إعلام الساجد * بحكم البيع والشراء في المساجد

تأليف أبي عبد الله محمد

بن محمد المصطفى الأنصاري

المدينة النبوية
gs










سم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله القائل : ( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموت والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ) ( 1 ) والقائل : ( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) ( 2 )

اختلف العلماء في البيع والشراء في المسجد على قولين بين الحرمة والجواز مع الكراهة ، ويصح البيع إن وقع بالإجماع ،
القول الأول : أنه يحرم ،
وهو مذهب أحمد في رواية ، وإسحاق ( 1 )
القول الثاني : أنه جائز مع الكراهة ،
وهو مذهب أبي حنيفة ، ( 2 ) ومالك ، ( 3 ) والشافعي ، ( 4 ) وأحمد في رواية ، ( 5 )
· استدل أصحاب القول الأول بما يأتي
الدليل الأول : عن أبي هريرة أن رسول الله قال إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا لا رد الله عليك قال أبو عيسى حديث أبي هريرة حديث حسن غريب والعمل على هذا عند بعض أهل العلم كرهوا البيع والشراء في المسجد وهو قول أحمد وإسحاق وقد رخص فيه بعض أهل العلم في البيع والشراء في المسجد
· وقد كره قوم من أهل العلم البيع والشراء في المسجد ، ( 6 )

الدليل الثاني : عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة وعن الشراء والبيع في المسجد ، ( 1 )
· وجه الدلالة
إن هذين الحديثين دلا على أن البيع في المسجد لا يجوز ، والأصل في النهي التحريم إلا إذا صرفه صارف ، ولأن المساجد لم تبن لهذا ورأى عمران القصير رجلا يبيع في المسجد فقال هذه سوق الآخرة فإن أردت التجارة فاخرج إلى سوق الدنيا ، ( 2 )
· واستدل أصحاب القول الثاني بما يأتي
· الدليل الأول : أن النهي محمول على الكراهة ، ( 3 )
· الدليل الثاني : قال العراقي وقد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه ، ( 4 )
· الدليل الثالث : لأن البيع قد تم بأركانه وشروطه ولم يثبت وجود مفسد له وكراهة ذلك لا توجب الفساد ، ( 5 )
· الدليل الرابع قال البخاري : في صحيحه : باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد ، وذكر حديث عائشة في قصة بريرة في اشتراط الولاء ( 6 )

* المناقشة والترجيح

بعد النظر في أدلة أصحاب القولين تبين لي ما يأتي
أولا :أن ما استدل به أصحاب القول الأول صريح وهو نص في محل النزاع ،
ثانياً : أن ما استدل به أصحاب القول الثاني لا ينتهض للأحتجاج قال الشوكاني : حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأن النهي حقيقة في التحريم وهو الحق وإجماعهم على عدم جواز النقض وصحة العقد لا منافاة بينه وبين التحريم فلا يصح جعله قرينة لحمل النهي على الكراهة وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يكره البيع والشراء في المسجد والأحاديث ترد عليه ، وفرق أصحاب أبي حنيفة بين أن يغلب ذلك ويكثر فيكره أو يقل فلا كراهة وهو فرق لا دليل عليه ، ( 1 )
وبهذا يتبين لي رجحان ما ذهب إليه أصحاب القول الأول من عدم جواز البيع والشراء في المسجد للأدلة الصحيحة الصريحة التي استدلوا بها والله تعالى أعلم .

جمعه وكتبه أبو عبد الله محمد بن
محمد المصطفى

المدينة النبوية

13 / 12 / 1423 هـ







( 1 ) أخرجه مسلم وأبو داوود والنسائي والترمذي وابن ماجة وأحمد وابن حبان وأبو عوانة وأبو نعيم في المستخرج والبغوي في شرح السنة والبيهقي في السنن الكبرى من حديث عائشة .
انظر صحيح مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه رقم ( 770 ) 1 / 534 ، وسنن أبي داوود في كتاب الصلاة باب ما يستفتح به الصلاة من الدعاء رقم ( 767 ) 1 / 487 ، وسنن النسائي في كتاب قيام الليل باب بأي شيء يستفتح صلاة الليل رقم ( 1624 ) 3 / 234 ـ 235 ، وسنن الترمذي في كتاب الدعوات باب ما جاء في الدعاء عند استفتاح الصلاة بالليل رقم ( 342 ) 5 / 451 ـ 452 ، وسنن ابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ، باب ما جاء في الدعاء إذا قام الرجل من الليل رقم ( 1357 ) 1 / 431 ـ 432 ، ومسند أحمد 6 / 156 ، وصحيح ابن حبان رقم ( 2600 ) 6 / 335 ـ 336 ، ومسند أبي عوانة 2 / 304 ـ 305 ، والمسند المستخرج على صحيح مسلم لأبي نعيم رقم ( 1760 ) 2 / 367 ، والبغوي في شرح السنة رقم ( 952 ) 4 / 70 ـ 71 ، والسنن البرى للبيهقي 3 / 5 .

( 2 ) أخرجه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وابن ماجة ومالك في الموطأ والدارمي وابن حبان والبغوي في شرح السنة و الطبراني في الكبيروابن عبد البر من حديث معاوية وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة .
انظر صحيح البخاري في كتاب العلم باب من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين رقم ( 71 ) 1 / 24 ، وفي كتاب فرض الخمس باب قوله تعالى فلله خمسه وللرسول رقم ( 3116 ) 2 / 393 ، وفي كتاب الاعتصام باب قول النبي e لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق وهم أهل العلم رقم ( 7311 ) 4 / 366 ، وصحيح مسلم في كتاب باب النهي عن المسألة رقم ( 1037 ) 2 / 717 ـ 718 ، ومسند أحمد 4 / 92 ـ 93 ، 95 ـ 99 ، 104 ، وسنن الترمذي في كتاب العلم باب إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين رقم ( 2645 ) 4 / 385 ، وسنن ابن ماجة في المقدمة باب فضل العلماء رقم ( 220 ـ 221 ) 1 / 80 ، وموطأ مالك في كتاب القدر باب جامع ما جاء في القدر 2 / 900 ـ 901 ، وسنن الدارمي 1 / 74 ، وصحيح ابن حبان رقم ( 89 ) 1 / 80 ، ورقم ( 310 ) 2 / 8 ، ورقم ( 3401 ) 8 / 193 ـ 194 ، وشرح السنة للبغوي رقم ( 131 ـ 132 ) 1 / 284 ـ 285 ، والمعجم الكبير للطبراني رقم ( 729 ، ( 729 ، 782 ـ 787 ، 792 ، 797 ، 810 ، 815 ، 860 ، 864 ، 868 ـ 869 ، 871 ، 904 ، 906 ، 911 ـ 912 ، 918 ـ 919 ) ، وجامع العلم وفضله لابن عبد البر 1 / 17 ـ 19.

( 1 ) انظر المغني لابن قدامة 4 / 184 والإنصاف للمرداوي 3 / 385 ـ386 .

( 2 ) انظر البحر الرائق لابن نجيم 2 / 327 وجواهر العقود 1 / 55 .

( 3 ) انظر شرح الموطأ للزرقاني 1 / 503 ـ 504 ومواهب الجليل للحطاب 6 / 13 وحاشية الدسوقي 4 / 71 .

( 4 ) انظر لمجموع 6 / 517 وروضة الطالبين 2 / 393 .

( 5 ) انظر المغني لابن قدامة 4 / 184 والإنصاف للمرداوي 3 / 385 ـ386

( 6 ) أخرجه الترمذي في كتاب البيوع باب النهي عن البيع في المسجد رقم ( 1321 ) 3 / 610 ـ 611
وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم (1321 ) 2 / 63 ـ 64 .

( 1 ) أخرجه النسائي في كتاب المساجد باب النهي عن البيع والشراء في المسجد رقم ( 713 ) 2 / 378 ،
وحسنه الألباني : في صحيح سنن النسائي رقم ( 713 ) 1 / 236 ـ 237 .

( 2 ) انظر : المغني 4 / 184 .

( 3 ) انظر : نيل الأوطار 2 / 167 والمغني 4 / 184.

( 4 ) انظر : نيل الأوطار 2 / 167وفتح الباري 1 / 550 .

( 5 ) انظر : المغني 4 / 184 والإنصاف 3 / 385 ـ386 .

( 6 ) انظر : فتح الباري رقم الحديث ( 456 ) 1 / 550 .

( 1 ) انظر نيل الأوطار 2 / 167 .