"أذرعات" عند النحويين...
عدها النحويون قديماً ملحقا بجمع المؤنث السالم بإعرابها... ولعلهم تنبأوا بما سيؤول إليه حالها في قابل الأيام فلم يجعلوا السلامة أصلا في تشكلها، ولم يضمنوا سلامتها في قابل الأزمان فألحقوها إلحاقا، ولو رأوها اليوم كان لزاما عليهم أن يلحقوها بالجمع المكسر، والدار المهدم والأرض المحروقة؛ لمأساتها وعِظم مصابها... وقد يمنحها النحاة المنصفون لقباً نحوياً جديداً يناسب صمودها ومصابرتها وشهداءها ودموع أهلها... أو حتى يبوبوا لها بابا تحت عنوان "أسماءٌ بلا بناء ولا إعراب"... لا تستغربوا فتتهموا إخوانكم بالحمق؛ فـــ"أذرعات" الشاهد النحوي قديما هي "درعا" السورية اليوم...
هل سمعتم بها؟ هل أدركتم مصابها؟ فإنها الغالية التي يعرفها مدرسو العربية قديما وحديثا، درسناها وحفظناها في الجامعات، ورددناها دراسةً وحفظاً وتعلماً اليوم، نذكرها لأجيالٍ جديدة في النحو العربي... حفظناها من زمن بعيد. نعم! أقصد: حفظنا كيف تُعرب! وحفظنا من يقول ببنائها! فلا تتوهموا، لكن لم نحفظها لأهلها وسكانها!! أسفا! لم نحفظ لها كرامتها وعزتها وسلامة أرضها...
أيها النحويون يا عشاق العربية، لماذا تخليتم عنها وهي المنتسبة إلى سجلاتكم وقواميسكم وأفنيتكم؟! لِمَ أسلمتموها لمن لا يُحسن الإعراب والبناء إلا بالكسر والنصب والتدمير والدماء والإرهاب؟!!! أيها النحاة ستقاضيكم "أذرعات"، ستقاضيكم غدا في موقف مشهود بأنكم لم تحسنوا إعرابها فألحقتموها بالدمار بعد "المؤنث السالم" حتى تلاشى بناؤها عن الأبصار...
لا تسألوا عنها وعن أحكمها وأخبارها النحويين والطلبة في الصفوف المدرسية والجامعية اليوم؛ لأنهم أضاعوها منذ زمن!! باعوا عمرانها هدما للمفلسين! وذاعوا خبر ضياعها في إذاعات الشرق والغرب!! ثم استنجدوا بالأمم المتحدة ومجلس الأمن ومجاميع الخائنين والسفاحين ليُعيدوا لها إعرابها من جديد، ويبنوها وقد كانت معربة ومبنية عند المتقدمين!.
قلتُ: لا تسألوا عنها هناك؛ لأنكم ستجدون أخبارها اليوم عند منظمات حقوق الإنسان، وتُدرس أحوالها في المعسكرات والثكنات، ويتداولها الضباط والجنود والعساكر!!! ولو أردتم بحثا عن أهلها! فهناك حيث المخيمات في العراء والبرد والثلوج، يلتقط النواب والوزراء والقادة صورا تذكارية مع أطفالهم، بعد أن يذلوهم بقطعة قماش تستر بعض عوراتهم، وكيسا من الرز أو الطحين يكفي بعضهم دون بعض.
أيها النحاة والمعربون والمثقفون: ألم أقل لكم أنها ستقاضيكم!! فعلامَ ألحقتموها في صفوف العساكر وبثثتم ذكرها على ألسنتهم وبين أقلامهم ودروعهم! وقد كانت زهرةً تزهو وتلمع عند أسلافنا النحويين، بين المعارف وطلبة العلم والمثقفين من أبناء الأمة....
أعتذر لك يا "أذرعات" أعتذر من لب قلبي، وتُسابق قلمي الدموع وتملأ قلبي الأحزان، فوالله ما زلت أحفظك وأرجح فيك البناء وإن كان ضعيفا عند المتقدمين وحلما بعيدا عند المُحْدَثين، وها أنا ذا أحتفظ باسمك وأُدَرِّسه الأجيال في الجامعات، غير أني أرويك كذبا شاهدا للملحق بجمع المؤنث السالم، حيث لا يرضى الولاة والجناة والمتسلطون أن أخترع لك اسما يناسب المأساة التي حلت على ترابك وعمرانك، وأنزع عنك وصف "السالم" الذي ما عاد يصلح نعتا لـــ"أذرعات".
أيتها الدار الملحقة بالسالم قديما والمنكوبة حديثا والمنسوبة للدمار والهدم يوم بعد يوم: أنا ما زلت وفيا لك، محبا طامعا بنجاتك، وألفظ الكسر على آخرك والله مرجحا البناء على الإعراب، والدموع تذرف حنينا لإعادتك إلى صفوف المثقفين بعد نفاذك من الحروب المهلكة، فتحيتي لك أيتها الغالية. #حروبٌ_مُدَمِّرة.