الأسطوانات المأثورات في المسجد النبوي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد فهذه رسالة مختصرة في الأسطوانات المأثورة في المسجد النبوي الشريف في إسمائها ومواقعها والفضل الوارد في بعضها وقد ظلت هذه الأسطوانات متميزة عبر التاريخ ومع الزيادات المتلاحقة في المسجد الشريف ظلت الأساطين المبنية في زمن النبي محافظة على أماكنها، حيث تحرى ذلك كل من زاد أو رمم في المسجد الشريف على مر التاريخ ، خاصة الأعمدة المشهورة الواقعة في الروضة الشريفة، والتي ارتبط اسمها بمآثر مدونة في كتب الحديث والتاريخ، وترتيب هذه الأسطوانات: المخلقة عند المحراب، وأسطوانة عائشة خلفه إلى اليسار قليلاً، والتوبة على يسارها، ثم السرير عن يسار هذه، ثم الوفود خلف ذلك شمالاً، ثم الحرس خلف الوفود ، ومكتوب في أعلى كل واحدة اسمها ، وبداخل الشباك أسطوانات أخرى لا يمكن الصلاة عندها منها أسطوانة مربعة القبر، وأسطوانة التهجد وهي التي كانت في مكان تهجده من الليل ، وتلخيص تفاصيل أماكنها هي التالية :
1 - أسطوانة عائشة رضي الله عنها: وهي التي تلي أسطوانة التوبة من جهة الغرب وتقع هذه الأسطوانة في وسط الروضة الشريفة وقد اتخذ النبي مكانها مصلى بعد تحويل القبلة مدة شهرين أو ثلاثة ثم تحول إلى مكان مصلاه الذي هو الآن عند الأسطوانة المخلقة (أي المطيبة) فأصبحت هذه الأسطوانة خلفه، وكان عمر والصديق وأفاضل الصحابة يفضلون الصلاة عندها وكان أفاضل أبناء المهاجرين من التابعين يعتادون الجلوس عندها، حتى قيل لمجلسهم: مجلس القلادة .وسبب تسميتها بأسطوانة عائشة أن بعضاً من الصحابة كانوا جلوساً عند عائشة ومعهم ابن أختها التابعي الفقيه (عروة بن الزبير) فقالت عائشة : إن في المسجد أسطوانة لو عرفها الناس لاضطربوا على الصلاة عندها بالأسهم . فسألوها عنها فأبت أن تعينها لهم ثم بعد قيامهم سارت ابن الزبير بشيء ثم قام واتجه إلى هذه الأسطوانة وصلى عندها، وكان بعض أولئك الصحابة يرقب ماذا سيفعل فلما صلى عندها جاؤوا وصلوا في مكانه فسميت هذه الأسطوانة بعد ذلك( أسطوانة عائشة (كما هو مكتوب الآن في أعلاها، وروى عن عائشة أنها كانت تقول : " لو عرفها الناس لاضطربوا عليها بالسهام وإنها أسـرتها إلى بن الزبير فكان يكثر الصلاة عندها " ([1])كما سميت ( بأسطوانة القرعة) لرواية لاقترعوا عليها بالسهام (وروى بعض التابعين عن زيد بن أسلم أنه رأى موضع جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند هذه الأسطوانة وأنه رأى موضع جبهة أبي بكر الصديق دونها ثم رأى موضع جبهة عمر دون موضع جبهة أبي بكر الصديق رضي الله عن الجميع مما يؤكد أن أبا بكر وعمر كانا يعرفان فضل الصلاة عند هذه الأسطوانة، وقد ورد أيضاً أن الدعاء عندها مستجاب ([2]).
وعن يزيد بن أبي عبيد قال كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف فقلت يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة قال فإني رأيت النبي يتحرى الصلاة عندها " ([3]).
2 - أسطوانة الوفود: وهي ملاصقة لشباك الحجرة الشريفة، سميت بذلك لأن النبي كان يجلس عندها لوفود العرب القادمة عليه لكي تبايعه على الإسلام .
3 - أسطوانة التوبة: وتسمى أيضاً: أسطوانة أبي لبابة وموقعها: الرابعة شرق المنبر، وسميت بذلك: لأن الصحابي الجليل أبا لبابة الأنصاري ربط نفسه فيها لذنب أذنبه، حتى تاب الله عليه وأطلقه بيده.
4 - الأسطوانة المُخَلَّقة: ( أي المطيبة بطيب الخلوق) وهي ملاصقة لمحراب النبي من جهة القبلة ، وكان يصلي إليها بعد تحوله عن أسطوانة عائشة رضي الله عنها ([4]) ، وسبب تسميتها بذلك أن النبي رأى عليها نخامة فساءه ذلك فقام أحد الصحابة وحك النخامة وطيب مكانها بطيب يسمى الخلوق فسر النبي لذلك " ([5]).
5 - أسطوانة السرير: وهي ملاصقة لشباك الحجرة الشريفة من الجنوب، سميت بذلك: لأن النبي كان إذا اعتكف في المسجد وضع له سرير عندها ([6]).
6 - أسطوانة المُحَرس أو الحَرس: تقع خلف أسطوانة التوبة من الشمال وكانت تسمى أيضاً أسطوانة علي بن أبي طالب لأنه كان يجلس عندها حارساً للنبي فلما نزل عليه قوله تعالى: ( والله يعصمك من الناس) ترك اتخاذ الحراس حينئذ ، وكان أمراء المدينة يصلون عندها ([7]).
وبداخل الشباك الشريف أسطوانات أخرى لا يمكن الصلاة عندها منها:
7 - أسطوانة مربعة القبر،سميت بذلك: لوقوعها في ركن المربعة الغربية الشمالية من الحجرة الشريفة ([8]).
8 - أسطوانة التهجد: وهي التي في مكان تهجده من الليل" ([9]).
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

إعداد : محمد بن محمد المصطفى الشنقيطي
المدينة النبوية




([1]) فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر 1 / 577 ، ونيل الأوطار للشوكاني 1 / 241 ، وفيض القدير للمناوي 1 / 390 .

([2]) وفاء الوفاء للسمهودي 1 / 367 - 370 ، والدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم لغالي محمد الأمين الشنقيطي ص 43 - 44 ، وتاريخ المسجد النبوي محمد إلياس عبد الغني ص 123 – 133، ونزهة الناظرين في مسجد سيد الأولين والآخرين لجعفر بن إسماعيل البرزنجي ص 156 ـ 169، وعمدة الأخبار في مدينة المختار لأحمد عبد الحميد العباسي ص 96-102.

([3]) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة ، باب الصلاة إلى الأسطوانة رقم ( 502 ) 1 / 175 ، ومسلم في كتاب الصلاة ، باب دنو المصلي من السترة رقم ( 508 – 509 ) 1 / 316 .

([4])وفاء الوفاء للسمهودي 1 / 367 - 370 ، والدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم لغالي محمد الأمين الشنقيطي ص 43 – 44، وتاريخ المسجد النبوي محمد إلياس عبد الغني ص 123 – 133، ونزهة الناظرين في مسجد سيد الأولين والآخرين لجعفر بن إسماعيل البرزنجي ص 156 ـ 169، وعمدة الأخبار في مدينة المختار لأحمد عبد الحميد العباسي ص 96-102.


([5]) أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة وأبي سعيد في كتاب الصلاة ، باب حك المخاط بالحصى من المسجد رقم ( 400 ) 1 / 161 ، ومسلم من حديث جابر في كتاب الزهد والرقائق ، باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر رقم ( 3008 ) 4 / 2304 .

([6])وفاء الوفاء للسمهودي 1 / 367 - 370 ، والدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم لغالي محمد الأمين الشنقيطي ص 43 – 44، وتاريخ المسجد النبوي محمد إلياس عبد الغني ص 123 – 133، ونزهة الناظرين في مسجد سيد الأولين والآخرين لجعفر بن إسماعيل البرزنجي ص 156 ـ 169، وعمدة الأخبار في مدينة المختار لأحمد عبد الحميد العباسي ص 96-102.

([7]) وفاء الوفاء للسمهودي 2 / 448 ، وخلاصة الوفاء ص 243 ، وتاريخ المسجد النبوي لمحمد إلياس عبد الغني ص 131 .

([8])وفاء الوفاء للسمهودي 1 / 367 - 370 ، والدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم لغالي محمد الأمين الشنقيطي ص 43 – 44، وتاريخ المسجد النبوي محمد إلياس عبد الغني ص 123 – 133، ونزهة الناظرين في مسجد سيد الأولين والآخرين لجعفر بن إسماعيل البرزنجي ص 156 ـ 169، وعمدة الأخبار في مدينة المختار لأحمد عبد الحميد العباسي ص 96-102.

([9])وفاء الوفاء للسمهودي 1 / 367 - 370 ، والدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين صلى الله عليه وسلم لغالي محمد الأمين الشنقيطي ص 43 – 44، وتاريخ المسجد النبوي محمد إلياس عبد الغني ص 123 – 133، ونزهة الناظرين في مسجد سيد الأولين والآخرين لجعفر بن إسماعيل البرزنجي ص 156 ـ 169، وعمدة الأخبار في مدينة المختار لأحمد عبد الحميد العباسي ص 96-102.