلوب الغافلة ، أو التي ران الغيُّ على قلوبها بسبب اتِّباع الهوى ، أو التقليد الأعمى للطوائف والأحزاب المخالفة للحق المبين .معادلات بسيطة تخمَّرت في ذهن هذه العجوز الفقيهة ، اكتسبتها من سماع القرآن والسنة والتفكُّر في الكون لتحصد من خلالها حُكماً عادلاً لا يقبل الخطأ ، ومطابقاً لفِقه الواقع .

من أدلة عجوز درعا قياس الدلالة ، وهو قياس صحيح تُحذف فيه العِلة ، لأن لوازمها مفهومة في الكلام .قد يسمع الإنسان نصيحة من عالم أو واعظ كبير في العِلم والفقه لكن لا ينتفع بها ، لكنه قد يسمع نصيحة أو آية من عامِّي كبير في السن أو من عجوز لم يعرفا المدارس والكتب ، فتقع النصيحة موقعها في القلوب – بسبب الإخلاص والصدق والتجرد لله- فتكون باباً من أبواب الهداية والعودة إلى جادة الصواب .

بعضُ الناس لا يرجع إلى الحق أبداً لقول الله تعالى : ” صُمُّ بُكمٌ عُميٌ فهم لا يرجعون ” ( البقرة : 18 ) . لكن قد يُعذَّب بالفتن وغيرها ليعلم ضلاله وسوء منهجه ،كما قال الله تعالى : ” ولنذيقنَّهم من العذابِ الأدنى دون العذابِ الأكبر لعلهم يرجعون ” ( السجدة : 21)، وتذكير للآمنين أن عذاب الله بالمرصاد لمن خالف أوامره : ” ولقد أهلكنا ما حولكم من القُرى وصرَّفنا الآيات لعلهم يرجعون ” ( الأحقاف : 27 ) .

وقد تقرر عند الأصولييِّن أن النافي والمُثبت يلزمهما الدليل ، وأن الدليل لا يسقط عند عدم القدرة على الإستدلال .وقد كان للعجائِز قديماً دور مهم في نقل العلوم والتجارب والعِبر فقد روى أبو موسى الأشعري قال : ” أتى النبي أعرابيٌ فأكرمه فقال له : ائتنا ، فأتاه الأعرابي فقال له رسول الله : سَل حاجتك ، فقال : ناقة برحلها و أعنزا يحلبها أهلي ، فقال رسول الله : ” أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل ؟ فقال أصحابه : يا رسول الله و ما عجوز بني إسرائيل ؟ قال إن موسى لما سار ببني إسرائيل من مصر ، ضلُّوا الطريق فقال : ما هذا ؟ فقال علماؤهم : نحن نُحدِّثك ، إن يوسف لما حضره الموتُ أخذ علينا موثقاً من الله أن لا يخرج من مصر حتى ننقل عِظامه معنا ، قال : فمن يعلم موضع قبره ؟ قالوا : ما ندري أين قبر يوسف إلا عجوز من بني إسرائيل ، فبعث إليها فأتته فقال : دلُّوني على قبر يوسف ، قالت : لا والله لا أفعل حتى تعطيني حُكمي ، قال : و ما حكمك ؟ قالت : أكون معك في الجنة ، فكره أن يعطيها ذلك فأوحى الله إليه أن أعطها حُكمها ، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء ، فقالت : انضبوا( أى جفِّفوا ) هذا الماء فأنضبوا ، قالت : احفروا و استخرجوا عظام يوسف فلما أقلُّوها إلى الأرض إذا الطريق مثل ضوء النهار ” . أخرجه الحاكم وصححه الألباني .

وعن أبي سعيد الخدري : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم ذكر الدنيا فقال : إن الدنيا خَضرة حُلوة فاتقوها و اتقوا النساء . ثم ذكر نسوة ثلاثاً من بني إسرائيل امرأتين طويلتين تعرفان و امرأة قصيرة لا تعرف ، فاتخذت رِجلين من خشب و صاغت خاتماً فحشته من أطيب الطيب المسك و جعلت له غُلفاً ، فإذا مرَّت المسجد أو بالملأ قالت به ففتحته ، ففاح ريحه قال “المستمر “( أحد رواة الحديث) بخنصره اليسرى فأشخصها دون أصابعه الثلاثة شيئاً ،و قبض الثلاث ” .رواه ابن خزيمة وصححه الألباني .

وقد روى يحيى بن سعيد قال : سمعت عجوزاً من الأنصار تقول : رأيتُ ابن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يتعلَّم منه هذه الأبيات :
ثوى في قريشٍ بضع عشرة حِجةًيذكر لو ألفى صديقاً مواتيا
و يعرض في أهل المواسم نفسهفلم ير من يُؤوي و لم ير داعيا
فلما أتانا و استقرَّت به النوىو أصبح مسروراً بطيبة راضياً
و أصبح ما يخشى ظُلامة ظالم بعيدو ما يخشى من الناس باغياً
بذلنا له الموال من جل مالناو أنفسنا عند الوغا و التأسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهمبحق و إن كان الحبيب المواتيا
و نعلم أن الله لا شيء غيرهو أن كتاب الله أصبح هاديا .

وقد ورد في بعض الآثار :كانت عجوزٌ فِي عَبْدِ الْقَيْس تُكْثِر إِتيَانَ الْمَقَابِر ، فَعُوتِبَتْ فِي ذِلكَ ، فَقَالَت : إِنَّ القَلبَ إِذَا قَسَا لَمْ يُلَيِّنْهُ إِلَّا رُسومُ الْبِلَى . وَكَان لَهَا بَنونَ ، فَكَانَتْ تَقُول لَهُمْ : يَا بَنِيَّ ، عَامِلُوا اللَّهَ عَلَى قَدرِ إِحْسَانه إِلَيْكُمْ وَأَيَادِيه إِلَيْكمْ ، فَإِنْ لَمْ تُطِيقُوا فَعَلَى نِعَمِه ، إِنَّ الْمُتَّقِين أَلِفُوا الطاعَةَ فَاسْتَوْحَشَت جَوَارِحُهُمْ مِنْ غَيْرِهَا ، فَإِنْ عَرَضَ لَهُمُ الْمَلعُون بِمَعصِيَة مَرَّتِ الْمَعْصِيَة بِهِمْ مُحْتَشِمَةً ، فَهمْ لَهَا مُنْكِرُون ، يَا بَنِيَّ : عَامِلُوا اللَّهَ عَلَى قَدْر إِحْسَانه إِلَيْكُمْ وَأَيَادِيهِ إِلَيْكُمْ ، فَإِنْ لَمْ تُطِيقُوا فَعَلَى سِتْرِه ، فَإِنْ لَمْ تُطِيقُوه فَعَلَى الْحَيَاءِ مِنْه .

والمقصود أن بعض الشباب اليوم لا ينتفع بعلمٍ ولا بتجربة لا من عجوز ولا من شيخ ولا من ناصح، إما بسبب الكِبر وهوى النفس أو بسبب إنَّا وجدنا آبائنا على أُمةٍ – وهي سياسة مُتبَّعة اليوم – في بعض البلاد وعند بعض المشايخ والطوائف . والله الهادي .

كنت أتمنى من الفضائيات العِملاقة تسجيل لقاء مع الفقيهة عائشة الزعبي ( عجوز درعا ) – متعها الله بالعافية – عبر سكايب أو بكاميرا شخصية عند غُنيماتها ، لنستمتع بنصائحها المفيدة المطعَّمة بكلام الله تعالى . فليتَ ذلك يكون ! .هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بمعاهد القوات البرية

( منقول )
مدونة المتوقِّد | أ.د أحمد بن مسفر العتيبي