التربية بالقرآن .. والعودة إلى المنهج الأصيل

الجزء الأول من عنوان هذه المقالة هو عنوان الملتقى الذي نظمته الجمعية العلمية السعودية للقرآن وعلومه "تبيان" بعنوان: (التربية بالقرآن .. نماذج وتجارب) نهاية الأسبوع الماضي (22-23/ 4 / 1436هـ) في رحاب جامعة أم القرى([1]).

والتميز الذي لمسه الحضورُ والمشاركون في هذا الملتقى، هو الانتقالُ بكثير من بحوثه وتجاربه من التنظير إلى التطبيق، حيث استمع الحضورُ إلى نماذج عملية تمّ تطبيقها في سبيل تحقيق هذا الهدف (التربية بالقرآن).

ومع يقين كل باحثٍ بأهمية التأصيل والتنظير في هذا الموضوع المهم (التربية بالقرآن) إلا أنه قد حان الوقتُ للإفادة من التجارب القائمة في الساحة، سواء هنا في المملكة أم في غيرها من بلاد الإسلام؛ لأن الغاية من البحوث المؤصِّلة لهذا الموضوع، هو الانتقال بها إلى الميدان؛ ليفيد منها المربون، والمعلمون والمعلمات، والجهاتُ الإدارية التي تُشرِف على حلقات ودُوْر تحفيظ القرآن الكريم.

لقد بعث هذا الملتقى الأملَ، وجدّد الفألَ في النفوس بأن في الأمة خيراً كثيراً، وأن هناك رجالاً ونساءً يعملون ولا يكلّون في سبيل الأخذ بأيدي الأجيال إلى رياض القرآن، وتربيتهم بهديه، وصناعتهم على قِيَمِهِ وأخلاقه، في منظومةٍ من البرامج والمناهج المبنيّة على أسس علمية وإدارية جيدة.

ولقد كنتُ وأنا أستمع إلى بعض تلك التجارب والنماذج أشعر بالغبطة والسرور، وأنا أرى العودة إلى المنهج الأصيل في التربية القرآنية "الإيمان قبل القرآن" والذي عبّر عنه جندب بن عبدالله بقوله: كنا مع النبي ـ ونحن فتيان حزاورة([2]) ـ فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن؛ فازددنا به إيماناً([3])، وورد نحوه عن ابن عمر .

والمراد بهذا المبدأ ـ الإيمان قبل القرآن ـ: غرسُ معاني الإيمان، وتعظيمُ أمر الله ورسوله في القلوب، ومحبتهما، وتقديم ذلك كلّه على النفس والوالد والولد والناس أجمعين، وجعْلِ ذلك من شروط صحة الإيمان، في تنويع عجيب في الوسائل التي تحقِّق هذا الأصلَ المهم.

ومما يوضح شيئاً من تفاصيل هذا المنهج النبوي، الذي تلقّاه الصحبُ الكرام عن المربي الأول
، ثم نقله الصحابةُ إلى التابعين، ما رواه أبو عبدالرحمن السُلَمَيّ قال: إنا أخذنا هذا القرآنَ عن قومٍ أخبرونا: أنهم كانوا إذا تعلّموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العَشر الأُخَر حتى يَعلَموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآنَ والعملَ به، وإنه سيرث القرآنَ بعدنا قومُ ليشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم! بل لا يجاوز هاهنا، ووضع يده على الحلْق([4]).

وهذه الآثار ـ أثر جندب وابن عمر وأبي عبدالرحمن ـ تبين المنهج النبوي الذي سار عليه
في غرس هذا المبدأ، وكيف أخرج ذلك الجيلَ العظيمَ ـ جيل الصحابة ـ مع أن أكثرهم لم يكن حافظاً للقرآن كله، بل الحفّاظ فيهم قليل! لأنهم تلقّوا حقائقَ القرآن، وفهموا مقاصدَه ومعانيه؛ فسرى هذا في عباداتهم، وسلوكهم، ومعاملاتهم.

ومَن تأمل في قصة إراقة الخمر، وفي قصة أبي طلحة حين نـزل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾[آل عمران: 92] وتصدُّقِه ببستانه، وقصةِ ثابت بن قيس حين نـزل صدرُ سورة الحجرات، وقصةِ كعب بن مالك حين أُمِرَ بمفارقة زوجته، فقال: أطلّقها أم أُلحقها بأهلها؟ وقصةِ نساء الأنصار حين نـزلت آية الحجاب، وغيرها كثير، من تأمل ذلك كله علم أنها شواهد على أثر هذه التربية النبوية العظيمة.


لذا، فإنني أتمنى أن يعود تطبيقُ هذا المنهج ـ "الإيمان قبل القرآن" ـ في حلقات مساجدنا، ولئن كان يصعب تحويلُ الحلقات كلها إلى هذا، فلا أقلّ من تأسيس حلقةٍ في كلّ مجمّع تتبنى ذلك، وهذا يسبقه تهئيةُ المدرسين الذين يقومون على هذه الحِلَق، إذْ لا بد أن يكونوا ممن يتحلَّون بخلق القرآن، وعلى قدْر جيد من التحصيل الشرعي، خاصةً في القرآن وعلومه، وأن يكونوا ممن عُرفوا بذلك، فالتلقي هنا ليس مجرد تلقين، بل نقلٌ للمعرفة والسلوك.


إن كثيراً من طلاب الحلقات لا يتهيأ له الاستمرار حتى يحفظ ـ وهذا شيء طبعي ـ فلتبق معه التربيةُ الإيمانية، والهدايات القرآنية، وإن لم يُكمِل حفظ القرآن؛ إذْ المقصد الأكبر إصلاح القلب والسلوك ما أمكن، وإن لم يتيسر الحفظ، فالحفظ فضلٌ، يؤتيه الله من يشاء، وعلى مدار القرون لم يكن الحفاظ إلا عدداً قليلاً في الناس.





([1]) يمكن تحميل بحوث هذا الملتقى من هنا:http://www.alquran.org.sa/main/articles.aspx?article_no=709&search=1 .

([2]) حزاورة: جمع حزْوَر، وحزوّر: هو الذي قارب البلوغ، والتاء لتأنيث الجمع، ينظر: "النهاية" (1/380).

([3]) ابن ماجه ح(61)، وسنده حسن.

([4]) رواه ابن سعد في "الطبقات" (6/172) وسنده جيد.




* المقال على الموقع: http://almuqbil.com/web/?action=articles_inner&show_id=1597