قال ابن الجوزي - - في ( صيد الخاطر ) : رأيت من نفسي عجبًا ، تسأل الله تعالى حاجاتها ، وتنسى جناياتها ! فقلت : يا نفس السوء ، أومثلك ينطق ؟! فإن نطق فينبغي أن يكون السؤال العفو فحسب ! فقالت : فممن أطلب مراداتي ؟ قلت : ما أمنعك من طلب المراد ، إنما أقول : حققي التوبة وانطقي ، كما نقول في العاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة ، لا يجوز له أن يأكل ، فإن قيل لنا : أفيموت ؟! قلنا : لا ، بل يتوب ويأكل ؛ فالله الله من جراءة على طلب الأغراض ، مع نسيان ما تقدم من الذنوب التي توجب تنكيس الرأس ، ولئن تشاغلت بإصلاح ما مضى ، والندم عليه ، جاءتك مراداتك ؛ كما روي : " مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي ، أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ " . وقد كان بِشْرُ الحافي يبسط يديه للسؤال ، ثم يسلبهما ، ويقول : مثلي لا يَسأل ، ما أبقت الذنوب لي وجها .
فاعقلي أمركِ ، فإنك من الانبساط والغفلة على شفا جرف ، وليكن حزنك على زلاتك شاغلا لكِ عن مراداتك ، فقد كان الحسن البصري شديد الخوف ، فلما قيل له في ذلك ؛ قال : وما يؤمنني أن يكون اطلع على بعض ذنوبي ، فقال : اذهب لا غفرت لك .